هل طلاق الاقتصاد اللبناني من أمريكا وارد حقًا؟

هل طلاق الاقتصاد اللبناني من أمريكا وارد حقًا؟

يعتبر الاقتصاد اللبناني "مدولرًا" (أ.ب)

لبنان بلد الطوائف، كواقع كُرس له على مدار سنوات طويلة. ولكل من هذه الطوائف خصوصية ما. وتاريخيًا كانت ارتباطات الطوائف بالدول الكبرى أمر حيوي لاستمرارها وحمايتها وتقديم يد العون لها. وكانت لهذه الارتباطات تبعات سياسية، حيث تبعت كل طائفة الدولة التي تخدم مصالحها، كما لعبت هذه الدول أدوارًا سلبية أحيانًا وإيجابية أحيانًا أخرى لناحية استقرار لبنان وازدهاره.

بعد حوالي 30 عامًا من انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، توجه الارتباط الاقتصادي بشكل كلي نحو الولايات المتحدة الأمريكية

وانعكس هذا التدخل الخارجي في لبنان، أو لنقل هذا التماهي بين الطوائف والدول الخارجية وخاصة الدول الكبرى، على الصبغة الثقافية لكل طائفة، فمثلًا، كانت فرنسا تدعم جزءًا كبيرًا من الطائفة المسيحية في لبنان، لتترك وراءها إرثًا ثقافيًا كبيرًا في حيز الطائفة، مثل المدارس والجامعات، وكذا في القوانين اللبنانية.

اقرأ/ي أيضًا: "يسقط حكم المصرف".. عقدة رياض سلامة في منشار الاقتصاد اللبناني

أنطلق من هذه المقدمة للقول بأن ارتباط الطوائف مع الدول في الشرق أو الغرب، له جذوره، ولا زال حتى اليوم يحظى بصفة القبول، مع اختلاف الوضع نسبيًا من طائفة إلى أخرى تبعًا للحقبة الزمنية والظروف السياسية والعوامل المؤثرة في كل فترة.

فنجد مثلًا أن الطائفة السنية ارتبطت بالدولة العثمانية تاريخيًا، ثم في الـ50 سنة الماضية، انتقل الارتباط إلى السعودية ومصر، بينما نجد أن الطائفة الشيعية ارتبطت بإيران وروسيا. هذه الارتباطات كانت لها مفاعيل ونتائج انعكست على صبغة المجتمع اللبناني، وتنوعه، من ناحية المظاهر الدينية والولاءات السياسية.

الآن، وبعد حوالي 30 سنة من انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، كان الارتباط الاقتصادي في البلد قد توجه بشكل كلي نحو الولايات المتحدة الأمريكية، تحت سياسة المصرف المركزي، بحيث أصبح الاقتصاد اللبناني "مدولر"، بحسب تصريح حاكم المصرف المركزي نفسه، الذي قال: "لا اقتصاد في لبنان بدون الدولار".

هذا الارتباط الاقتصادي بين لبنان والغرب الأميركي والأوروبي، ضخم. والإرث الثقافي للمسيحيين في لبنان مع هذا الغرب ضخم جدًا، بعكس الإرث الإسلامي في لبنان، حيث كان له توجهات أكثر مشرقية، مع السعودية وإيران وروسيا.

وأمام التبدلات الحاصلة، وخروج المارد الشيعي من قمقمه، حتى صار أكبر من الدولة، وطغى عليها، وبدأ بفرض أجنداته السياسية والعسكرية، حتى أخذ لبنان رهينة لصراع المحاور، بما طال المجال الاقتصادي، في ظل منافسة اقتصادية ساخنة بين أميركا والصين.

أمام هذا الواقع، هل يمكن للبنان أن يكون طرفًا في الصراع الاقتصادي؟ وهل سيوافق المسيحييون على التوجهات الاقتصادية التي تفرضها الشيعية السياسية بالتوجه نحو الشرق بدلًا من الغرب؟

إذ هل من الممكن أن يفك مسيحيو لبنان ارتباطهم بالغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، على إثر دعوة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي يدعو لفتح أسواق جديدة مع الصين وروسيا وإيران والعراق وسوريا؟ إذ يرى حزب الله، ويروج لضرورة إقامة "محور ممانعة" ضد أمريكا في المجال الاقتصادي.

إرث فرانكفوني

للمسيحيين في لبنان إرث ثقافي متصل بالغرب، يتجلى في اعتبار البلد "فرانكوفونية". وقد أثرت الإرساليات الغربية، والفرنسية خصوصًا، في البنية الثقافية بلبنان، ومسيحييه تحديدًا، ومظاهر ذلك متعددة وجلية، بدءًا بأنماط الحياة والمعيشة وبالحرص على تعلم الفرنسية. وفي هذا السياق، حدث الارتباط بين المسيحيين والاقتصاد الأمريكي، وعليه الاقتصاد اللبناني بالجملة، إذ إن أكثر من نصف المصارف اللبنانية مملوكة لرجال أعمال مسيحيين.

