هل كان المسلمون قديمًا يحتفلون بميلاد المسيح؟

هل كان المسلمون قديمًا يحتفلون بميلاد المسيح؟

كان الاحتفال بالمناسبات الدينية قديمًا طقسًا تنصهر فيه الديانات وتذوب فيه حدود الطوائف (إدوارد دودويل)

قد يبدو السؤال عن مشاركة المسلمين لغير المسلمين في احتفالاتهم من قبيل المفروغ منه، فمعظم الشيوخ والفقهاء يؤكدون على حُرمة الاحتفال، مستغلين قنوات التلفاز والإذاعة ودور النشر في إرهاب الناس فكريًا وإنذارهم بعذاب الله. 

يصرّحون صارخينَ (وبهدوء أحيانًا مع ابتسامة)، على أن ما يفعله المسلمون اليوم ناتج عن الاستلاب الحضاري والتقليد الأعمى الذي حذّر منه الرسول.

نملك عن مظاهر اختلاط العادات والثقافات في بلاد المغرب والأندلس سجّلا غنيّا، عنيَ العلماء والمؤرخون فيه بتدوين كل النوازل

ولا يعترف الفقيه إلا بعيدين اثنين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وكل ما سواهما بدعة. ثم يختلف الفقهاء: إذا كانت المناسبة إسلامية فهي بدعة حسنة عند بعضهم دون البعض الآخر، كالاحتفال بالمولد النبوي وبموالد الأولياء والصالحين، لكن الأكثرية تتفق على تحريم الاحتفال مع غير المسلمين، سوى البعض ممن سار على نهجٍ مختلف، وصرحوا عكس التيار، مثل شيخ الأزهر أحمد الطيب، ومفتي الديار المصرية السابق علي جمعة.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا تحرم جهات مسيحية الاحتفال بـ"هالوين"؟

لن يتناول هذا المقال فتاوى بعض الشيوخ المعاصرين ممن يُجيز الاحتفال وتهنئة المسيحيين، بل سنبحث هنا عن حال المسلمين أيام دولتهم وعزّتهم كما يحلمون بها اليوم، وسننظر إليهم عن طريق بعض الفتاوى والشيوخ القدماء الذين وقفوا مندهشين من التسامح الغريب والطارئ على عقائد عامّة الناس، رغم أن القاعدة التاريخية تقول بأن المغلوب هو من يقلّد الغالب.

وسننظر بعين فاحصة إلى بعض الشيوخ الفقهاء من أهل المغرب والأندلس، لنرى كيف كانت أجواء رأس السنة تمر بين المسلمين، وكيف كسَرت العادات والتقاليد وآداب الجوار كل سلاسل الفقه الجامد العنيف.

وقبل كل شيء من الضروري التأكيد على فرق لطيف وهو أن الاحتفال برأس السنة الميلادية ليس هو الاحتفال بعيد ميلاد المسيح، فإذا كان العيد الأول ذا طابع شامل فلاحي وكوني سابق على الديانات، ويُحتفل به ليلةَ يناير، فإن الاحتفال بميلاد المسيح يكون في الـ25 من كانون الأول/ديسمبر حسب الكاثوليك، وفي السابع من كانون الثاني/يناير لدى الكنائس الشرقية. وهذا اختلاف خفيف لا يؤثر في مسار البحث كما سنرى، لأن عامة الناس لم تكن تأبه للتفريق أحيانا، ولأن العيدين كان يتم دمجهما أحيانًا في عيد رأس السنة، أي في "ليلة ينّير" كما يرد في كتب التاريخ.

اختلاط العادات والثقافات مغاربيًا

نملك عن مظاهر اختلاط العادات والثقافات في بلاد المغرب والأندلس سجّلا غنيًّا، عنيَ العلماء والمؤرخون فيه بتدوين كل النوازل، مقرّرين آراءهم وآراء زملائهم. فعن عيد رأس السنة، أو غُرّة السنة، التي يسمّيها ابن سعيد في كتابه "المُغرب في حُلى المَغرب": "النوروز المعروف عندَهم بينّير"، وقد تكون تسميتها بالنوروز جاءت كمتابعة لأهل المشرق الذين يحتفلون بهذا اليوم الفارسي.

ونجد أن أهل الأندلس، مسلمين ومسيحيين، دأبوا على إظهار الفرح والسرور وصنع أطايب المأكولات واتخاذ هذا اليوم يوم راحة وفرح، دونَ إحساسٍ بحرج الخروج عن معتقدهم الإسلامي، يتهادَون فيه الهدايا ويُقبلون على الحياة ويخرجون للرياضات والحدائق قصدَ النزهة والانشراح، ما أثار حفيظة بعض العلماء.

ويُسجّل أبو بكر الطرطوشي -وهو من أهل القرن السادس الهجري- هذا الأمر في كتابه "الحوادث والبدع"، فيقول: "من البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس (...) على إقامة ينير بابتياع الفواكه كالعجم، وإقامة العنصرة (أعياد مسيحية يهودية)، وخميس أبريل، بشراء المجبَّنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعًا أو أشتاتًا مع النساء مختلطين للتفرج".

