هل ستتآمر ظاهرة "النينيو" مع الحرب هذا العام على السودانيين؟
18 يوليو 2026
في تلك الليلة نزل الغبار، وغطّى وجه البلد حتى لا يكاد الرجل يرى كفّه. وكان النيل في أقصى فيضانه، يدمدم ويهدر كأنه وحش غاضب، والناس قلقون على زروعهم وبيوتهم. وفي تلك الليلة بالتحديد، لم يعد مصطفى سعيد إلى بيته، وهكذا قرر الروائي الكبير الطيب صالح أن تكون نهاية بطل روايته "موسم الهجرة إلى الشمال".
ينتظر السودانيون، القاطنون على ضفاف النيل وفروعه، موسم الفيضان من كل عام ليجدد الأرض ويغذي مصادر المياه لعام قادم، على الرغم من الخسائر التي يمكن أن يحدثها في بعض الأحيان، مثلما ينتظرون أن تتوقف الحرب ليمارسوا حياتهم الطبيعية التي فارقوها منذ اندلاعها قبل أكثر من ثلاث سنوات. وقد استيقظوا في شهر يوليو من هذا العام على انحسار كبير وغير مسبوق للمياه مع بداية موسم الأمطار، مما يثير مخاوف بشأن تداعيات ذلك على كثير من مناحي الحياة المرتبطة بها.
ليس هذا فحسب، فموسم الأمطار الذي عادة ما تبدأ بشائره في شهر تموز/يوليو من كل عام، تشير كل المؤشرات إلى معدلات أقل من المعدلات السنوية المعتادة. فقد تأخر هطول الأمطار في مناطق الزراعة الآلية بشرق السودان، في ولاية القضارف، وبمعدلات أقل في ولايات النيل الأزرق وسنار، بينما تشهد بعض أجزاء ولايات كردفان ودارفور هطول أمطار بمعدلات كبيرة في نطاق محدود.
ما يثير المخاوف هو ما أعلنه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، الذي توقع، استنادًا إلى بيانات الأرصاد الجوية، أن تُلحق موجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات دمارًا هائلًا بالمجتمعات في أمريكا اللاتينية وشرق وجنوب أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. وأشار إلى ما خلفته ظاهرة "النينيو" الأخيرة، في الفترة 2023-2024، من عشرات الملايين من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الغذاء والتغذية والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والدعم الزراعي والحماية.
ينتظر السودانيون، القاطنون على ضفاف النيل وفروعه، موسم الفيضان من كل عام ليجدد الأرض ويغذي مصادر المياه لعام قادم، على الرغم من الخسائر التي يمكن أن يحدثها في بعض الأحيان، مثلما ينتظرون أن تتوقف الحرب ليمارسوا حياتهم الطبيعية التي فارقوها منذ اندلاعها
وتوقع فليتشر الأسوأ خلال هذا العام، إذ تأتي ظاهرة "النينيو" في ظل الصراعات واسعة النطاق، وتزايد أعداد النازحين، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمواد الغذائية، مما يُثقل كاهل الأسر الأكثر ضعفًا، في حين يعاني النظام الإنساني من تقليصات حادة.
تراجع كبير في مستويات مياه النيل
الانخفاض الذي شهدته مناطق من الخرطوم ونهر النيل والشمالية خلال هذا الشهر لفت الانتباه، لأنه كان أكبر من المعتاد في بعض المواقع، وأدى إلى ابتعاد المياه عن مآخذ محطات الشرب، مثل محطة الصالحة، وظهور ألسنة رملية داخل مجرى النهر. ورغم عدم صدور بيان رسمي من الجهات الفنية المختصة، تراوحت التفسيرات بين كونه أمرًا طبيعيًا يسبق عادة وصول الفيضان، وتأثير تشغيل السدود، بما فيها سد النهضة الإثيوبي، وتزامن بدء ملء بعض الخزانات في السودان مع تأخر وصول موجة الفيضان.
العامل الأبرز والأكثر تأثيرًا على تذبذب مناسيب المياه عند بداية موسم الخريف في السنوات الأخيرة هو تزامنها مع تنظيم إثيوبيا للمياه، والملء، وتشغيل مولدات الكهرباء في سد النهضة. فأي حجز للمياه أو تعديل في بوابات السد يؤدي فورًا إلى تراجع التدفقات اليومية الواردة إلى النيل الأزرق، الرافد الرئيسي للنيل، قبل أن يُعاد فتحها لاحقًا لتمرير الفيضان.