كما يمكن أيضًا ملاحظة أعداد المغتربين اللبنانيين من المسيحيين في الخارج، بالاستناد إلى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، حيث زاد الرقم عن 115 ألف مقترع.

ويُذكر في هذا الصدد مساعي جبران باسيل إلى تشكيل لوبي عالمي للمغتربين، تحت مظلة "مؤتمر الطاقة الاغترابية"، ومن ثم أطلقت وزارة الخارجية بقيادة باسيل، مبادرة "استعادة الجنسية اللبنانية" لكل لبناني مهاجر في كل أنحاء العالم، للاستفادة من الحقوق الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية، وغيرها.

وتنص مبادرة باسيل على إمكانية استعادة الجنسية لكل شخص مولود من أب لبناني أو له جد لبناني أو زوجة متزوجة من لبناني. وأعداد هؤلاء في الدول الغربية تفوق مئات المرات، بل ربما آلاف المرات ممن هاجروا باتجاه الشرق من أصول لبنانية، لأسباب تتعلق بالحرب الأهلية أو بالتعليم والعمل، والنسبة الأكبر منهم مسيحيون.

والأمثلة عديدة في هذا الصدد، فيمكن الاطلاع على حجم بطاقات السفر من لبنان باتجاه أوروبا وأمريكا، وإلى الارتباطات العائلية بين المسيحيين في لبنان وبين أفراد أسرهم في الغرب، وإلى حجم الشباب الذاهبون للتعلم والعمل في الدول الغربية.

حتى أن وزارة الخارجية اللبنانية، تغير اسمها لتصبح "وزارة الخارجية والمغتربين"، لما للبنانيين من تشبيكات معقدة ومتعددة مع الغرب، وخاصة المسيحيين في لبنان. كما أن البعثات الأجنبية من لبنان إلى الغرب وبالعكس كبيرة جدًا والنوادي وغرف التجارة والجهات المانحة والتعاون مع العالم الغربي.

إذًا، الارتباطات المسيحية بالغرب عضوية وليس من السهل الانفكاك منها، وتسيير الدفة بمرونة نحو الشرق. المواطن اللبناني في أي اختيار بين الصين وأمريكا، على الأرجح أنه سيختار أمريكا. وقد لا يحتاج الأمر إلى استفتاء لتأكيد ذلك، لأن المعاش اللبناني يؤكده. وحتى ضمن الطائفة الشيعية التي شدها حزب الله للإرتباط مع إيران ثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا فإن طرح التوجه نحو الشرق لا يمكن أن يشكل فكرة جدية، وربما يكون أقرب إلى الدعابة.

وكلما تراجع سعر صرف العملة اللبنانية أمام الدولار، وكلما انهارت الليرة، وبالتالي أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار وضرب الاقتصاد اللبناني؛ كلما تراجعت شعبية جبران باسيل

يعلم المسيحيون أن أزمة الدولار الخانقة سبب منها مواقف جبران باسيل ووقوفه إلى جانب حزب الله. صحيح نجح التيار الوطني الحر بالفوز في الانتخابات النيابية، لكن ذلك كان قبل الأزمة الاقتصادية، وأما الآن فتتهاوى هذه الشعبية كلما تهاوت الليرة، لأن أحدًا من رجال الأعمال لن يرضى بوضع لبنان كطرف في الصراع الاقتصادي والمالي في مواجهة أمريكا.

تستمد "الممانعة" اسمها من معارضتها للتدخلات الأمريكية في المنطقة، ومن رفعها لشعارات تأييد القضية الفلسطينية. ومنذ أعوام دخل التيار العوني في حلفه مع حزب الله، رافعًا شعار الدفاع عن الوجود المسيحي في الشرق. وقد أثمر هذا التحالف فوزًا في الانتخابات النيابية وداخل الحكومة.

 يعلم المسيحيون اللبنانيون أن أزمة الدولار الخانقة سبب منها مواقف جبران باسيل ووقوفه إلى جانب حزب الله

لكن المسيحيين يجدون أنفسهم اليوم مجبرين على تحمل أعباء الأزمة المالية بوقوفهم مع محور الممانعة والتصدي لأمريكا، وهذا سيضعف شعبية عون وباسيل وتيارهما والعهد الرئاسي. فما يطلبه حزب الله تعجيزي بالنسبة الطائفة المسيحية، خاصة وأن "الدولار أقوى من الرصاص".

 

اقرأ/ي أيضًا:

العمال في لبنان.. تحميل أعباء الأزمة الاقتصادية على الحلقة الأضعف

اقتصاد لبنان.. ما ذنب اللجوء؟!