هل هناك دولة عميقة في السودان فعلًا؟

هل هناك دولة عميقة في السودان فعلًا؟

الدولة العميقة ليست في الداخل السوداني (رويترز)

في ظل الحراك السياسي والاجتماعي الذي يشهده العالم، ومناقشة قضايا التحول الديمقراطي التي صاحبت هذا الحراك، تزايده استخدام مصطلح "الدولة العميقة"، كما تزايد استخدام المصطلح في الحقل العِلمي والتحليلات السياسية والإعلام، في ظل نشوب ثورات الربيع العربي، ووجد رواجًا كثيفًا، وأخذ حقه من الترويج والتبرير والتوظيف في سياقات مختلفة.

الإطار المفاهيمي والاصطلاحي لمفهوم الدولة العميقة فضفاض جدًا، ويعيش في حالة من الغموض، وله مسميات ومعايير متعددة

الإطار المفاهيمي والاصطلاحي لمفهوم الدولة العميقة فضفاض جدًا، ويعيش في حالة من الغموض، وله مسميات ومعايير متعددة، فالبعض يطلق عليه "دولة الظِل"، والآخر يطلق عليه "الدولة الموازية" أو "الدولة الباطنية"، وغيرها من المُسميات.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة العميقة.. "مؤامرة" بلا متآمرين

البعض الآخر يعتبر المفهوم عبارة عن "بروباغندا" يروج لها إعلاميًا ومفاهيميًا لتمرير أجندات، ولخدمة أغراض داخلية وخارجية، لبقايا الأنظمة السابقة التي ثارت عليها شعوبها، وللمنتفعين من وجودها.

وثمة اتجاه ثالث يحلل المفهوم بسياق معياري، بناءً على وضع الدولة الاقتصادي والسياسي، ومدى تأثيرها على المجال العام الدولي، وهو اتجاه ينفي وجود الدولة العميقة في دول تعيش على وضع اقتصادي وسياسي هشّ، كما ينفي وجود المصطلح في ظل دول تتعاقب عليها أنظمة عسكرية تفتقر لآليات التنمية وبناء المؤسسات والتحول الديمقراطي.

إذا تعاملنا مع المصطلح كظاهرة سوسيوسياسية وجودية في تاريخ الفكر السياسي، وفي محاولةٍ لضبط للمفهوم، يمكن أن نقول إنه وليد تراكمات تاريخية، كما يؤطر لذلك في تركيا العثمانية قديمًا، والولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب حديثًا، وهذا لا ينفي وجوده خارج الدائرة "الأورأمريكية" 

وعليه، عند مناقشة مفهوم الدولة العميقة في ظل أي حراك سياسي أو سقوط نظام حاكم، أو في ظل تحول ديمقراطي بالمفهوم الأشمل؛ يجب التنقيب عن النظام الحاكم السابق لجلب دائرة الضوء عليه وعلى إخفاقاته، وكيفية وصوله إلى السلطة، ومدته الزمنية، وكيفية التعامل مع خصومه المعارضين، والنظر إلى سياساته الإقليمية والدولية، فكل هذه العوامل يمكن أن تحدد مدى وجود دولة عميقة من عدمها.

دولة عميقة في السودان؟

إذا افترضنا وجود دولة عميقة في السودان، ولمعرفة دورها، وفاعليتها ومدى تأثيرها، وهل هي قادرة على التآمر على الديمقراطية في الفترة الانتقالية، يجب الرجوع إلى بنية النظام السابق نفسه الذي وصل إلى الحكم عام 1989 عن طريق الانقلاب العسكري ذي الأوجه المتعددة (عسكري وأيديولوجي)، والذي وُلد من رحم الحركة الإسلامية في السودان.

عند وصول البشير وجماعته إلى السلطة، أجرى تغييرات في عدد من السياسات الخارجية، تتجلى في التقارب مع أصحاب الأيديولوجيات المشابهة ومعاداة المختلفين، أي انتهاج سياسات عدائية دفع ثمنها باهظًا.

وداخليًا، اخترع نظام البشير آليات "إستراتيجية الاختراق الداخلي والتمكين"، وهي تتجسد في تسيس الخدمة المدنية والعسكرية، وتقريب من كل يوافقه في أيديولوجيته وإبعاد الآخر.

