هل خسر السنة المعركة؟

هل خسر السنة المعركة؟

تظاهرة في كراتشي ضد الدعم الإيراني للحوثيين (Getty)

ظاهريًا، يبدو الأمر كذلك. لقد انتصرت إيران في كل حروبها الإقليمية. سيطرت بشكل تام على الدولة العراقية، ولم تكتفِ بذلك، فأصبح لديها هناك جيشها الموازي الخاص بها، والمعترف به قانونيًا (الحشد الشعبي)، ونجحت في الإبقاء على بشار الأسد، رغم كل شيء، ومليشياتها وحرسها الثوري، أصبحوا قوة قد تفوق قوة الأسد نفسه، وتمكنت من مساعدة الحوثيين وصالح على الصمود في وجه السعودية، وتحسين موقفهم التفاوضي بالوقت، بحيث تبدو أحلام السعودية الأولى في انتصار سريع وحاسم، وقت انطلاق عاصمة الحزم، محض خيالات وأوهام الآن.

ذلك كله أضيف إلى انتصارها الأصيل، مثالها الأول، وهو تفكيكها للدولة اللبنانية إلى الأبد، وخلق جيشها الخاص، والذي يحكم مناطقه الخاصة، ويشارك في حكم بقية المناطق، ويمتلك سياسيته الخارجية الخاصة، وحروبه المنفردة، ولا مجال للتخلص منه، سوى بالتخلص من الدولة نفسها بشكلها الحالي، التي لا مجال لبقائها كما هي، إلا بالإبقاء عليه أيضًا.

هل خسر السنة إذن؟
ليس بالضبط. تفترض فكرة خسارة السنة مواجهة متساوية بين جهتين، كل منهما تعرف نفسها بانتمائها الطائفي، وهو ما يبدو صحيحًا بخصوص إيران، لكنه ليس دقيقًا بالنسبة لأعدائها.

تفترض فكرة خسارة السنة مواجهة بين جهتين كل منهما تعرف نفسها بانتمائها الطائفي. ويبدو هذا صحيحًا مع إيران لكن ليس بالنسبة لأعدائها

بالتأكيد، يواجه السنة في العراق، مأساة وجودية، لا يبدو لها مخرج قريب، تهميش كامل من الدولة التي تحكم مباشرة من إيران، وتنظيم إرهابي يحاول السيطرة على مناطقهم، ليتم تصنيفهم كأنصار محتملين له، ويواجهون مخاطر استفحال الوجود المسلح لميليشيات شيعية شديدة التطرف وإرهابية لا يمكن التعويل على قدرة الدولة، الطائفية أصلًا، على عقلنتها. وبينما تدعم إيران وروسيا هذه الميليشيات حتى النهاية، ويدعم الغرب الأكراد حتى النهاية، فالسنة متروكون لاستغاثات الأمم المتحدة والتصريحات العنترية لأردوغان التي لا يتبعها أي عمل، والتغطيات الإعلامية لمآسيهم على قنوات الخليج الذي لن يفعل لهم أكثر من ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: حلب.. الشرقية تلتقي بالغربية

السنة السوريون مثل إخوتهم العراقيين، متروكون للميليشيات الطائفية الشيعية اللبنانية والعراقية وبقايا جيش الأسد والطائرات الروسية والحرس الثوري الإيراني، يستولون على مدنهم ويرتكبون المذبحة تلو الأخرى، فيما تفرض عليهم مليشيات القاعدة وأفكارها، حصارًا داخليًا بوأد أي تحرك دولي لإنقاذهم، وإغراقهم في مهرجانات المزايدة الدينية، بينما تركيا غارقة في التفكير في كيفية منع تشكل الدولة الكردية، وتريد الخروج من هذه الحرب، بأقل الخسائر، بعدما خسرت الغرب، ولا تريد أن تخسر روسيا بالمقابل، وهو ما يشل قدرتها، على تحويل "درع الفرات" من عملية لوأد الدولة الكردية، إلى عملية لخلق مساحة كبرى في يد الجيش الحر.