وفي الوقت ذاته، تقوم وزارة الري السودانية أحيانًا بتفريغ جزئي لبعض الخزانات (مثل سد الروصيرص وسنار وجبل أولياء) كإجراء تحوطي لاستقبال مياه الفيضان العالية القادمة من الهضبة الإثيوبية، مما يؤدي مؤقتًا إلى انخفاض المنسوب خلف وأمام تلك السدود، بانتظار الموجة الإجمالية للفيضان.
وفيما يمكن التعامل مع العامل الأول، فإن الأخطر هو أن يشهد شهرا حزيران/يونيو وتموز/يوليو انخفاضًا حادًا وغير معتاد في الإيرادات اليومية للنيل الأبيض والنيل الأزرق، الرافدين الرئيسيين اللذين يغذيان نهر النيل. وبحسب إحصاءات، سجل النيل الأبيض تراجعًا ملموسًا في تدفقاته اليومية التي وصلت إلى نحو 90 مليون متر مكعب يوميًا، مقارنة بمعدلات سابقة أعلى بكثير، فيما تراجعت تدفقات النيل الأزرق، مما جعل الإجمالي العام للمياه عند مقرن النيلين بالخرطوم ينخفض إلى قرابة 180 مليون متر مكعب يوميًا، بعد أن كان يتجاوز 300 مليون متر مكعب في الفترات السابقة، وهو ما يفسر الانحسار السريع للمياه عن الشواطئ.
إضافة إلى ذلك، فإن التغيرات المناخية تتسبب في جعل الطقس أكثر تطرفًا وغير قابل للتنبؤ. وقد شهد السودان هذا العام ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة قبل وصول ذروة الفيضان، مما زاد من معدلات تبخر المياه في مجرى النهر وفي بحيرات السدود، وهو ما أدى إلى ظاهرة الانحسار المؤقت وظهور الألسنة الرملية بشكل لافت.
تأثير ظاهرة "النينيو" على السودان
على المستوى العالمي، تشير التقارير والتحليلات المناخية الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمراكز الإقليمية لعام 2026 إلى تنامي ظاهرة "النينيو" خلال أشهر الصيف والخريف.
في السودان، يرتبط نشاط ظاهرة "النينيو" تاريخيًا ومناخيًا بتأثيرات مباشرة على موسم الأمطار من حزيران/يونيو وحتى تشرين الأول/أكتوبر. وعلى عكس مناطق شرق أفريقيا الاستوائية، التي تشهد أمطارًا غزيرة خلال "النينيو"، تتراجع معدلات الأمطار في السودان، خاصة في الأقاليم الشرقية والوسطى والغربية، مقارنة بالمعدلات الطبيعية، مما يؤدي إلى تأخر موسم الخريف الفعلي في العديد من الولايات الزراعية.
من ناحية أخرى، يؤثر "النينيو" على انتظام الأمطار، مما يؤدي إلى فترات جفاف مؤقتة ومتقطعة في منتصف الموسم، وهو ما يؤثر على نمو المحاصيل الزراعية، إلى جانب إمكانية هطول أمطار غزيرة في أيام معدودة لا يمكن الاستفادة منها بشكل فعّال في تغذية المياه الجوفية أو دعم الزراعة. وهذا ما يدفع المزارعين إلى تقليل المساحات المزروعة، وتراجع إنتاجية المحاصيل الأساسية. كما يؤثر شح الأمطار في المراعي الطبيعية، مما يضطر الرعاة إلى التحرك في مسارات تسبب احتكاكات ونزاعات على الموارد المائية المتاحة.
تأتي ظاهرة "النينيو" هذا العام بتأثيراتها السلبية على قطاعات حيوية في الاقتصاد والمجتمع السوداني، متزامنة مع أكثر من ثلاث سنوات من الحرب وتداعياتها. وتتزايد المخاوف مع موسم أمطار شحيح، ونقص كبير في الإمدادات الإنسانية، حيث يواجه السودان خطر التراجع إلى مستويات أشد من الجوع، نتيجة استمرار الحرب، وتخفيضات تمويل المساعدات، وارتفاع تكاليف الزراعة الناجم عن الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، مما يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت في احتواء المجاعة التي اجتاحت أجزاء من البلاد، بحسب المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو.