هل سيحارب العالم داعش؟

هل سيحارب العالم داعش؟

لا جديد حتى الآن (براء الحلبي/أ.ف.ب/Getty)

نجح تنظيم "داعش" في فرض نفسه على السّاحات كافة. في ميادين الحروب المباشرة وبعدها في الساحات الخلفية. أي حدائق الدّول الأوروبية الخلفية. كما على السّاحة الإعلامية والسّياسية، فحوّل قمّة العشرين إلى قمّة الواحد والعشرين، متوّجًا نفسه الضّيف الرّئيس بعد أحداث فرنسا، وحوّل حتّى مباريات كرة القدم، إلى مباراة بينه وبين دول العالم، كان له السّبق فيها بتسجيل الأهداف.

 يعرف تنظيم "داعش" جيّدًا أن ما قبل اعتداءات فرنسا، ليس كما بعدها. "داعش" على يقين من أن توسيعه جبهته من ساحة جهاد إقليمية إلى ساحة كونية، يعدّ خطوةً ممكن أن تستقطب الآلاف من المقاتلين. لا يهدف التّنظيم إلى احتلال أوروبا أبدًا، لا التمركز في باريس ولا التّجول في أحياء روما أو التّمتع بعمارات لندن. جلّ ما يريده التّنظيم إرسال رسالة واضحة لأوروبا، لستم بمنأى عن عمليات "المجاهدين"، كردّ منه على التّشدّد الأوروبي مع مقاتليه العائدين إلى بلدانهم من سوريا. يعي التّنظيم أن اعتداءاته ستوحّد العالم ضدّه، لكن هل سيحارب العالم "داعش" فعلاً؟

يحارب "داعش" اليوم في سوريا المعارضة السّورية بالإضافة لروسيا وحلفائها في بعض الأحيان

يحارب "داعش" اليوم في سوريا المعارضة السّورية، بالإضافة لروسيا وحلفائها في بعض الأحيان، يتمدّد التّنظيم حيث يستطيع، ويتريّث حيث يشعر بالخطر. مساحة دولة التّنظيم المفترضة بين الرّقة في سوريا والموصل في العراق تتيح له خلق نموذجٍ للدولة التّي ينشدها، وفعل ذلك بدولةٍ تتمتع بأمنها الذّاتي، اقتصادها، تجارتها وحتّى علاقاتها الخارجية مع بعض الدّول، كالتي تشتري النّفط من التّنظيم، الخطر الوحيد الذي يتهدّد تنظيم "داعش" هو الغارات الجوية الرّوسية الموضعية، إضافة إلى غارات التحالف، التي تهدّد بنية التّنظيم اللوجستية، لكن على الأرض، لا تحسم المعارك من الجو. حاولت إسرائيل ذلك في تمّوز/يوليو 2006 مع حزب الله في لبنان وفشلت، حاولت أمريكا في أفغانستان مع طالبان –ما بعد الإنسحاب- وفشلت، حاولت أيضًا أمريكا استخدام سلاح الجو حصرًا مع القاعدة في اليمن، والنّتيجة كانت سيطرة القاعدة على محافظة أبين، وإيجاد أرضية خصبة لها للسيطرة على حضرموت، وكذا فعلت.

حديث كيري الدّائم عن هزيمة التّنظيم في غضون أيّام، ما زال ترهات لا تعدو كونها كلامًا للتسويق الإعلامي. حجّة الوزير الأمريكي ساقطةٌ إن لم يشارك بقواتٍ برّية. لكن الكونغرس سبق أن رفض ذلك، أمريكا أمام حلٍّ وحيد، تسليح المعارضة المعتدلة، وللمفارقة، سبق أن فعلت ذلك، سلّحت ودرّبت، فإذ بـ"جبهة الّنصرة" تأسر المتدربين وتستولي على أسلحتهم. بريطانيا بدورها للآن، لن تحارب "داعش". رئيس الوزراء البريطاني كان واضحًا. خاطب "داعش" مباشرةً، إن ضربتم بلادي سأضرب معاقلكم، كنوعٍ من إرساءٍ لتوازن قوّة، فلا حاجة لبريطانيا بضرب داعش طالما أنها بعيدة عن ميدان عملياته، ولا التّنظيم بحاجة لضرب بريطانيا وكسب عدوٍ جديد، بالمحصلة، لا أمريكا ولا بريطانيا بصدّد ضرب "داعش" في المستقبل القريب طالما أن بعض المصالح تتلاقى، "داعش" يستنزف أعداء أمريكا ويكشف التّرسانة الرّوسية، والأمريكي كما البريطاني، يتفرّجان.

الضربات الجوية وحدها لا تكفي في الحرب على داعش، وقد جُرب هذا النوع من العمليات في أكثر من مكان

أجهزة الإستخبارات تعرف مقاتلي داعش جيّدًا، بالعدد والعديد وبلد المنشأ، مع ذلك تغضّ الطّرف. حتّى بعد الاعتداءات الباريسية لم يرقَ الرّد الفرنسي لمستوى البدء بعملية القضاء الفعلي على تنظيم "داعش"، بل أغار سلاح الجو الفرنسي على أهداف ثابتة في الرّقة كان الرّوسي قد ضربها سابقًا. لنفترض أن الغرب يريد حرب "داعش"، لن يحارب الغرب "داعش" دون غطاءٍ من دول الخليج، السّعودية خاصةً، والأخيرة كما حلفاؤها الخليجيين، لن يسمحوا بمحاربة "داعش" والقضاء عليه بوجود الأسد وقبل رحيله. بينما قيام تحالفٍ دولي فعلي للحرب على الإرهاب، وإن بدا ممكنًا من خلال التّصريحات السّياسية، مستحيلُ التّطبيق، الغرب والخليج لن يحارب "داعش" بوجود الأسد، وروسيا وإيران ومن معهما لن يحاربوا "داعش" دون الأسد، في حين يستمر التّنظيم بتدعيم دولته وكيانه، مرتاحًا، مطمئنًا لسلامة وجوده وديمومته.

يبدو أن الوحيد الصّادق أو العازم على القضاء جدّيًا على تنظيم "داعش"، هو الشّعب السّوري، أو من تبقّى منه، بعد خمس سنواتٍ على الحرب الأممية على الأرض السّورية، في وقتٍ فاق عدد اللاجئين التّصور، متوزّعًا بين بلدان العالم.. والسّماء.

إقرأ/ي أيضًا:
"داعش" يتراجع في سوريا والعراق.. ويتقدم في باريس
ليس داعش وحده داعش
لمَ لا يلتحقون بـ"داعش"؟