هل يمكن إذن أن نسمي هذه المآسي "خسارة للسنة"؟ لكن أن تخسر يعني في المقابل إمكانية أن تنتصر، بينما لا تطرح "سنية الشعوب المهزومة"، أي فكرة عن الانتصار المزعوم الذي كان بإمكانها أن تحققه لـ"سنيتها"، فيما يمكن بدون مجهود تخيل شكل "الانتصار الشيعي".

المشروع الإيراني
يمكن بسهولة الحديث عن مشروع إيراني، بمعنى وجود إمكانية لانتصاره أو لانحساره. إيران ليست فقط دولة أيديولوجية، إيران كنيسة الشيعة في العالم، بعدما تمكنت، بعد مجهود خرافي، في تسويق نسخة "ولاية الفقيه" كالتفسير الأكثر شعبية للمذهب الشيعي، وقصة التسويق وحدها معقدة وبحاجة لكلام أكثر إفاضة فيها وإن ساعدت فيها طبيعة المذهب المسيسة ووهج انتصار الثورة الإيرانية، وبالتالي التحكم شبه الكامل بميول جل الأقليات الشيعية حول العالم. لكن الكنيسة الإيرانية ناجحة في إشعار الشيعة بتمثيلهم، لأنها ليست محض كنيسة، إنها جمهورية، دولة حديثة تعي وجود مواطنين، وتدعي تمثيلهم والمحاربة من أجل ما تدعي أنه هويتهم ومطلبهم الأكبر، ورغم أنها جمهورية الإيرانيين وحدهم، الذين يحق لهم، ولو بشكل نظري خالص، اختيار من سيتحكم ببقية شيعة العالم، إلا أنها تظل جمهورية حديثة، بطريقة حكم حديثة، تخلط بين الدين وبين أصول الجمهوريات، وصعدت الذقون للحكم فيها، بعد ثورة شاركوا فيها، وأبادوا معارضيهم، وظلوا قادرين على إلهام كتل كبيرة من شعوبهم للحرب المقدسة، وعلى التدخل الحماسي في شؤون الآخرين دون أن توقفهم حكم التضحيات المطلوبة منهم.

يواجه سنة العراق مأساة لا يبدو لها مخرج قريب، تهميش كامل من دولة تحكم مباشرة من إيران، وتنظيم إرهابي يحاول السيطرة على مناطقهم

ويستهدف المشروع الإيراني، إخراج الطوائف الشيعية في البلدان الأخرى، من مشاريع الدول الحديثة، وأن تكون تلك الطوائف دولها الخاصة مثل ما يحدث في اليمن، أو دولها الداخلية مثلها حزب الله في لبنان، أو المثال الأكثر قسوة في سوريا، حيث تتحكم الأقلية، مصحوبة بمرتزقة تم جمع من طوائف الشيعة حول العالم في مصير السكان بعد إذلالهم وإبادتهم.

هذا هو المشروع الإيراني، أين المشروع السني إذن؟ "السنية" كفكرة هدامة
بينما تصبح الفكرة الإيرانية فكرة بناءة على مستوى الإنجاز، أي القدرة على تحويلها إلى استراتيجية للتدخل، الفكرة السنية تفعل عكس ذاك بالضبط.

تفتقد الأطروحة السنية لأي خاصية بنائية، وهو أمر طبيعي لفكرة بنت هزيمة الشعوب، لا انتصارها. لم يتم طرح المذهب السني كأمر جامع إلا في أوقات هزيمة الثورات، وهي على ذلك، تفتقد لأي أفق مستقبلي، إذ ما يعني انتصار "السنة"؟ أي سنة؟

هناك احتمال لانتصار الفكرة الشيعية، لأنها تمتلك كنيسة، تتحدث الكنيسة باسم المذهب، وتوجد هذه الكنيسة في تداخل أصيل مع أكبر وأقوى دولة شيعية موجودة، لا تمتلك الفكرة السنية ذلك، هي ليست فكرة جامعة حتى في مناطق الهزيمة التي ولدتها، مناطق الهزيمة التي يتعارك فيها المهزومون على من يستحق تمثيل الإسلام الصحيح، هي فكرة مخربة حتى في البلاد المخروبة.

