18-سبتمبر-2022
 (Getty) لاجئ في كندا

(Getty) لاجئ في كندا

في دولتي الصغيرة لاجئون جدد. لا أعرف عنهم شيئًا بعد سوى وجوههم السوداء التي تطلّ عليّ من شباك حاسوبي، فلأسباب إدارية لا علاقة لها بالوباء والتعليم عن بعد، الذي كان موضة الأعوام القليلة السابقة، عدت للتعليم في البيت هذه المرة لفترة قصيرة.

يحمل جون كلود وزوجته كلودين تاريخ الاستعمار البلجيكي في جمهورية الكونغو كله في اسميهما. هذه كانت ملاحظتي الأولى. سألتهما باللغة الإنجليزية التي نحاول التواصل بها فكانا يتكلمان الفرنسية، لكن الإجابة لم تصلني، ولم أشعر بضرورة طرح السؤال بما تيسّر لي من معرفة متواضعة في اللّغة الفرنسيّة، فباب اللغات الأخرى لمعلّمة لغةٍ مثلي من الأفضل أن يبقى موصودًا.

نحن، أي أولئك البشر من دول العالم الثالث وما تحتها، محتوم علينا الموت أو الفرار منه شكليًا بلجوء ما، ولسوء حظنا أننا ولدنا في وقت نحن فيه الضعفاء

"Refugee" هي كلمة السرّ التي نطق بها جون كلود لأفهم أنّ في الكونغو حربًا أيضًا. لن أقوم بأي بحث في الموضوع، فمن الطبيعي أن تكون هنالك حرب وأن تستقبل كندا لاجئين جددًا. أليس هذا هو دور دول العالم الأول؟ وبدورنا نحن، أي أولئك البشر من دول العالم الثالث وما تحتها، محتوم علينا الموت أو الفرار منه شكليًا بلجوء ما، ولسوء حظنا أننا ولدنا في وقت نحن فيه الضعفاء. مع ذلك كنت محظوظة جدًا بأنني لم أكن يومًا لاجئةً، فلا فررت من أوضاع سيئة، ولا بسبب ضيق ماديّ، ولا من أجل البحث عن فرص عمل وفرصة حياة. مهاجرةً من أجل الحب كنت! هذا أنا! وكلما اشتقت العودة إلى حضنها ولمْتُ الأقدار التي رمت بي بعيدًا عنها، ذكّرتني هي، وهي أمي، بالحبّ الذي لاحقته وأخذني بعيدًا عنها.

صدّقت أمي، ولامني أستاذي الذي التقيته صدفة مؤخرًا كيف وقعت يومًا بالحب! "كنتِ مشروع مناضلة" أنّبني! وأنا ما تغيرت كثيرًا، قلت له. لكنني مؤخرًا لا أستسيغ مزاج العدالة والحريّات والديموقراطيّات والدفاع عن حقوق الإنسان، ولا الثورات الخائبة. تابعت. حتى أنني صرت أؤمن وبشدة أن الديموقراطية وحقوق الإنسان مجرّد ديانات حديثة، وربما يكون لنا دين جديد مختلف قريبًا، لذلك لن أسأل جون كلود ولا كلودين عن "التروما" التي وصلت بهما إليّ، إلى صفي الصغير المكوّن من ثلاث صوماليّات، كولومبية، سورية، ثلاث أرتريين، وأفغانية. وطبعًا أنا اللبنانية في كندا! وسنتكلم بلغة الملكة إليزابيث، ليست الأخيرة، بل تلك الأولى، سنتفاعل باللنيجوا فرانكا (lingua Franca) أو اللغة المشتركة الوحيدة اليوم.

هل هذا حصاد قرون من الكولونيلزم، أو خطاب العولمة الوحيد؟ أو أن الاثنين متشابكان ولا مجال لتفرقتهما؟ فلنسأل الملكة اليزابيث القابعة في نعشها اليوم بانتظار أن تحضنها الأرض التي إليها تعود. في تسجيل صوتي لها عام 1940، خاطبت الملكة، وهي أميرة صغيرة حينها، شعب مملكتها وحثّتهم على الصمود في وجه الطائرات النازيّة والموت القادم!

وصل الموت الى لندن في تلك الأيام وهرب منها. يا لحظّها! وبريطانيا لم تتوان حتى بعد ذلك عن إرسال الموت إلى بقاع الأرض التي ما زالت تدفع ضريبة شهوة الاستعمار لدى المملكة الشرهة! مع ذلك، رفضت معظم المقاطعات الكندية اعتبار التاسع عشر من أيلول/سبتمبر، تاريخ دفن الملكة المنتظر، يوم حداد. والكنديون الحزانى على خسارة عطلة رسميّة، ليسوا مهتمين بموت الملكة، كما تقول استطلاعات الرأي! ولاهم مهتمون بوجه الملك الجديد الذي سيطلّ عليهم حتى من خلال ورقة عملتهم النقدية.

حين وصل الموت الى لندن في الحرب العالمية كانت بريطانيا لا تتوانى حتى بعد ذلك عن إرسال الموت إلى بقاع الأرض التي ما زالت تدفع ضريبة شهوة الاستعمار لدى المملكة الشرهة

ماتت الملكة، عاش الملك، همهم الأخير!

لكن الملكة سعيدة في نعشها، وجدّتها إليزابيث الأولى كذلك، فنحن سنتكلم بالإنجليزية! يتسلل الملل والتعب وحتى الإحباط إلى درس الزوم ذلك. فأنا لم أستعد عافيتي بعد من زيارتي الأخيرة لبلدي. لا أسعى كثيرًا لطرد اللامبالاة التي تسيطر عليّ أثناء الدرس! ولو فتّشت عن تعاطفي الشديد الذي عصف بي في الأعوام السابقة مع قصص تلاميذي سأجده في الصور التي حملتها معي من بلدي! فشبح العدم والنهاية القادمة لذلك المكان يلاحقني، وفي ظلّ تعاقب الفصول، تخبرني شقيقتي عبر الهاتف اليوم أن الشتاء القادم مصيري، والجريمة المتصاعدة ستخطف ألوان السماء والأرض. شقيقتي تهدد. وليست المرة الأولى التي يصل بها ذلك المكان إلى الحضيض، وليست المرة الأولى التي أسمع بها تهديدًا! وسأسأل أبي، هل نحن في الحضيض؟ لكننا لن نتفق في تعريف شكل الحضيض. وهو من فريق وأنا من فريق. نهمي في العطاء يتكاسل أكثر أمام أصابع جون كلود التي تتحرك على وجهه كدليلٍ على أن هذه الوسيلة التعليمية غير ناجحة مع طلابي.. ضربه الملل! هذا العالم سريع يا جون كلود لا ينتظر. وعليك مواكبته أو لا تكون.