هل عادت الفرصة لإسقاط الأسد؟

هل عادت الفرصة لإسقاط الأسد؟

مصير غامض يواجهه الأسد (أ.ب)

ألترا صوت – فريق التحرير

مع دخول قانون قيصر، الأربعاء، حيّز التنفيذ، بالتزامن مع أزمة اقتصادية حادة جدًا يعاني منها النظام السوري، وتوسع نطاق الاحتجاجات التي خرجت من جديد في السويداء ومدن أخرى، للتعبير عن فقدان الأمل والتدهور الذي وصلت إليه المناطق التي يسيطر عليها، يعود السؤال من جديد عن مصير الأسد، خاصة مع الخلافات داخل الأقطاب المركزية في نظامه، وشعور حلفائه في روسيا وإيران بأنه يصبح عبئًا غير محتمل عليهما، وعائقًا أمام البدء بمشروع إعادة الإعمار، الذي تعتبره موسكو فرصة اقتصادية لا يمكن التفريط بها.

مع دخول قانون قيصر، الأربعاء، حيّز التنفيذ، بالتزامن مع أزمة اقتصادية حادة جدًا يعاني منها النظام السوري، وتوسع نطاق الاحتجاجات ضده، يعود السؤال من جديد عن مصير الأسد

في هذا السياق، نشر الباحث البريطاني تشارلز ليستر في موقع صحيفة بوليتيكو الإلكتروني تقريرًا يناقش من خلاله أبرز التوقعات لمستقبل الصراع السوري، على خلفية الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في محافظة السويداء تطالب بإسقاط النظام السوري، ورحيل بشار الأسد عن السلطة، محذرًا واشنطن من الندم في حال فشلت بالتنسيق مع حلفائها للدفع بالحل الدبلوماسي الذي يجب أن يفضي بنهاية المطاف لإنهاء الأزمة السورية وفقًا لمقررات الأمم المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: "هذا زمان آخر".. احتجاجات السويداء تتوسع رغم التعزيزات الأمنية

يقول ليستر في مستهل تقريره إن الطائفة الدرزية في محافظة السويداء وجهت رسالة للنظام السوري في بداية الاحتجاجات السلمية التي اندلعت منذ أكثر من أسبوع ينص مضمونها على التالي: "وعدناكم أن نبقي الأمور سلمية.. لكن إذا أردتم الرصاص.. سوف تنالونه"، لافتًا إلى أن النظام السوري رد على الاحتجاجات بتنظيم مسيرات مؤيدة للأسد مع توجيه التهديدات للموظفين الذين يرفضون المشاركة في المسيرات المؤيدة.

وتشهد محافظة السويداء خروج مظاهرات يومية تطالب بالتغيير السياسي وإسقاط النظام السوري، وأفادت شبكة السويداء 24 المحلية بأن قوات الأمن وكتائب البعث (ميليشيا محلية) بالاشتراك مع موالين للأسد قاموا يوم الإثنين، بالتهجم على المتظاهرين السلميين بالاعتداء عليهم بالضرب، في وقت تأكد اعتقال قوات أمن لأربعة نشطاء كانوا مشاركين في المظاهرة المناوئة للنظام السوري، وسط توقعات عن ارتفاع حصيلة المعتقلين في صفوف المتظاهرين.

ويشير الباحث البريطاني إلى أنه على الرغم من نأي الطائفة الدرزية بنفسها على الصراع السوري خلال السنوات الماضية، فإن الأزمة الاقتصادية كانت السبب وراء خروجهم للتظاهر في الشارع، موجهين خطابهم للأسد مباشرة عبر الهتافات، ومعبرين عن تضامنهم مع محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة السورية، والتي يقيم فيها ما يزيد على ثلاثة ملايين مدني.

إذ إن احتجاجات السويداء رغم "روعتها" فإنها ليست إلا عرضًا من أزمة كبرى تضرب مفاصل نظام الأسد، وتحدد آفاق مستقبل بقائه في السلطة، حسب الباحث، حيث إن إقالة الأسد لرئيس الحكومة عماد خميس تُعد مؤشرًا واضحًا على أن الانهيار الاقتصادي والمظاهرات السلمية الأخيرة تشكل تحديًا حقيقيًا لشرعيته، وعلى الرغم من الشائعات التي تروج لانتصار الأسد في سوريا عبر القمع الوحشي للمعارضة السورية مستفيدًا من الدعم الروسي – الإيراني، فإن كل الأسباب العميقة التي أدت لانتفاضة السوريين خلال عام 2011، لم تعد قائمة فقط لا بل تفاقمت خلال العام الجاري.

يضيف ليستر في تقريره أن جميع التحديثات التي تواجه انتعاش ومصداقية وبقاء النظام السوري لا تزال حاضرة في مختلف أنحاء البلاد، من حيث توجه ملايين المواليين الذي يدعمون الأسد ظاهريًا في مناطق سيطرته لتبادل الهمسات الساخطة على حكمه، بعدما أصبحت الحياة خلال العام الجاري أسوأ مما كانت عليه في ذروة الصراع العسكري ما بين عامي 2014 – 2015 مما أدى لانهيار الاقتصاد السوري بسبب تمسك الأسد في السلطة.