اقرأ/ي أيضًا: فك حصار حلب يفسد خطة الأسد لحسم المعركة

لم تنجح الجماعات الإسلامية على اختلافها، من أحلام تمكين الإخوان، إلى أوهام خلاقة الدواعش، من تأسيس كنيسة سنية، ينظر إليها السنة في العالم، كمرجع روحي وسياسي لمواقفهم، بل لم تنجح تلك الجماعات حتى في تأسيس كنائس محلية في مناطق نشأتهم نفسها، وظلوا داخل دولهم مجرد جماعات ضغط عملاقة كالإخوان والسلفيين، ويتواجدون على هوامش طرق تدين شعبية أكثر تجذرًا، أو محض قوة احتلال صريحة ومعادية للناس مثل داعش.

فبينما يظل مشروع الكنيسة الإيرانية هو التوسع، فمشاريع الإسلاميين السنة هو في تأسيس الكنائس من البداية، وهو أمر شديد الصعوبة لعوامل كثيرة، مثل تعدد الدول السنية الكبرى، وتعقد علاقاتها ببعضها، وتنوع أفكارها الإسلامية، ولسبب أكثر أهمية هو عدم شعور عامة السنة، كأغلبية في أغلب دولهم الإسلامية، بطائفتيهم، السنة هم ناس الإسلام، ولا تمثل سنيتهم لأغلبهم سوى إحدى صفاتهم، لا قلب هويتهم. يزيد على ذلك، افتقاد كل الدول الإسلامية السنية، لثورة إسلامية، هي إما دول دكتاتورية، تنطلق من الوطنية، أو دول حديثة يمثل فيها الإسلاميون، جماعات ضغط حتى في الدولة التي يحكمونها، أو ممالك متقادمة لا تدعي حتى تمثيل شعوبها، لتمثل غيرهم، كالسعودية.

السعودية
المسوق الرئيسي للهوية السنية هي السعودية، وهي المملكة السنية الوحيدة بالمعنى القديم، حكم متغلب متحالف مع جماعات دينية، وعكس الدول الحديثة، لم يأت السعوديون للحكم كممثلين لهوية وطنية ما، بل مجرد قبيلة منتصرة ذات أفكار دينية متشددة، وهي لذلك متحمسة للفكرة السنية، بصفتها الفكرة الوحيدة التي تسوغ لها الحكم، والفكرة الوحيدة التي يمكن أن تمتلك بها قوة معنوية على الدول الأخرى، لكنها أيضًا لم تنجح في ذلك.

يستهدف المشروع الإيراني إخراج الطوائف الشيعية في البلدان الأخرى، وأن تكون تلك الطوائف دولها الخاصة مثل ما يحدث في اليمن

ليس فقط أن المذهب الوهابي الذي تتبناه السعودية يعتبر مذهبًا متشددًا وإقصائيًا وغير جامع بالنسبة للدول الإسلامية، بل هو كذلك حتى بالنسبة لأغلب الجماعات الإسلامية في العالم، ولأنه لا يوجد ولاية للفقيه في الإسلام السني، ولا أحد ينوب عن إمام غائب في السراديب، فليس هناك ما يستدعي أن ينظر أحد السنة إلى السعودية، كمثال، وهي الدولة التي لا تمتلك أي نموذج دعائي خاص بها، عكس الجمهورية الإيرانية، التي هي، في التحليل، جمهورية فعلًا، وبالتالي بإمكانها ادعاء تمثيل شعبها على الأقل، وتمتلك نظرية في الحكم تدعو إليها.

السعودية كمملكة خالصة، لم يتم تحديثها على النمط الأردني أو المغربي كمثال، ستظل خائفة من أي أفكار تمثيلية كبرى تخرج من "السنة"، لأن أي نظرية حديثة في السلطة، بما فيها السلطة الدينية الحديثة، ستظل بالنسبة لها مسائلة لوجودها نفسه، وبالتالي لا يمكن اعتبار حتى الحماسة السعودية لـ"حماية السنة"، سوى حماسة مؤقتة ستزول بمجرد تمكن هؤلاء السنة أنفسهم للقدرة على تمثيل أنفسهم فعلًا أو حتى بانضمامهم إلى إحدى الأفكار السنية الحديثة الأخرى.

تطييف السنة
ليس معنى عدم وجود مشروع طائفي سني، أنه ليست هناك طائفية سنية، هناك طائفية سنية، ككراهية من بعض السنة للأقليات الدينية في بلادهم، لكنها ليست مشروعًا طائفيًا، أي أنها لاتبتغي أي شيء، إن كان هناك مشروع سني، فهو بالفعل مشروع متحقق ومنتصر ولا يمكن الإضافة إليه. وليس هناك مجال للحديث عن "طائفة السنة"، كطائفة مكتملة التكوين ومنغلقة حول نفسها، وتستمتع لقيادة الطائفة.

اقرأ/ي أيضًا: "ملحمة حلب الكبرى"..عين المعارضة على المدينة كلها

احتاج الإسلاميون السياسيون، الشيعة، في إيران، لظروف استثنائية لينشروا نسختهم من المذهب الشيعي، وهو انتشار غير مكتمل على ذلك، وهي ظروف لن تتوافر للإسلاميين السنة، الذين بدل أن يكونوا قيادات لطائفتهم الإسلامية، أصبحوا طوائف أقلية داخلها.

حتى في البلدان التي تواجه هجومًا طائفيًا ضد سنتها، فمن الصعب أن يتكون تبعًا لذلك "طائفة سنية" هناك بالمعنى الكامل للكلمة، صحيح أن هناك الآن طائفة سنية عراقية واضحة، لكنها، مثل كل "بوادر" الطوائف السنية، من الصعب أن تتمكن من التحول لطائفة مكتملة ذات قيادة موحدة، لأن أي محاولة لصناعة طائفة سنية، ستظل مخترقة بالأطياف الفكرية السنية المتعددة في العالم كله، والتي لم تحقق إحداها، أي انتصار ساحق، ولو حتى غير مكتمل مثل إيران، وبالتالي ستظل "سنيتها" (إسلاميتها) سببًا في الانشقاق لا التوحد.

المذهب الوهابي السعودي يعتبر متشددًا وإقصائيًا بالنسبة للدول الإسلامية، بل هو كذلك حتى بالنسبة لأغلب الجماعات الإسلامية في العالم

صحيح أن هناك إمكانية نظرية مجردة لفكرة سنية قادرة على إسكات خصومها الداخليين، مثلما أسكتت "ولاية الفقيه، خصومها من الشيعة، وهم كثر، وهي فكرة "الخلافة"، لكنها محض إمكانية مجردة، لأن تحققها يحتاج لإحكام سيطرتها على الدول السنية الأساسية، وهو أمر مستحيل، ولذلك ستظل، عمليًا، مجرد فكرة سنية أخرى في صراع الأفكار الإسلامية، وجماعة أخرى تقتطع جزءًا صغيرًا جدًا من الكعكة مثل البقية.

مرة أخرى، هل خسر السنة؟
الخداع الأكبر، كالعادة، كان في السؤال نفسه، لقد انهزمت شعوب، سنية، فعلًا، بعضها انهزم في مواجهة قوى اقتصادية وإقليمية متخوفة من تمثيل الشعوب لنفسها، كالسعودية نفسها، وبعضها انهزم في مواجهة مشاريع طائفية إرهابية، كالمشروع الإيراني، لكن هذه الشعوب، لم تنهزم كسنة، بل انهزمت كشعوب تطمح لتمثيل نفسها. وفي كل الهزائم هذه مثلت "الفكرة الإسلامية"، أحد الأفكار المفككة لجماعية الشعوب، ولم تمثل في أي منها، كيانًا قادرًا على جمع الفرقاء، أو حتى، على الأقل، جمع الكتلة الشعبية المؤثرة الأكبر.

يبقى أخيرًا، التأكيد على أن كون الفكرة الإسلامية السنية فكرة غير بناءة، وغير قادرة على خلق كنيستها وثورتها الخاصة، لا يعني إغفال العامل الطائفي في وضع دول المشرق العربي، التي تتعرض بعض شعوبها، السنية، لحرب طائفية صريحة، بل يعني تحديدًا أن "سنيتها"، إسلاميتها، ليست أداة مقاومتها الأمثل في مواجهة هذه الحرب.

اقرأ/ي أيضًا:
"جيش الفتح" يبدأ المرحلة الثانية من معركة حلب
حلب.. معركة النفس الأخير
هادي العبدالله.. صوت ضحايا الأسد وإدانته