هل يتحمل حسن روحاني مسؤولية أزمات إيران ومصائبها؟

هل يتحمل حسن روحاني مسؤولية أزمات إيران ومصائبها؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني (Getty)

يجلس الرئيس الإيراني حسن روحاني في مكتبه الكبير بما يليق برئيس قوة إقليمية مُؤثرة ووازنة. يتلقى بشكلٍ شبه يومي أخبار عن عمليات "إرهابية" في مناطق عدة داخل إيران وخارجها، وعن صفقات تجمع من يعادونه لسبب وبغيره معًا في صف واحد، كان آخرها زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية، أو ما عُرف بـ"قمة الرياض".

تلك القمة التي ظلت حديث وسائل الإعلام فترة لا بأس بها، والتي تصفها المعارضة الإيرانية بالرجعية والتخلف، في نفس الوقت الذي تتهم فيه روحاني نفسه بالعجز، بينما يُواجه الرجل كل ذلك صامتًا في البداية. يربط على عمامته جيدًا، يرتدي نظارته كالمعتاد، ويمسح على لحيته بتوتّر، ليبدأ في كتابة رسائل تُدين العنف، وتدعو إلى التعاون في الداخل والتعاون في الخارج، يعينه في ذلك وزيره المتمرس في الشؤون الدولية محمد جواد ظريف.

ويبدو أن التحديات متزايدة، تلك التي يواجهها روحاني، الذي يُوصف بانتمائه إلى الجناح الأكثر اعتدالًا في السياسة الإيرانية، سواء كانت تلك التحديات متمثلة في معارضيه من الداخل، أو التهديدات المستمرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وممولي حروبها في المنطقة؛ كل ذلك يضع الحكومة الإيرانية في دائرة مُغلقة من الأزمات. 

يعاني الرئيس الإيراني حسن روحاني من انغلاق دائرة الأزمات حوله، سواءً من المعارضة الداخلية له، أو من التهديدات الخارجية المستمرة

يأتي ذلك في ظل محاولات روحاني لجلب استثمارات إلى بلاده بتقديم عروض اقتصادية مجزية، أولًا كسبيل لدعم الاقتصاد المتأزم، وثانيًا كمحاولة لإعادة الثقة والشعور بالاطمئنان الداخلي في ظل رئاسته. ولكن رغم العروض وتطمينات الحكومة الإيرانية للمستثمرين ورجال الأعمال الأجانب، إلا أنّ الغياب التام للانسجام الدولي حول المشهد الإيراني، يحمل خوفًا لا يُمكن تجاوزه، من خطورة الاستثمار أو أي تعاون اقتصادي إلا في أضيق الحدود، هذا بإضافة عدم الانسجام في الإقليم حول إيران بين الدعوة العقلانية للتعامل السلمي معها، وبين أصحاب نظرية فروض الحرب بأي ثمن وبسبب ودونه.

أزمات الداخل والخارج

يرى محللون إيرانيون أنّ تصريحات وردود أفعال الجناح المحافظ في إيران، والذي يجيء على رأسه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وخاصة تلك التي تتسم بالعنف تجاه الآخر متمثلًا في السعودية والولايات المتحدة بشكل أساسي، ربما تكون في حقيقتها من أجل إضعاف نظام روحاني السياسي، وذلك بتضييق الخناق أكثر، والسعي لمزيد من العزلة لإيران تحت قيادته. 

اقرأ/ي أيضًا: مشاكل إيران لا تنتهي.. عن الحجتية والانتخابات وأحمدي نجاد

على سبيل المثال، يصف المعارضون الإيرانيون التواجد السعودي في اليمن بـ"الإجرامي"، مع بعض التلميحات لدعم إيراني للحوثيين هناك، بينما تتوجه التصريحات الرسمية إلى نفي ضلوع إيران في أزمة اليمن، فيما يبدو أنها محاولة للتركيز على جبهات القتال المفتوحة في العراق وسوريا.

على جانب آخر، وبعد تبلور عداء الولايات المتحدة لإيران بوصول ترامب إلى سدة الحكم، يُواصل الحرس الثوري الإيراني، الذي لا يبدو أنه يفضل روحاني كثيرًا، استفزاز الجانب الأمريكي، آخر تلك الاستفزازات كان بإعلانه إنشاء مصنع حربي تحت الأرض لإنتاج الصواريخ الباليستية، وتطوير البرنامج الصاروخي للحرس إجمالًا، وهو ما يعد ضمنيًا تجاوزًا للاتفاق النووي، الذي يبدو أنه لم يعد ذا أهمية على كل حال.

من جهة أُخرى، ورغم أن الاقتصاد الإيراني يسعى نحو الاكتفاء الذاتي على مستوى بعض السلع والخدمات، وقد حقق ذلك بالفعل خلال الأعوام الأخيرة، بزيادة صادرات النفط نسبيًا، ومع انخفاض معدل التضخم إلى نحو 10%، فضلًا عما أشار إليه تقرير لمنظمة الأمم المتحدة أنه "من بين 37 صناعة يتم تداول أسهمها في البورصة الإيرانية، تشهد بعض الصناعات مثل البتروكيماويات والسيارات والمناجم والصلب والحديد والنحاس والزراعة والاتصالات؛ ازدهارًا كبيرًا".

