هل نقرأ التاريخ؟

هل نقرأ التاريخ؟

منير الشعراني/ سوريا

هل نقرأ التاريخ؟

بدأ اهتمامي بالتاريخ في سن مبكرة بسبب خطبة الجمعة في الزاوية المجاورة لمنزلي، من الصعب تصنيف خطيب زاويتنا إلى الآن باعتباره عالمًا أو مفتيًا قدر ما يمكن أن تعتبره قصاصًا بارعًا، وكان يتفنن بقص جميع الروايات الضعيفة أو الموضوعة ذات الصبغة الصوفية الخيالية التي جذبت انتباهي بشدة وأنا طفل صغير. ثم تطور الأمر معي من سماع الخطب إلى قراءة كتيبات عبد الحميد جودة السحار عن الصحابة، وبدأت عندها رحلة قراءة في التاريخ لم تنته حتى الآن.

الإسقاط التاريخي: حكايات الأطفال

كان التاريخ بالنسبة إليّ مجرد حكايات مسلية، أو حكايات ملهمة لقدوة أود أن أكون مثلها حين أقرأ عن الصحابة والشهداء، ربما حتى قرأت جريدة الدستور في إصدارها الثاني ولاحظت الإسقاط التاريخي لوضع مصر أيام مبارك بالمماليك تارة، وبعبد الناصر تارة، والسادات تارات، مرة يتم تشبيه انتخابات نادي القضاة بانتخابات نادي الضباط التي كانت من مقدمات إسقاط الملكية، ومرة يتم تشبيه رجال الحزب الوطني بالمماليك. ومنذ ذلك الحين بدأت أعي فكرة الإسقاط السياسي.

ينزع الأطفال إلى رؤية العالم من خلال سيناريوهات مفسرة، يتم تعديلها لتناسب تعقيد إدراكهم للواقع مع نموهم

ثم خرج التاريخ عندي من حيز الحكايات المسلية إلى حيز الإسقاط والتنبؤات، وبلغت تلك التنبؤات ذروتها حين تم تشبيه ما حدث في انتخابات 2010 باعتبارها خريف غضب جديد يؤذن بزوال دولة مبارك. يومها لم أصدق وشعرت أنها أوهام وأماني.

اقرأ/ي أيضًا: اقتلوا الطاغية الذي نحيا بفضله!

ثم حدثت ثورة تونس ثم مصر ليُفتح هاويس الإسقاط على أشده على وسائل التواصل الاجتماعي.. من عبد الناصر إلى محمد علي، من إيران حتى شيلي، ولم تتوقف الإسقاطات حتى الآن، حتى السيرة النبوية لم تسلم من حمى الإسقاط هذه، وإن كانت بالطبع قامت الحركات الإسلامية بسحبها وطرقها على مدار العقود القليلة الماضية، لتكيفها حسب سياساتها وتحركاتها.

تقول سوزان إنجيل في كتابها "القصص التي يحكيها الأطفال" إن الأطفال ينزعون إلى رؤية العالم من خلال سيناريوهات مفسرة، يتم تعديلها لتناسب تعقيد إدراكهم للواقع مع نموهم. وهكذا يدرك الناس حركة الإنسان والتاريخ من خلال سيناريوهات معينة أو أحداث معينة قرؤوها ولا يستطيعون إدراك العالم إلا من خلالها.

المصادرة على الخيال

وفي هذا تكمن خطورة الكتابات التاريخية لأنها هي التي تصيغ الأحداث في السيناريو المفسر الذي يتم من خلاله إدراك المرء لمحيطه، تصادر على خياله وتوهمه أن ثمة طريق، وطريق واحد فقط لبلوغ ما يريد، وقد رأينا في المقال السابق أثر كتاب كـ "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" في تشكيل سيناريو معين في ذهن قارئه، وكذلك كتابات بعض الإسلاميين التي تكاد تضع التاريخ في مراحل معينة يفضي بعضها إلى بعض تنتهي بجنة التمكين في النهاية.

وهو ما انعكس على رؤية كثير من الشباب للواقع اليوم في حدتهم في الحكم على الأشخاص فهو إما إمام مُتبع أو خائن منتكس ولا يمكن تصور أي خطأ إلا نتيجة نقيصة أو ذنب أو معصية، لا لخطأ في الإدراك والفكر.

أو تصور أن محض الوصول للسلطة يعني التمكين لشرع الله وغيرها مما يضيق به المقام. ووسط هذا الزحام يشعر الإنسان بالعبث من قراءة التاريخ التي أصبحت مجرد خادم لوجهات نظر قائلها وهو ما بسطناه في حالة سابقة.

الأسئلة الكبرى

لكن بالعودة إلى كتاب الله نجد أكثر من إجابة لسؤالنا الأول عن قراءة التاريخ، فمن حيث الصياغة القصصية: الرواية أو القصة عمومًا من ميزتها أنها تحيي المعاني في شكل أشخاص من لحم ودم بهواجسهم وأحلامهم وطموحاتهم وتناقضاتهم، في أشياء نتصورها بعين الخيال، في أحداث نلهث وراءها ودراما نندمج فيها تمامًا ونسلّم عقلنا للراوي حتى ينتهي، هذا السياق قادر على تجسيد أي فكرة مهما كانت معقدة، والتعبير عن أي مشاعر أو معاني مهما كانت مركبة، لأن القصة هي حياة الإنسان بشكل عام، حياتنا كلها عبارة عن قصص مرتبطة ببعض ونحن أنفسنا نتعامل مع الحياة باعتبارها قصة كبيرة وكلما كان السياق يشبه حياتنا العادية كلما نتفاعل معه ونفهم المعاني التي يحملها.

