هل يجب إعادة تعريف المقاومة في لبنان؟

هل يجب إعادة تعريف المقاومة في لبنان؟

استعراض عسكري لحزب الله في لبنان (أ.ب)

أصبحت لغة التخوين "موضة" دارجة في لبنان، تمامًا كالثياب والأزياء، حيث يلبسك إياها الآخرون المختلفون عنك؛ يرمونك بتهم باطلة وصفات يقشعر لها البدن، لمجرد إبداء رأي سياسي أو ديني أو اجتماعي مغاير لنظرتهم.

ما نعارضه هي "المقاومة" التي حولت بندقيتها للداخل، ورهنت قرارها لإيران تحقيقًا لأهدافها وعاثت خرابًا في عدد من البلدان العربية

قد يصفونك بالعميل أو بالخائن، فيما يحلو للبعض وضعك في خندق واحد مع الصهيونية العالمية والإمبرياليّة الأمريكية والإرهاب الداعشي، ويستخدمون مصطلحات ضخمة باعتبار أن ضخامة المفردات ستثبت وجهة نظرهم!

اقرأ/ي أيضًا: هل يجب "مواجهة" حزب الله؟

يتهمك أحدهم بالتخاذل والخنوع، ثم تقوم فئة معينة بقياس نسبة الشرف في دمك، وتسقط عنك أي حس بالمسؤولية الوطنية، كأنك ولدت في عالم آخر، وتحمل جنسية غير الجنسية اللبنانية، أو تسعى إلى إعلاء راية العدو وتحقيق مصالحه بدل المصلحة الوطنية!

يُنكر هؤلاء عليك حقك في إبداء الرأي، والتعبير عن وجهة نظرك في القضايا الوطنية، وبالتالي إما أن تلبس عباءتهم وآراءهم وتتعلم دروس الوطنية من خلال وجهتهم الأيديولوجية "المقاومة"، أو يحلل سفك دمك وهتك عرضك ما دمت لست من "أشرف الناس وأكرمهم وأطهرهم"، بالطبع من خلال منظورهم الفكري والسياسي والثقافي.

رغم أنه مع معارضتنا لسياسة "المقاومة" الحالية المتمثلة في حزب الله، لا يمكننا التغاضي عن الإنجازات التي حقّقتها ضد العدو الصهيوني من الأراضي اللبنانية وتحقيق حالة ردع عسكرية، فإنكار هذه الإنجازات العسكرية ليس إلا ضربًا من الاستهتار السياسي تجاه بيئة حاضنة لهذه المقاومة ومؤمنة بها، كما أنه إنكار للتاريخ ونسف للماضي.

يُمكن القول، إن التنازل عن المقاومة الوطنية هو إضعاف للبنان وتفريط بورقة رابحة في مواجهة إسرائيل دون أي مبرر. ورقة تعطي لبنان قوّة إستراتيجية تفاوضية في أي معادلة مستقبلية في المنطقة.

إذًا فما نعارضه ليس المقاومة على حقيقتها، وإنما "المقاومة" التي حولت بندقيتها إلى الداخل في وجه أبناء الوطن، والتي رهنت قرارها لإيران تحقيقًا لأهدافه، وعاثت فسادًا وخرابًا وتقطيعًا في عدد من البلدان العربية مثل سوريا واليمن والعراق. "المقاومة" التي تحتكر قرارت مصيرية نيابة عن الدولة في لبنان، وتفرض أجندتها على الواقع السياسي للبنانيين إلى ما لا نهاية.

فالمقاومة تنشأ نتيجة أزمة، والأزمة عبارة عن عائق اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو عدو خارجي. وهدف المقاومة هو التخلص من هذه الأزمة والتطور إلى مرحلة وطنية أسمى، أي "الانتقال من طور ماضي ظالم إلى طور أكثر عدلًا ورفاهية، والوصول إلى الهدف الأساس للمقاومة، ألا وهو الحضارة" كما يعرفها المفكر اللبناني مهدي عامل في كتابه "أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية".