طغت الأجواء الاحتفالية، حتى بات بعض أهل العلم وطلبتهم يحتفلون مع عامة الناس بأعياد غير المسلمين، وهو أيضًا ما أغاظ بعضًا من الفقهاء، مثل أبو العباس العزفي، حتى أنه اعتبر أن السلطان والقائمين على أمر البلاد والعباد لا يقومون بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمنع مثل هذه الأجواء. 

ويقول العزفي نصًا: "فإني رأيت الجمهور اللفيفَ والعالم الكثيفَ من أهل عصرنا قد تواطؤوا على إعظام شأن هذه البدع الثلاث: الميلاد وينّير والمهرجان وهو العنصرة، تواطؤًا فاحشًا، والتزموا الاحتفال لها والاستعداد لدخولها التزامًا قبيحًا؛ فهم يرتقبون مواقيتها ويفرحون بمجيئها". 

ويضيف: "واستسهلوا هذه البدع حين ألفوها وعظموها وصارت عندهم كالسُّنة المتبعة، وسكت العلماء عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، وتأنّى السلطان في تغييرها، وكان الناس في هذه الأعياد يتبادلون الهدايا حتى إن الطلبة كانوا يهدون شيوخهم. كما كانوا يذبحون الذبائحَ وكان الناس يجتمعون ليلة قبل ينير أو ليلة بعده مع أقاربهم وأصهارهم فيأكلون الإدام والفاكهة وكانوا كذلك يصنعون الصُّوَر (تماثيل من الحلوى) في هذه الأعياد وكانت النساء في عيد العنصرة يرششن بيوتهن بالماء ويلقين في ثيابهن ورق الكرنب ويغتسلن".

ويظلّ هذا النقل من كتاب العزفي "الدرّ المنظّم في مولد النبيّ المعظّم" نقلًا ثمينًا، لأن هذا المؤلف سيصير عُمدة المغاربة في التبرير للاحتفال بمولد النبي محمد، فإن أبا العباس العزفي يتحسر على انصراف المسلمين إلى الاحتفال بأعياد غير المسلمين، لأنهم لا يحتفلون بطريقة منظّمة بميلاد نبيّهم العربي، لذلك جاء صوت هذا الفقيه السبتي بفتوى دبلوماسية: كما يحتفل المسيحيون بالمسيح، فسنحتفل نحن المسلمون بمحمد.

وقد لا يشعر العزفي بأنه واقع لا محالة تحتَ تأثير المسيحيين على كل حال، فهم سببُ تأليفه لهذا الكتاب، ودعوته لابتداع عيد المولد النبوي، مجرّد استنساخ لعيد ميلاد المسيح. على كل حال يتشعّب هذا النقاش ليدخل التيار السلفي ويحرّم على الجميع كل عيد غير العيديْن المقدسين في ديانة الإسلام!

ونفس هذه المظاهر التي سجّلناها قبل قليل، تبقى سائدة حتى مع مرور قرون بعد الطرطوشي والعزفي، فنجد أن أهل المغرب الأقصى قد استمروا في الاحتفال بليلة رأس السنة مضاهاة للمسيحيين، بل واحتفلوا على غرار أهل الاندلس بأعياد ومناسبات أخرى خاصةٍ باليهود والمسيحيين.

الاحتفال برأس السنة وبميلاد المسيح، بل وبميلاد أنبياء آخرين، كان طقسًا تنصهر فيه الديانات وتذوب فيه الحدود بين الطوائف

ونقرأ عندَ الونشريسي في كتاب "المعيار المعرب عن فتاوى أهل أفريقية والأندلس والمغرب" -من أهل القرن التاسع الهجري- ما يلي: "ليلة ينير التي يسمونها الناسُ الميلادَ، ويجتهدون لها في الاستعداد، ويجعلونها كأحد الأعياد ويتهادون بينهم صنوف الأطعمة وأنواع التحف والطرف المثوبة لوجه الصلة ويترك الرجالُ والنساءُ أعمالهم صبيحتها تعظيمًا لليوم ويعدّونه رأس السنة".

انتصارٌ للاحتفال

إن أهمّ ما نخلص إليه من إيراد هذه النصوص، هو أن الاحتفال برأس السنة وبميلاد المسيح، بل وبميلاد أنبياء آخرين، كان طقسًا تنصهر فيه الديانات وتذوب فيه الحدود بين الطوائف.

ويظل احتفال طلبة العلم وبعض شيوخ الدين أمرًا لافتًا كما سجّله الفقيه المشهور ابن الحاج العبدري الفاسي في مدخله، حيث لم تقتصر مشاركتهم بقبول الهدايا وتعطيل العمل واتخاذ العيد يوم راحة فقط، بل تجاوز الأمر إلى حد مشاركة بعض المنتسبين للعلم الشرعي لأهل الكتاب المسيحيين واليهود، بإرسال الهدايا إليهم ومساعدتهم على التحضير لأعيادهم. وهو الأمر الذي يرى فيه ابن الحاج "مساعدة للكفار على كفرهم وإقرارهم عليه".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عيد الميلاد القبطي.. صيام واحتفالات وتقاليد راسخة

المثلية عند قدماء المسلمين.. مدحها شعراء ومارسها خلفاء