يحيي التاريخ المعاني ويجسدها ويجيب عن أسئلتنا الكبرى وغاياتنا العظمى

أما من حيث المعاني فالحديث عن الأنبياء باعتبارهم أعضاء في قافلة إيمانية، من أيام آدم حتى محمد، كهوية جامعة للمؤمنين جميعًا محورها لا إله إلا الله، بعيدًا عن تقديس الأرض كهوية مصر التي عرفت "التوحيد" قبل الأديان! أو تقديس الإنسان كأسطورة شعب الله المختار أو أسطورة تقديس الأشياء كالأوثان.

اقرأ/ي أيضًا: مجلة الحوليات والتاريخ الجديد

وبتحديد موقعنا هذا في التاريخ، يمكننا إذن النظر إلى حالنا ومآلنا، تقييم البدايات والنهايات، تحديد الغايات من رضا الله سبحانه وتعالى وعبادته والسعي للفوز بالجنة والنجاة من النار. وهكذا يستوي نجاة موسى من فرعون بهلاك أصحاب الأخدود على يد ملكهم، يستوي رفع عيسى بذبح يحيي، كلاهما انتصار في الآخرة دار البقاء.

وبناء على هذا يمكن الحكم بالنجاح والفشل على أي نموذج، فعمارة وحضارة قوم هود وفرعون لم تمنعهم من عذاب الله، وأضحت تلك مساكن الذين ظلموا، لا آثارًا للفخر والتباهي، ودليل على ذلك ما جاء في الحديث: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن دينار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم.

وفيه الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين، ومواضع العذاب، ومثله الإسراع في وادي محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء، والاعتبار بهم وبمصارعهم، وأن يستعيذ بالله من ذلك. ولأن لا إله إلا الله هي محور الانتماء للقافلة الإيمانية فإننا نعبد الله سبحانه وتعالى ونؤمن أن كل شيء بقدره، وأن إرادته طليقة من كل قيد حتى من تلك العادات التي أجراها في خلقه.

اقرأ/ي أيضًا: من فرانكو إلى السيسي.. الدكتاتورية حظوظ!

وقد رأينا هلاك أقوام نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وغيرهم لما أعرضوا عن كلام الله، ورأينا كذلك إيمان قوم يونس به بعد إعراض أصابه نفسه بالقنوط، فلا يجب أن نكون أسرى لتجارب سابقة وأن يؤثر ذلك على سعينا في الحياة الدنيا لأن هذا السعي هو الذي سنحاسب عليه في الآخرة وليست النتيجة النهائية.

لا يجب أن نكون أسرى لتجارب سابقة وأن يؤثر ذلك على سعينا في الحياة الدنيا

وهكذا يحيي التاريخ المعاني ويجسدها ويجيب عن أسئلتنا الكبرى وغاياتنا العظمى، ويشكل رؤيتنا للعالم ولأنفسنا.

الأسئلة الصغرى

 أما عن الإجابات الصغرى التي يقدمها التاريخ من خلال الاستقراء لحوادثه المختلفة للحكم على صحة إجراء من عدمه، فيمكن إذا تم الفصل بينها وبين أسئلة الغايات الكبرى والمغزى من الوجود أن يتم موازنتها والتعامل معها دون تشنج، دون إثبات أن ثمة نظام يُدعى الدواوين هو نظام إدارة "إسلامي" يجب الدفاع عنه في مواجهة أي نظام إدارة آخر حتى لو لم نعرف كنه نظام الدواوين هذا، بل تصبح مجرد مسألة فنية في إدارة المعاش.

عندئذ يصبح أي قرار أو إجراء هو ابن وقته له جانبه الفني الذي مجاله الواقع من حيث النظر في المآلات ومجاري العادات والسوابق والشواهد في التاريخ، وذلك بقراءة كل ما يقع تحت أيدينا من حوادث مشابهة لما نريد دراسته، ثم تجريد القواعد العامة والسنن الجارية بين كل تلك النماذج لا مجرد البحث عن قصة ساذجة تداعب أحلامنا وأمانينا.

ولكل إجراء أيضًا جانبه الشرعي الذي مجاله العلم والفقه لا الاستشهاد الاعتباطي بحوادث من السيرة النبوية صحت أم لم تصح، فلا يصالح المرء عدوًا أيا كان الوضع لمجرد أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح في الحديبية؛ ذلك الحدث الذي تلاعب به الإسلاميون السياسيون، ولا يحارب أيًا كان الوضع لأن أبا بكر خاض حروب الردة؛ وهو الحدث الذي ما زال يتشدق به الإسلاميون الجهاديون. وكلاهما مازال يقرأ التاريخ كما يقرؤه الأطفال!

اقرأ/ي أيضًا:

الإمبريالية.. تاريخ مظلم ومتجدد

"ذكريات من منزل الأموات".. ديستوفسكي سجينًا