12-ديسمبر-2018

غرافيتي لـ شارل بودلير (pinterest)

كتب شارل بودلير في خطابه الى أمه سنة 1860 يقول: "تلك كانت أيام سعادتي، أيام حزنك، أيام ترملك". فقد أصبحت أمه له وحده حين توفى والده، فأصبح الطفل المدلل الوحيد والسيد المطاع بدون منازع. ويضيف: "عندي اشتهاء مبكر للنساء، وطالما خلطت رائحة الفراء برائحة المرأة، وأذكر أني أحببت أمي من أجل أناقتها، لقد كنت عاشقًا قبل الآوان". وقد صرح في إحدى خطاباته الى أمه بالقول: "إني أحبك هكذا، أي بدموعك". وكتب يقول: "رب لا تعاقبني من أجل أمي، ولا تعاقب أمي من أجلي".

وقد شرح في قصيدته "المعذب نفسه" إذ يقول:

سأضربك بلا غضب

وبلا كره، كالحطاب

كموسى وهو يضرب الصخر

وسأستدر من جفنيك الدموع

لأروي صحرائي بماء العذاب

وستسبح رغبتي المملؤة أملًا

على دموعك المالحة

كسفينة في عرض البحر

وفي قلبي الذي ارتوى

سيدوي نشيجك

كطبل يصاحب ضربات قلبي

ألست اللحن الخاطئ في السيمفونية الآلهية؟

والسبب في ذلك هي السخرية

تهزني وتعضني بأنيابها

إن في صوتي لصرخة فظيعة

هي كل دمي

هي سمي الأسود

إني المرآة البشعة

التي رأت في آلهة الغضب نفسها

إني أنا الجرح والسكين

إني أنا الصفعة والخد

أنا الأعضاء والمبضع

أنا الضحية والجلاد

أنا خفاش قلبي

ولا أستطيع أن أبتسم

اني لمنسي أبدي

تسخر بي الآلهة أبدًا.

 

وعلى الرغم من صلواته فإنه فعل كل ما يعاقبه الله عليه، وارتكب أفعال خسيسة كالسرقة والغش، وتصارع في روحه الخير والشر، والشهوة والصوفية، وانعكس هذا الازدواج في شعره، وفي تفكيره في الهدم والدماء، والموت والفناء والكآبة. وظهرت في كتاباته ميول متناقضة بين حب الفضيلة والميل الى الرذيلة، وبين الحب العذري والحب الجنسي، وبين اللذة والألم، وجاء أدبه مرآة صادقة لآلام النفس ومتاعب الحياة. فهل كان يعاقب نفسه أم يعاقب أمه في داخله؟

أحب بودلير أمه وأراد امتلاكها، وكان ينكر وجود أبيه، وينكر وجود علاقة بين أمه وأبيه

يشرح إبراهيم ناجي أن هذا النوع من الحب هو ما يسمى في علم النفس بمركب أوديب. ومركب أوديب ذو وجهين، حب الأم، وكره الأب، والمنافسة من أجل الاستحواذ على الأم. برأيه أن كل طفل يحب أمه، ولكن على الطفل أن يفطم كما فطم من الرضاعة، فإذا اعترض هذا السبيل ما يعوقه، فإن هذا العائق يحدث ما يسمى بالتراجع أو الانتكاس الى مراحل الطفولة الأولى، ويستتبع ذلك انحرافًا جنسيًا.

اقرأ/ي أيضًا: بودلير.. روائح أزهار الشرّ

إن الإنسان ليس كائنًا مفردًا، إنه كائن مثلث الَأضلاع مؤلف من الطفل ومن الأم والأب. وكل صراع والديّ يؤثر في نفس الطفل، ويبقى كشيء ثابت لا يزول، ويصبح جزءًا من كيانه النفسي وربما الجسدي. وهكذا لاحقت بودلير أجواء طفولته فكان يستعذب الألم ويهرب من ألمه بالتوبة والإخفاق والعقاب والتكفير والندم، فإن لم يوجد ألم كان يخترعه ليريح ذاته المتعبة.

