هل يحق لنا الاحتفال بذكرى الثورة؟

هل يحق لنا الاحتفال بذكرى الثورة؟

ثورة التحرير الجزائرية

كانت الرّصاصة التي أطلقها الثوّار في جبل الأوراس يوم الفاتح من شهر تشرين الثاني\نوفمبر عام 1954، فاصلة بين زمن فرنسي محتلّ، سعى إلى طمس ملامح الإنسان والمكان، وزمنٍ جزائري حرّ سعى إلى استرجاع هذه الملامح، وقد اشترك الزمنان المتضادّان في خاصية الفشل، فالفرنسي فشل في أن يبقى في الجزائر، والجزائري فشل في أن يحافظ على قيم ثورته ويكرّسها في واقعه المعيش.

لقد تميّز المشهد الجزائري عن كثير من المشاهد العربية الأخرى، بكونه عرف العديد من الرؤساء، على مدار استقلاله الوطني منذ 1962، أحمد بن بلة وهواري بومدين والشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف وعلي كافي واليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة.

إن الشرعية الثورية التي بقيت تحكم بدل الشرعية الديمقراطية الشعبية، حوّلت ذكرى اندلاع ثورة التحرير، إلى صنم سنوي بلا روح

وكلهم اتخذوا من مشاركتهم في ثورة التحرير دليلهم الأول على جدارتهم بالحكم، لكنهم فشلوا جميعًا في تحقيق أهداف الثورة واقعيًا، رغم الثروات الكبيرة التي تزخر بها القارّة الجزائرية.

إن الشرعية الثورية التي بقيت تحكم بدل الشرعية الديمقراطية الشعبية، حوّلت ذكرى اندلاع ثورة التحرير، إلى صنم سنوي بلا روح، يقف بعضهم بين يديه في الظلام، ليثبتوا أنهم لا يزالون على العهد والوعد، ثم ينسحبون إلى واقع يحلم فيه الجميع بالهجرة إلى فرنسا، ويستوردون منها سنويًا قمحها وشعيرها وبصلها وعدسها وقثّاءها وثومها، وهي التي كانت تطعم أوروبا كلها من سهل المتيجة.

هل يحقّ لسياسي وصل إلى السلطة باللفّ والتزوير والدوران، وبقي فيها بالرشوة والقوة وشراء الذمم، من غير أن يبذل جهدًا خارج هاجس الوصول والبقاء، أن يحتفل بذكرى ثورة التحرير؟

اقرأ/ي أيضًا: مخاوف من الإعلام الإلكتروني في الجزائر

هل يحقّ لرجل أعمال جمع ثروته من خزينة الشعب ومن عرق أولاده الغلابة، حتى أن كثيرين منهم لا يحظون بالحقوق المتعارف عليها عالميًا، ومن الغش في المشاريع التي حظي بها بعيدًا عن النزاهة والشفافية، ومن تهربه من دفع الضرائب المستحقة عليه، أن يحتفل بذكرى ثورة التحرير؟

هل يحق لمجاهد شارك في ثورة التحرير، وكُتب له أن يبقى على قيد الحياة، بأن يحتفل بذكراها، وهو لم ينبس ببنت شفة في وجه الخرابات المرتكبة من طرف الحكومات المتعاقبة، مكتفيًا بالاستمتاع بالامتيازات التي يتيحها هذا النظام لهذه الشريحة؟

وليته اكتفى بالسكوت، بل إنه انخرط في مسعى التزكية والدفاع عن الاستمرارية.

هل يحق لمثقف لا يهتمّ بالشأن العام، وإن حدث أن اهتمّ فمن باب تلميع الواقع والتغني به وبرموزه الحاكمة، والتشبّه بها في تهميش الكفاءات ودحر المواهب ودفعها إلى الهجرة أو الانسحاب من المشهد، بأن يتغنى بأمجاد الثورة والاحتفال بذكراها؟

هل يحقّ لسياسي وصل إلى السلطة باللفّ والتزوير والدوران، أن يحتفل بذكرى ثورة التحرير؟

هل يحقّ لمواطن أن يحتفل بذكرى الثورة، وهو يفرح بساعة الخروج من الدوام، في مقابل تذمّره من ساعة الالتحاق به، علمًا أنه يقضي الساعات التي بينهما في اللعب والنوم؟ ويتفنن في سرقة ما يقع تحت يديه من الأملاك العامّة، بحجة أن الجميع يسرق؟ ويزكي في مواسم الانتخابات مرشح القبيلة على حساب مرشح الكفاءة؟

لقد فعل نوفمبر العظيم فعلته بتحرير البلاد والعباد، بفعل الصّدق الذي كان يمتاز به الشهداء سلوكًا وتفكيرًا، وبات عاجزًا عن تنمية البلاد والعباد، بفعل الكذب الذي صارت الأغلبية تتبنّاه، ولم يعد هناك من فئة جديرة بالاحتفال بذكراه إلا فئة الشهداء، فهل ستفعلها يومًا وتعود، مثلما تنبأ بذلك الرّوائي الطاهر وطار؟

اقرأ/ي أيضًا:
معرض الكتاب في الجزائر.. الحج إلى المعرفة
الجزائر.. جرائم متعددة تهدد تماسك المجتمع
حكّام الجزائر وبريطانيا والفن.. فرق مخيف