ultracheck
  1. رياضة

هل قتلت التكنولوجيا عفوية كرة القدم؟

18 مايو 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
مصطفى الجريتلي مصطفى الجريتلي

في الماضي، كانت زيارة الأهل والأصدقاء في عطلة نهاية الأسبوع جزءًا من متعة الحياة اليومية، وكان الوقوف أسفل منزل صديقك لمناداته مشهدًا عاديًا يحمل كثيرًا من العفوية، اليوم، تكفي رسالة قصيرة أو مكالمة فيديو لإنجاز الأمر كله دون مغادرة مكانك.

التكنولوجيا جعلت الحياة أسهل بلا شك، لكنها في المقابل سحبت شيئًا من التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي منحتها روحها الخاصة، وربما هذا تمامًا ما حدث لكرة القدم أيضًا.

التكنولوجيا جعلت الحياة أسهل بلا شك، لكنها في المقابل سحبت شيئًا من التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي منحتها روحها الخاصة، وربما هذا تمامًا ما حدث لكرة القدم أيضًا

على مدار عقود، عاشت كرة القدم على العفوية والمشاعر الفورية والأخطاء البشرية، لم تكن لعبة مثالية، لكنها كانت قادرة دائمًا على خلق لحظات لا تُنسى، سواء بسبب هدف تاريخي، أو قرار تحكيمي مثير للجدل، أو موهبة اكتشفها كشاف بالصدفة في ملعب ترابي بعيد.

لكن مع التوسع الهائل للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل اللعبة، بدأ كثيرون يتساءلون: هل أصبحت كرة القدم أكثر عدالة.. وأقل عفوية؟

دعونا ننتظر قرار الـVAR"

ربما لا يوجد ما يختصر علاقة التكنولوجيا بكرة القدم أكثر من تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR"؛ قبل ظهورها، كانت لحظة تسجيل الهدف لحظة انفجار كاملة: صراخ، قفز، عناق عشوائي مع الغرباء في المدرجات، وفرحة لا يوقفها شيء، أما اليوم: "دعونا ننتظر قرار الـVAR"."

صحيح أن الـVAR  منح اللعبة قدرًا أكبر من العدالة التحكيمية، لكنه غيّر طبيعة المشاعر داخل الملعب؛ كرة القدم كانت تُعرف طويلًا بأنها "لعبة الأخطاء البشرية"، وكانت القرارات المثيرة للجدل جزءًا من ذاكرتها الجماعية؛ الجماهير تختلف، والبرامج الرياضية تناقش، واللحظات تبقى لسنوات في الذاكرة.

يكفي تذكّر هدف فرانك لامبارد الملغي مع منتخب إنجلترا أمام ألمانيا في كأس العالم 2010، حين تجاوزت الكرة خط المرمى بوضوح دون أن يحتسب الحكم الهدف، في مباراة انتهت بخروج الإنجليز وسط غضب واسع.

وعلى الجانب الآخر، ظلّ هدف مارادونا الشهير بيده في مرمى إنجلترا خلال مونديال 1986 واحدًا من أكثر الأهداف إثارة للجدل في تاريخ اللعبة، وهو الهدف الذي ساهم لاحقًا في تتويج الأرجنتين باللقب.

في الحالتين، كان الـVAR  قادرًا على تصحيح القرار بسهولة، وربما كانت النتائج ستختلف تمامًا، لكن المفارقة أن هذه الأخطاء نفسها تحولت إلى جزء من ذاكرة كرة القدم وسردياتها التاريخية، وأصبحت تُروى بعد عقود بوصفها لحظات صنعت الجدل والغضب والمتعة أيضًا.

المفارقة أن الجماهير والأندية طالبت طويلًا بتحقيق العدالة التحكيمية، لكن بعد حضور التكنولوجيا، اكتشف كثيرون أن الجدل نفسه كان جزءًا من متعة اللعبة.

من الكشاف إلى قاعدة البيانات

لم تقتصر التحولات على التحكيم فقط، بل امتدت إلى طريقة اكتشاف اللاعبين أنفسهم؛ ففي الماضي، ارتبط كشافو المواهب بصورة رومانسية داخل كرة القدم: رجل يجوب الملاعب الصغيرة والقرى البعيدة بحثًا عن لاعب مغمور قد يصبح نجمًا عالميًا بعد سنوات.