والحضارة، في تعريفها، عبارة عن تحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع والانتقال من الفوضى إلى حالة الاستقرار، أي ما اصطلح على تسميته "الدولة"، تمامًا كما حصل عقب الثورة الفرنسية التي غيرت وجه فرنسا وأوروبا كلها، وانتهت المقاومة بتحقيق أهدافها وتثبيت أركان جمهورية جديدة.

ولنأخذ المقاومة المتمثلة في حزب الله نموذجًا للبناء عليه، ولنطرح على أنفسنا بعض الأسئلة: هل أنقذت المقاومة لبنان من أزماته أم زادت منها؟ هل نقلت المقاومة المجتمع اللبناني من طور الانقسام إلى الوحدة الوطنية أم زادت من الشرخ الوطني؟ هل أصبح لبنان قاب قوسين أو أدنى من الدولة بفعل المقاومة، أم انتفى شكل الدولة ومضمونها بفعل هذه المقاومة؟

ما السر إذًا في هذا الفشل، وفي هذا التدهور الحاصل للوطن والدولة والكيان اللبناني في ظل انتصارات هذه المقاومة؟ الجواب ببساطة في نوعية الأهداف التي تحددها لنفسها هذه المقاومة، وأي مقاومة مهما كانت، عبر التاريخ.

المقاومة الإسلامية، وكما يستدل من تسميتها، تستند إلى أهداف ماورائية ولديها أجندة غيبية للصراع، أي أنها حركة عسكرية من النوع المستمر للأبد، لأن لا أهداف محددة وثابتة لها، فأهدافها تضرب جذورها في الغيب وما بعد الحياة في الدنيا.

وبالتالي فإن هذا الشكل الأيديولوجي لهكذا نوع من "المقاومة" هو شكل هدّام للدولة، فحين يصل حزب الله إلى أوج انتصاراته وإلى أعلى مرحلة من التأييد الشعبي اللبناني، مع قدرة على تحقيق الأهداف في مواجهة إسرائيل، في هذه النقطة بالذات على الحزب الاحتكام للدولة والتسليم بأن الوطن فوق كل الاعتبارات العقائدية، وهذا ما لم يحصل ولن يحصل. لذلك بدأت بعد مرحلة الانتصارات العسكرية والإستراتيجية، عملية الانحدار الحتمي للدولة وسقوط مفهوم الكيان الموحد.

والدليل على ذلك أنّ لبنان أصبح وطنًا له عاصمتين: بيروت عاصمة لبنان، والضاحية الجنوبية عاصمة "المقاومة"، حيث ظهرت الدولة الرديفة ضمن الدولة بشكل صارخ، وأنشأ الحزب اقتصادًا رديفًا للدولة.

ولكن من وما هي "المقاومة" في لبنان؟ إنها أهلنا وإخوتنا وجزء من المجتمع الذي نحن منه وفيه. لكن، هل يعني هذا أن يصبح ولاؤنا لهذه المقاومة فوق الولاء للوطن؟ طبعًا لا، وهنا يكمن جوهر القضية؛ إذ كان وما زال وسيبقى الوطن أولوية بالنسبة إلينا ولا يمكننا تغليب مصلحة فئوية وفرضها فرضًا على باقي الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية.

تحولت "المقاومة" في لبنان لحركة رجعية احتكارية بيد حزب الله، وأداة استبداد وظلم للبنانيين كونها سبب في تقويض الدولة

وعليه، لا بد من "تصحيح ثوري"  لإزالة الالتباسات ودرء الشبهات، وللتأكيد على أن المقاومة هي ثورة وفعل ثوري في وجه الظلم بأشكاله وأنواعه كافة، بينما في لبنان تحولت المقاومة نفسها إلى حركة رجعية احتكارية بيد حزب الله وأداة استبداد وظلم للبنانيين كونها سببًا في تقويض الدولة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحرب والمقدّس عند الشيعة في لبنان

"الواجب الجهادي".. هكذا يواري حزب الله قتلاه في سوريا