ومن آليات النظام السابق وسياساته أيضًا، أصبح الحصول على الوظيفة في السودان يحدد بانتمائك السياسي والفكري، ما جعل معيار العمل يقوم على هذه الأشياء لا على الكفاءة. 

وأدى ذلك إلى المحسوبية وزبونيه الدولة، وجعلها تعيش في وضع اقتصادي يفتقر فيه المواطن لمقومات الحياة، فتوسعت البطالة وازداد الفقر والاستبداد والتهميش، وتجاوُز القانون.

كما فرضت العقوبات الاقتصادية على السودان، وانفصل جنوب السودان بما زاد الأمر سُوءًا، نتيجة لذهاب الثروة الحيوانية والموارد البترولية التي تعادل حوالي 75% من عائدات النفط السوداني، في بلد يعيش على الاستهلاك أكثر من التصدير.

أدى ذلك إلى انفجار الاحتجاجات التي كان سببها الأساسي تدهور الوضع الاقتصادي، وعدم توفر الاحتياجات الأساسية للمواطن. كما يجب عدم التقليل من العوامل الأخرى المصاحبة، منها بنية المجتمع السوداني وانقساماته المتعددة، وجغرافية المنطقة، والوضع الإقليمي المجاور في دول "عالم ثالث" تعيش في مستنقع من الصراعات والمشكلات الحدودية والهجرة، بما يمكن أن تعيق التحول الديمقراطي المنشود.

تربة خصبة لفساد

كل هذه العوامل سالفة الذكر جعلت البشير وأتباعه يجدون تربة خصبة ليعيثوا فسادًا وإجرامًا، ولهم مؤسسات عسكرية وأمنية تحميهم. 

لكن عندما فقدو الثقة في هذه المؤسسات أيام بداية الثورة، خوفًا من الانقلاب عليهم، وتأييد بعض من منتسبي هذه المؤسسات لزخم الشارع؛ رجع النظام داخليًا إلى عسكرة المجال العام، بتعيين ولاة عسكرين بعد ترميمهم وغربلتهم في كل ولايات السودان. 

أما خارجيًا فرجع إلى حضن القوى الإقليمية والدولية، وبالتحديد أصبح رهين قوى الثورة المضادة التي تحمي الدكتاتوريات وإرثها، وأصبح دعم السودان اقتصاديًا يأتي من السعودية والإمارات نتيجة لمشاركة القوات السودانية في حرب اليمن.

ومن هنا، فالدولة العميقة ليست في الداخل السوداني، بل في يد القوى الإقليمية الممسكة بزمام الأمور السودانية، وتُسيّرها على حسب هواها لخدمة مصالحها وزيادة تحالفاتها بطرق وآليات متعددة. 

وتجد هذه القوى الدعم والمساندة من القوى الداخلية العسكرية، المتمثلة في المجلس العسكري الانتقالي، الذي يرى الحكم المدني عبثيًا، بالرغم من مشاركته مع القوى المدنية في الحكم، بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية

ويأتي الدعم أيضًا من بعض بقايا النظام السابق الذين يستظلون بالعسكر لهروبهم من المحاسبة، وذلك عبر المساعدة في تنفيذ مخططات القوى الإقليمية، من خلال تشويه صورة الأعضاء المدنيين في الحكم عبر "الصحف المبيوعة"، وفصلهم من الشارع بوضع العراقيل والمطبات أمام تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.

الدولة العميقة ليست في الداخل السوداني بل في يد القوى الإقليمية الممسكة بزمام الأمور السودانية وتُسيّرها على حسب هواها

يمكن القول إن سياق الدولة العميقة في السودان، في ظل تدهور الوضع بشكل عام، وهشاشة بنية مؤسسات الدولة؛ ليس إلا فزّاعة توظف من النخب السياسية لتخدير الشعب، لأن سياق الدولة العميقة ضعيف داخليًا لا يمكن أن يؤثر في المرحلة الانتقالية ما لم يكن هنالك دعم خارجي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدولة العميقة.. كيف بدأ المفهوم وأين وصلت الممارسة؟

مصير غامض لرموز نظام البشير