كانت العملية تعتمد على العين والخبرة والحدس، ولهذا حملت دائمًا عنصر المفاجأة، أما اليوم، فأصبحت الأندية تمتلك قواعد بيانات ضخمة وبرامج تحليل قادرة على فرز آلاف اللاعبين خلال ثوانٍ، اعتمادًا على الأرقام والإحصائيات ومعدلات الأداء.

ووفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة "ذا أثليتيك" ، يرى 65% من كشافي المواهب في الدوري الإنجليزي أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بصورة مباشرة على دورهم خلال السنوات المقبلة.

التكنولوجيا جعلت الوصول إلى المواهب أسرع وأكثر دقة، لكنها في الوقت نفسه سحبت شيئًا من سحر الاكتشاف نفسه؛ تلك اللحظة التي يشعر فيها كشاف بأنه عثر على "جوهرة مخفية" قبل الجميع.

ورغم التطور الهائل في البيانات، لا يزال كثيرون داخل اللعبة يؤمنون بأن كرة القدم لا يمكن اختزالها بالكامل في الأرقام؛ فهناك أمور يصعب على الخوارزميات قياسها بدقة: الشخصية، وردة الفعل تحت الضغط، والشغف، والقدرة على القيادة داخل الملعب.

الذكاء الاصطناعي داخل غرفة الملابس

التكنولوجيا لم تغيّر طريقة اكتشاف اللاعبين فقط، بل بدأت تتسلل أيضًا إلى القرارات الفنية والتكتيكية؛ بعض المدربين باتوا يعتمدون بصورة متزايدة على أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي لفهم الخصوم، واختيار التشكيلات، وحتى تقييم الأحمال البدنية للاعبين.

من الناحية العملية، تبدو هذه الأدوات مفيدة للغاية، فهي تمنح المدربين كمًا هائلًا من المعلومات التي لم تكن متاحة سابقًا، لكن في المقابل، كان جزء من متعة كرة القدم دائمًا في النقاشات التي لا تنتهي: هل تنجح خطة المهاجم الوهمي؟ هل يحتاج الفريق إلى رأس حربة تقليدي؟ هل يتفوق الاستحواذ على المرتدات؟ أما اليوم، فبعض هذه القرارات بات يُحسم بالأرقام والنماذج التحليلية أكثر من النقاش الإنساني داخل غرف الملابس.

روبرت مورينو، مدرب ذو اسم مرموق في إسبانيا، تمت إقالته من نادي سوتشي الروسي في أيلول/سبتمبر الماضي بسبب الاعتماد بشكل مفرط على "شات جي بي تي" في اتخاذ القرارات الفنية والتدريبية.

المدير الرياضي السابق لنادي سوتشي، أندريه أورلوف، أوضح في تصريحات صحفية أن مورينو كان يلتزم بتوصيات الذكاء الاصطناعي بشكل صارم، لدرجة أنه طلب من اللاعبين التدرب في الرابعة فجرًا والبقاء مستيقظين قبل إحدى المباريات.

ولم يقتصر الأمر على التدريبات، بل استخدم مورينو "شات جي بي تي" أيضًا لاختيار مهاجم جديد للفريق، حيث فضّل البرنامج اللاعب أرتور شوشيناتشيف، الذي فشل لاحقًا في تسجيل أي هدف خلال 10 مباريات.

حتى الجماهير تغيّرت

ولم يتوقف تأثير التكنولوجيا عند اللاعبين والمدربين، بل امتد إلى الجماهير نفسها، خصوصًا مع الانتشار الواسع لألعاب "الفانتازي".

في السابق، كان مشجعو الفانتازي يعتمدون على المتابعة اليومية للمباريات والتحليل الشخصي والحدس الكروي لاختيار تشكيلاتهم، فربما تتابع فريقًا مهددًا بالهبوط لأنك تمتلك لاعبًا ضمن صفوفه، وهو ما كان يزيد المتعة.