وكتب صلوات يناجي من خلالها ربه بالقول ويستعذب الألم والعقاب: "يا من تمنح الألم دواء لأخطائنا. وهو الزاد الوحيد الذي يهيئ النفوس القوية للمسرات الآلهية. الألم هو المجد الوحيد الذي لا تأكله النار ولا التراب، الذي عليَ أن أتزود منه دائمًا وأبدًا، لكي أظفر لنفسي تاجًا عبقريًا".

أحب بودلير أمه وأراد امتلاكها، وكان ينكر وجود أبيه، وينكر وجود علاقة بين أمه وأبيه، وينكر الحب على الإطلاق، فكان عليه أن يعوض هذه المرفوضات بموجودات أخرى، فكان يعوضها بالتفكير القوي أو بالشقاء كي يستأثر باهتمام أمه وينتصر على أبيه. ويصور لنا بودلير رأيه في الحب باعتباره فارغًا وخادعًا في نظره ويكتب: "اني أعتقد أن كل مسرات الحب هي في ارتكاب السوء، والرجل والمرأة يعرفان من ميلادهما أن أكبر الملذات هي في ارتكاب هذا السوء، والحب في نظري يشبه التعذيب، أو عملية جراحية. وعندما يجتمع عاشقان في عناق، فإن أحدهما يكون جراحًا للآخر".

كانت أمه كارولين مشغولة بحبه، وتغار عليه حتى من مربيته مارييت، وكان بودلير يبادلها حبًا بحب. مات والده وهو في السادسة من عمره، وتزوجت والدته من الجنرال أوبيك وشكّل هذا الزواج سهمًا مسمومًا أصاب قلب الشاعر، فقد اعتبرها خيانة. وقد شعر بالغيرة عندما وجد رجلًا غريبًا يشترك معه في حبه لأمه. وكان في بعض الأحيان يستفزه علنًا تنفيسًا لحقده ولكي يحصل على العقاب، وقامت بين بودلير وزوج أمه مناوشات عدة، فكان يقوم الشاعر بإهانة زوج أمه بألفاظ شتى على مسمع الناس ليعوض ما يشعر به من نقص. يقول الكاتب فرانسوا بورشيه في كتابه "حياة بودلير الحزينة" إن شارل غضب من أبيه، عندما سمع عمه الصغير ينادي أمه كارولين بأمي.

وهذا رأيه في أمه حين تزوجت من الجنرال أوبيك: "بعض النساء كوشاح الليجرون دونيل (قفازات)، لا يريد الإنسان أن يمسه لأنه قد لوثه كثيرون، ولذلك فإني لا أرتدي بنطلون رجل أجرب. إن أسوأ ما في الحب أنه جريمة يشترك فيها اثنان. إن في الحب كما في كل المسائل الإنسانية تكون المخالفة نتيجة سوء تفاهم حول المسرة. وبينما يقول الرجل: يا ملاكي، وتقول المرأة: يا أمي.. يا أمي. ويعتقد الغبيان أنهما انسجما، فالواقع أن بينهما هاوية سحيقة بعيدة القرار".

كان بودلير يعاني من عقدة أوديب، حب أمه من جهة، وكراهيته لأبيه من جهة ثانية، فلازمه شعور بالإثم والندم والحب الجارف والنقص، وسعي وراء العقاب طلبًا للراحة عن طريق الألم. وتظل حياة المريض بعقدة أوديب متأرجحة بين النزاعات. فالمريض بالمركب الأوديبي يبتدع سلوكًا معاكسًا لوالده، فإذا كان الأب يعيش في النور عاش الابن في الظلام، وإذا كان يعيش الأب حياة منتظمة عاش الابن حياة مضطربة. فنجد أن بودلير فشل في المدرسة وفي الحياة وكره الصحة والاستقامة. وبالرغم من سعيه وراء اللذة الجنسية فقد كان يصف الجنس بأبشع الأوصاف.

وها هي آراؤه في المرأة والجنس حيث يقوم بخلق هوة عميقة بينه وبين المرأة والجنس، ويستعيض عن ذلك باللجوء الى بائعات الجنس سعيًا لكي يعطفن عليه فيجد بينهن أمًا تشفق عليه، فيقول "على الإنسان أن يضرب التي يحبها. كلما تعمقت في الفن، كلما قللت الاقتراب الجنسي، وكلما زاد البعد بين الروح والوحش. إن الوحش هو الذي يضاجع جيدًا، والمضاجعة أغنية الشعب. إن المضاجعة معناها أن يدخل شخص في آخر، والفنان لا يخرج من نفسه أبدًا".