إلا أن الاقتصاد الإيراني بشكل عام، لا يزال يعاني كثيرًا بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، إذ وصلت قيمة الأموال الإيرانية المجمدة بحسب آخر إحصاء، إلى حوالي 120 مليار دولار، فضلًا عن تخوف معظم المستثمرين من التعامل مع إيران لاضطراب وضعها دوليًا. ووصلت العملة الإيرانية مقابل الدولار الأمريكي، إلى 4.1 ألف تومان إيراني مقابل دولار واحد، ولا تزال معدلات البطالة في ازدياد، طفيف، وصل إلى 12%.

حتى روسيا لا يُمكنها الدخول في تحالف عسكري واقتصادي شامل مع إيران، لأن ذلك سيغضب إسرائيل والسعودية

إذن، فالأزمة التي يواجهها الاقتصاد الإيراني في الوقت الراهن، معقودة على سياسات إيرانية تنظر إليها الولايات المتحدة باعتبارها "متشددة" وتحمل خطرًا على المنطقة. هذه النظرة تشمل المشهد الإيراني كاملًا، بمعتدليه ومحافظيه، لكن ما لا يُمكن تجاوزه هو أنّ المحافظين يُمثلون عصب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بأطيافهم، سواءً المحافظون التقليديون، أو محافظو الحُجّتية.

لا يمكن أن تخسر روسيا علاقاتها بدول أُخرة من أجل تحالف شامل مع إيران (أليكسي فيليبوف/ Getty)
لا يمكن أن تخسر روسيا علاقاتها بدول أُخرى من أجل تحالف شامل مع إيران (أليكسي فيليبوف/ Getty)

يُضاف إلى ذلك أنه حتى الشريك الدولي السياسي والاقتصادي الأقوى والأكبر والأهم بالنسبة لإيران، أي روسيا، لا يمكنه أن يصنع تحالفًا استراتيجيًا عسكريًا واقتصاديًا شاملًا، وهو ما أكّد عليه بوضوح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف بقوله: "تقدر موسكو أن مثل هذا التحالف الشامل مع إيران سيكون له تداعياته السلبية على علاقاتها بدول أخرى، خاصة كلًا من إسرائيل والسعودية وحلفائها، والتي سعت روسيا إلى تطوير علاقاتها بها خلال السنوات العشر الأخيرة، سواء كان ثنائيًا، أو في إطار منتدي التعاون الروسي الخليجي".

 

انتخاب روحاني لا يُؤثر كثيرًا

مع بداية الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، بدأت تتردد انتقادات للأداء الاقتصادي لروحاني وحكومته، بعض هذه الانتقادات جاء من المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه. هذه الانتقادات جعلت الكثيرين يعتقدون أنّ خلافًا حادًا ومصيريًا بين روحاني وما يمثله، وخامنئي وما يمثله، لكن الواقع هو أنّ روحاني لم يكن ليترشح للانتخابات، فضلًا عن أن يصبح رئيسًا، لولا موافقة خامنئي أولًا!

لا يُمكن تحميل روحاني كل مصائب إيران. فبطبيعة الحال هذه الأزمات جزء ممتد من سياسات النظام الناتج مباشرة عن "الثورة الإسلامية" وطموحاته وتصوراته

نعم، هذا هو الواقع وفقًا لسلطات مجلس صيانة الدستور الذي يندرج تحت إدارة خامنئي، والذي يُحدد صلاحية المرشحين للترشح، بمن فيهم روحاني. ببساطة من يقف على رأس هرم الواضعين لسياسات الدولة ورؤاها المستقبلية هو المرشد الأعلى، ولا يبدو أن الرئيس مهما بلغت سطوته، ومهما كان جادًا في إحداث تغيير حقيقي، أنّه قادر على فعل ذلك لولا تمريره من المرشد ورجالاته.

اقرأ/ي أيضًا: إيران.. "إمبريالية" الوليّ الفقيه

على ما يبدو إذن فإنه رغم الأزمات التي تمر بها إيران، وهي ليست جديدة على كل حال، فإنه لا يُمكن تحميل روحاني كل شيء. فبطبيعة الحال هذه الأزمات جزء ممتد من سياسات النظام الناتج مباشرة عن "الثورة الإسلامية" وطموحاتها وتصوراتها. كل ما في الأمر الآن، أنه بدلًا من وجود رئيس على الجهة يُمكن وصفه بالتساهل، وهو أوباما، أصبح هناك رئيس لهذه الجهة يبدو أكثر عدائية وغوغائية من كل سابقيه، وهو ترامب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حسن روحاني.. ماذا يعني فوزه برئاسة إيران للمرة الثانية؟

إيران التي في خاطر الأمريكيين