أما الآن، فظهرت تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقترح التشكيلات المثالية، والانتقالات الأنسب، وحتى شارة القيادة في كل جولة.

كشفت دراسة نشرتها شركة Virgin Media O2 في آب/أغسطس 2025، أن 66٪ من لاعبي كرة القدم الخيالية يعتزمون استخدام الذكاء الاصطناعي هذا الموسم للمساعدة في إدارة فرقهم، مثل اختيار أسماء الفرق، والتشكيلة الأساسية، وقرارات الانتقالات، وقائد الفريق ويزداد الإقبال بين الفئة العمرية 25–34 عامًا، بينما يفضّل الأكبر سنًا الاعتماد على الخبرة.

ورغم انتشار استخدامه، يرى كثيرون أن الذكاء الاصطناعي يفسد متعة اللعبة ويُعد نوعًا من الغش، كما أظهرت الدراسة أن أبرز دوافع استخدامه هي تحسين النتائج، وتوفير الوقت، وتقليل ضغط اتخاذ القرارات.

كرة أكثر عدالة.. لكن هل هي أكثر متعة؟

لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا جعلت كرة القدم أكثر تطورًا وعدالة ودقة: القرارات التحكيمية أصبحت أقل خطأ، وتحليل الأداء أكثر احترافية، والوصول إلى المواهب أسرع من أي وقت مضى، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا خسرت اللعبة في المقابل؟

ربما لم تقتل التكنولوجيا كرة القدم، لكنها غيّرت علاقتنا بها؛ جعلت اللعبة أكثر دقة، لكنها سحبت شيئًا من عفويتها ومتعتها الجميلة.

كلمات مفتاحية
كأس العالم 2026

كأس العالم والمؤثرون.. كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل التغطية الرياضية؟

إذا كان التلفزيون قد منح كأس العالم لعقود القدرة على الوصول إلى الجماهير، فإن المنصات الرقمية وصناع المحتوى يمنحونه اليوم شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه

كأس العالم 2026

أبناء المونديال.. ثلاثة لاعبين يحملون إرث آبائهم في كأس العالم 2026

ما يجعل قصص مصطفى شوبير وسباستيان برهالتر ولوكا زيدان مميزة هو أنها تجمع بين ثلاث قارات مختلفة وثلاث تجارب مختلفة

أشرف حكيمي

كأس العالم 2026.. البطولة التي قد تحسم مكانة أشرف حكيمي بين عظماء أفريقيا

كأس العالم 2026 قد تكون البطولة التي تحدد بشكل نهائي مكانة أشرف حكيمي في سجل كرة القدم الأفريقية، فهو بالنسبة للكثيرين، لم يصل إلى مكانة صلاح وإيتو ودروغبا بعد

بطاقة الدعم
مجتمع

مصر تعيد صياغة الدعم.. عدالة جديدة أم عبء إضافي؟

في خطوة تمس حياة ملايين المصريين اليومية، أعلنت الحكومة المصرية الاتجاه إلى الانتقال من نظام الدعم العيني إلى نظام الدعم النقدي

كأس العالم 2026
رياضة

كأس العالم والمؤثرون.. كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل التغطية الرياضية؟

إذا كان التلفزيون قد منح كأس العالم لعقود القدرة على الوصول إلى الجماهير، فإن المنصات الرقمية وصناع المحتوى يمنحونه اليوم شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه

كأس العالم 2026
رياضة

أبناء المونديال.. ثلاثة لاعبين يحملون إرث آبائهم في كأس العالم 2026

ما يجعل قصص مصطفى شوبير وسباستيان برهالتر ولوكا زيدان مميزة هو أنها تجمع بين ثلاث قارات مختلفة وثلاث تجارب مختلفة

أشرف حكيمي
رياضة

كأس العالم 2026.. البطولة التي قد تحسم مكانة أشرف حكيمي بين عظماء أفريقيا

كأس العالم 2026 قد تكون البطولة التي تحدد بشكل نهائي مكانة أشرف حكيمي في سجل كرة القدم الأفريقية، فهو بالنسبة للكثيرين، لم يصل إلى مكانة صلاح وإيتو ودروغبا بعد