وتنعكس في كتاباته السوداوية من خلال تناوله مفاهيم مثل الجنس والمرأة والحب والجمال. ويصفه الكاتب ألدوس هكسلي "بالشيطان المؤمن" وقيل عنه "شاعر ركبه شيطان"، ففي تعريفه للجمال يكتب: "من أهم مميزات الجمال عنصر الخفاء، ثم عنصر آخر، هو الشقاء. لا أنكر أن السرور قد يقترن بالجمال ولكنه زينة رخيصة له. ينما الحزن والشقاء هما رفيقاه العظيمان، بحيث لا أستطيع أن أتصور جمالًا لا حزن وراءه. وعلى ذلك ألست معذورًا إذا اعتقدت أن أفخم أنواع الجمال المذكر هو الشيطان كما صوره ميلتون؟".

في شبابه عاش عيشة فسوق ومتعات حسية، وأنفق الكثير من المال ووقع في غرام سان روفال وأضاع نصف ميراثه عليها. ثم أحب الآنسة ماري دوبرين حبًا عذريًا. يقول بورشيه في مذكراته: "كان بودلير عاجزًا من ناحية الجنس، ولم يكن يستطيع أن تظهر رجولته إلا مع أحط النساء". يقول إبراهيم ناجي إن بودلير كان يبحث عن امرأة شقية خاطئة تجمعه بها صلة الشقاء والخطيئة، فهناك يحلو البكاء، بكاء الأطفال، للواحد منهما على صدر الثاني.

وقصته مع سيدة الصالونات الأدبية المشهورة في باريس مدام سباتييه توضح ذلك. فقد كان بودلير يرسل اليها الورود والقصائد ويستلهم منها شعره العفيف، ولما علمت أنه صاحب "أزهار الشر" أرسلت في طلبه لتهبه نفسها، فاخفق اخفاقًا شنيعًا، حين رفض ما قدمت اليه من كنوزها الجسدية، فغضبت لكرامتها، أما بودلير فكتب يقول لها "لقد كنت آلهة في نظري، ولست الأن الا امرأة".

في شبابه، عاش بودلير عيشة فسوق ومتعات حسية، وأنفق الكثير من المال ووقع في غرام سان روفال وأضاع نصف ميراثه عليها

يناقض الكاتب أنيد ستاركي في كتابه عن بودلير وصفه بالمريض النفسي ويقول "لقد تكرر الحديث عما يجده بودلير وهو طفل من لذة في ملامسة ثياب الحرير التي كانت تلبسها أمه، وفي شم المساحيق التي تتعطر بها، على أنه ليس ذلك حجة على الانتكاس في طبيعته النفسية".

ولد بودلير سنة 1821. أبوه فرانسوا بودلير وأمه كارولين أرشمبو دوفيس. كان عمر أبيه عند ميلاده 62 عامًا وأمه 28 عامًا. عندما ناهز بودلير 6 سنوات توفي والده، وبعد سنة تزوجت أمه الجنرال أوبيك. ويبدو أن بودلير لم يسامح أمه أبدًا على هذا الزواج الثاني. وترك هذا حقدًا في نفسه، وكان سلوك بودلير متعارضًا مع الجنرال أوبيك ويخالفه.

اقرأ/ي أيضًا: جابرييلا ميسترال.. أكثر من وجه

أخرج بودلير ديوانه "أزهار الشر" عام 1857 وأحدث ضجة في الأوساط الأدبية، وصودرت بعض قصائده ومنها "النساء اللعينات". وفي آخر أيام حياته بدأ بتعاطي المخدرات وأصابه الشلل في لسانه وساءت حالته الصحية، حيث قضى سنتيه الأخيرتين في المصحات في بروكسل وباريس حتى توفي في آب/أغطس 1867.

 

  • القصائد من كتاب "أزهار الشر" تأليف شارل بودلير وترجمة الدكتور إبراهيم ناجي، دار العودة، بيروت، 1977.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جاك بريفير: أغنية داخل الدم

لافونتين: العجلة والعنزة والنعجة في شراكة مع الأسد