ويبرز في اللحظة الراهنة وغير المسبوقة معًا، رغم إهمالها من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرصة لواشنطن لاستخدام أوراقها المتبقية في يدها لاستغلال الانهيار الذي يواجه نظام الأسد حاليًا، عبر تفعيل الجهود الدبلوماسية مع حلفائها في الغرب والشرق الأوسط تفرض من خلالها تغييرات حقيقية، متوقعًا في هذا الإطار ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تؤول إليها الأزمة السورية في النهاية.

ويتوقع الكاتب البريطاني في تقريره أن يلجأ الأسد في السيناريو الأول لتجربة كوريا الشمالية بعزله سوريا عن الاقتصاد العالمي، وترسيخ وجودها على الخارطة العالمية كدولة منبوذة، من خلال تحفيز الموالين للعب دور الضحية، أو يمكن أن يتخذ السيناريو الثاني منحى أسوأ عبر دخول البلاد إلى مستويات مختلفة من "العوز والمجاعة وتفاقم الإجرام و أعمال السلب"، ما قد يؤدي لتفكك وحدة الموالين للأسد بشكل كامل، تتحول معها سوريا لدولة فاشلة مثل الصومال.

ويستند ليستر في توقعات السيناريو الثالث لآراء الموالين للأسد الذي تحدثوا إليه في الجلسات الخاصة، الذين يروون أن الأزمة الداخلية غير العادية التي تعصف بنظام الأسد في الوقت الراهن من الممكن أن "تؤدي لتغيير في القمة"، معتبرًا أن هذه اللحظة في نظرهم قد تهدد بقاء الأسد في السلطة، وهو ما يتجاوز التهديد الذي شكلته فصائل المعارضة خلال السنوات الماضية.

وهو ما يعتبره خيارًا سيئًا للسوريين الموالين لدرجة أن الغضب وعدم الاستقرار وخيبة الأمل مع بعض الدعم الروسي، قد ينتهي بإقصاء الأسد لصالح شخصية أخرى راسخة في النظام، مع بروز سيناريو إضافي يمكن لواشنطن من خلاله لعب دور مهم مع حلفائها سواء الغربيين أو في المنطقة.

ويمضي الباحث البريطاني في تقريره منوهًا إلى أن النقد الموجه للأسد في وسائل الإعلام الروسية مؤخرًا، أو في المجالس الخاصة يدل على قلق موسكو من الوضع الراهن في سوريا الذي لم يكن سابقًا بمثل هذه الحدة، لافتًا إلى أن الانهيار الاقتصادي السريع غير القابل للعلاج، وتزايد العزلة الذاتية المفروضة من المجتمع الدولي على سوريا، قد تشجع – إن لم تكن كذلك بالفعل – موسكو، إلى جانب طهران شريك الأسد الأساسي في الحرب، على الشعور بعدم الارتياح مما يجعلهم عرضةً للخطر، لذا من الممكن أن يظهر الطرفان انفتاحًا على أحد أشكال التسوية الدولية للأزمة السورية.

إذ إنه وعلى الرغم من معناة التواجد الأمريكي في سوريا من قرارات إدارة متقلبة، فإن واشنطن لا تزال مهتمة بما يحدث على صعيد منطقة الشرق الأوسط والعالم، وعليها صياغة تسوية بناء على نقاط الضعف التي يعاني منها الأسد، مما يجعلها أمام فرصة مهمة أكثر من السابق، فقد أدى انهيار الاقتصاد السوري لتضخم في السوق المحلية بعد إغلاق واسع للأسواق، في ظل نقص حاد بالمواد الغذائية وارتفاع بمعدلات البطالية، وأصبح 85 بالمائة من السوريون يعيشون تحت خط الفقر، فضلًا عن عدم حصول النظام السوري على مايكفي من القمح لنهاية العام الجاري، والتزايد البطيء في أعداد المصابين بفيروس كورونا الجديد.

ويلفت الباحث البريطاني إلى أن قرار تحويل الاقتصاد في مناطق الشمال التي تسيطر عليها المعارضة السورية المدعومة من تركيا، سيعمل على إخراج نسبة عشرة بالمائة من السوريين من التعامل بالليرة السورية، وسط أحاديث عن فعل الشيء ذاته في إدلب التي يقطنها 18 بالمائة من السوريين، بحيث أن خروج ما يقارب 30 بالمائة من السوريين من التعامل بالعملة المحلية قد يكون مسمارًا في نعش الاقتصاد السوري بصورة عملية.

وكان واضحًا وفقًا لليستر أن خلاف الأسد مع ابن خالته وأغنى رجال الأعمال في سوريا رامي مخلوف فتح جبهات جديدة من الفوضى في البيت الداخلي للنظام، بالأخص بعدما ساهمت أموال مخلوف بإنقاذ الأسد من الانهيار خلال السنوات الماضية، موضحًا أن مخلوف لن يكون رجل الأعمال الأخير الذي ستستهدفه الأجهزة الأمنية التابعة للأسد، بسبب بحثه عن المال الكافي تحت الحاجة الملحة لتفادي الانهيار الاقتصادي في مناطق سيطرته.

ويقول ليستر مستدركًا في تقريره إن الأزمة الاقتصادية التي تضرب بالنظام السوري ليس سببها فقط العقوبات الاقتصادية الأوروبية – الأمريكية المشتركة المفروضة على أفراد ومؤسسات تصنف على أنها شريكة في حرب الأسد ضد معارضيه، إنما يضاف إليها الأزمة الاقتصادية اللبنانية، والارتفاع المتزايد لمؤشرات الفساد، وانعدام الكفاءة في إدارة النظام السوري لمؤسساته، بسبب إصرار الأسد على إعطاء الأولوية للحملات العسكرية الوحشية في إدلب.

كما أن فشل الأسد في تحقيق الاستقرار ضمن المناطق التي استعاد السيطرة عليها من المعارضة السورية منذ عام 2016 كان له دور بذلك، لذا يرى ليستر أنه لا يوجد حل سحري للمشاكل الكثيرة في سوريا، غير أنه في حال وجد فلا يظهر أن واشنطن تفضله في سياستها الحالية، رغم أهمية سوريا للأمن الوطني الأمريكي ومصالحها في الشرق الأوسط، معتبرًا أن التأثيرات المخلة بالاستقرار الناجمة عن الأزمة السورية دليل ملموس على أهمية سوريا في العالم.

ويعدد ليستر تأثيرات الأزمة السورية على الصعيد العالمي بالاستناد للمتغيرات السياسة على الساحة العالمية، والتي بدأت من خلال موجة الهجرة عبر البحر إلى أوروبا في عام 2015، مما ساهم بصعود الشعوبية واليمين المتطرف على المستوى العالمي، فضلًا عن عملية البريكست، وضعف الاتحاد الأوروبي، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأخيرًا الفوز الدراماتيكي لترامب في انتخابات الرئاسة قبل أربعة أعوام، والذي يصفه بأنه جزء من "الفوضى السورية".

فقد عمل الأسد على تحطيم جميع المعايير الدولية كما لم يفعل أحد من قبل خلال العصر الحديث، عبر قائمة طويلة تزيد على 350 هجومًا بالسلاح الكيميائي شنها على مناطق المعارضة السورية، وعودة روسيا القوية للمنطقة من بوابة سوريا بتحالفها لاحقًا مع تركيا، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واستثمار طهران في الأزمة السورية لتحقيق هدفها بفتح طريق يمتد من طهران إلى دمشق مرورًا ببيروت حتى القدس، معيدة توزيع القوى مرةً أخرى في المنطقة، حيث إن تغاضي المجتمع الدولي عن جرائم الأسد شجع على حقبة من الانعزالية تنمو فيها الحكومات الديكتاتورية.

إلا أن الوجود العسكري الأمريكي الذي ساعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على السيطرة على 25 بالمائة من شرق سوريا حيث تتركز معظم الموارد النفطية، يمنح واشنطن ورقة ضغط هامة عند جلوسها على طاولة المفاوضات بحسب ما يرى ليستر، فضلًا عن ورقة العقوبات الأوروبية – الأمريكية المشتركة، التي يمكن أن تكون الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة السورية، عندما يبدأ الحراك الدبلوماسي، وإعادة الاندماج الاقتصادي في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: تظاهرات في السويداء تطالب الأسد بالرحيل.. ما علاقة قانون قيصر بذلك؟

ويتوقع الباحث البريطاني أن قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين الذي دخل حيز التنفيذ اليوم الأربعاء، سيمنع الأطراف الدولية على مختلف التحالفات السياسية من التعامل الاقتصادي مع النظام السوري، والتي يرى أنها "خطوة مهمة جاءت في الوقت المناسب" غير أنها تفتقر لمسار دبلوماسي يمكن لواشنطن الاستفادة منه.

 ما تريده واشنطن من وراء قانون قيصر توجيه رسالة لموسكو تقول فيها إنه من السهل علينا الحفاظ على عزلة الأسد الدولية لكن ذلك سيكون مكلفًا وخطيرًا عليكم

ويختم تشارلز ليستر تقريره بالقول إن ما تريده واشنطن من وراء قانون قيصر توجيه رسالة لموسكو تقول فيها إنه من السهل علينا الحفاظ على عزلة الأسد الدولية لكن ذلك سيكون مكلفًا وخطيرًا من جانبكم، ومن السهل إنهاء العزلة الدولية مقابل تنازلات سياسية من الأسد، من خلال البدء بإجراء عملية سياسية حقيقية تقود إلى التشارك في السلطة، ووقف شامل لإطلاق النار، والإفراج عن آلاف السجناء السياسيين، وإصلاح دستوري، وقبول اللامركزية وإجراء انتخابات تحت مراقبة دولية تشمل المهجرين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 قانون "قيصر" الأمريكي.. هل يلُف حبل المشنقة حول رقبة الأسد؟