هل خسرت الشعبوية اليمينية فعلًا؟

هل خسرت الشعبوية اليمينية فعلًا؟

نجحت الشعبوية في تعميم رهاب اللاجئين (أ.ب)

على طريقة الشيوعيين القدامى، الذين لا ينفكون يتحدثون عن خريف الرأسمالية ونهايتها الوشيكة، منذ عشرات السنوات، يبدو أن نظرة متفائلة وتبسيطية تجتاح صحفًا ديمقراطية وليبرالية في الغرب، حول مستقبل الشعبوية.

يمكن القول بمقاربة تقابلية الشعبوية مع شعبوية مضادة في الفضاء الخطابي المسيطر غربيًا، أو مقاربة تشير إلى نوع من محاربة الشعبوية من خلال الاعتراف والإقرار بأدواتها

على الرغم من تصدرهم الحكم في بلدان جديدة مثل البرازيل، والحفاظ على السلطة، بطبيعة الحال، في الولايات المتحدة وإيطاليا وهنغاريا ودول عديدة في شرق أوروبا، إلا أن عام 2018 لم يكن كما تشتهيه الحركات الشعبوية. هذا ما ستقوله صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مثلًا، في عددها الصادر يوم السبت، الخامس من كانون الثاني/يناير، بينما سيقدم تقرير أعده ماكس فيشر، ونشرته الصحيفة، مجموعة أسباب لتعزيز هذه الخلاصة.

اقرأ/ي أيضًا: الأمننة والشعبوية.. الخوف كدعاية سياسية

يبدأ التقرير بالتعليق على أزمة "إغلاق الحكومة" في الولايات المتحدة، معتبرًا أن دفع الرئيس دونالد ترامب، باتجاه الجدار الحدودي يشير إلى مشكلة يواجهها الزعماء الشعبويون في جميع أنحاء العالم الغربي. مضيفًا أنه بعد "عام من الانتكاسات"، تحاول الزعامات والأحزاب الشعوبية تجديد طاقاتها من خلال إعادة إحياء الأزمات التي يزدهر خطابهم من خلالها. بينما يعتبر فيشر، أنه وكما هو الحال مع مطالبة ترامب بجدار حدودي، فإن هذه المطالبات والإجراءات، تقول شيئًا عن ضعف الشعبوية لا عن قوتها.

أما عن دلائل هذا الضعف، فإن الصحيفة الأمريكية، ستشير إلى ما تقول إنه "تراجع" في أزمات الهجرة والإرهاب، التي ساعدت على ارتفاع شعبية الشعبويين في عام 2016. بالإضافة إلى أن هذه الأحزاب، قد واجهت نتائج انتخابية مخيبة للآمال، في إشارة إلى الانتخابات النصفية الأمريكية.

وبدون هذه الأزمات، مثل الهجرة والإرهاب، التي "تبرر" السياسات المتشددة للشعوبية، حسب وصف التقرير، فإنه يتم إرجاع الشعبوية إلى مضمونها المجرد: أي معارضة القيم الليبرالية التعددية والانفتاح الثقافي والتعاون العالمي. وفي ظل اختفاء التهديدات الوجودية التي حملت الشعبويين إلى السلطة، فإنه لم يعد هناك أسباب واضحة لقوتهم.

إن هذا الرأي الذي أصبح رائجًا في عدد من الصحف الأمريكية والأوروبية، محمل بكثير من الانتقاء. لا يتعلق الأمر هنا فقط بالإشارة إلى "معارك الشعبويين الخاسرة" وتجاهل عدد كبير من الأماكن التي ربحوا فيها في العالم، ولا حتى بهذه الخلاصة الانتقائية حول الانتخابات النصفية الأمريكية، التي لا تزال إدارة دونالد ترامب تحظى بعدها بسيطرة على مجلس الشيوخ. ولكن الأهم هو ارتباط هذه الخلاصة، بالاعتقاد أن حجب أعيننا عن أسباب الأزمة يعني حلها.

اقرأ/ي أيضًا: صحيفة الغارديان و"اختبار" الشعبوية.. أدلجة الخوارزميات

لم تُحل مشكلة اللاجئين، وإنما تم "إبعادها عنّا". لم تنته مشكلة المهاجرين، كي تنتهي معها الخطابات التحريضية ضدهم، والتي ساهمت في إيصال الشعبويين إلى السلطة، غير أن ما حدث ببساطة مرتبط بتطور أدوات قمع الهجرة. لقد كان عام 2018، عامًا أسود على آلاف عائلات اللاجئين على الحدود الأمريكية التي تم فصل الآباء فيها عن أبنائهم، وكان عامًا دمويًا على آلاف آخرين تم قمعهم في الأراضي الليبية والسودانية والمصرية، بدعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى آخرين غرقوا في البحار والمحيطات، بينما فرضت الحكومات حظرًا على من يريد إنقاذهم.

من الصحيح أن الأحزاب والنخب التقليدية في الغرب، أعادت النظر في آليات تعاملها مع اللاجئين، واعتبرت أن تدفقهم أصبح "مبالغًا به"، وأن استمرار السماح لهم بالوصول إلى الحدود الأوروبية، سيساعد الأصوات الشعبوية على التنامي. ومن الصحيح أن هذه القناعة ساهمت في فرض سياسات صارمة ضد الهجرة، بما في ذلك من الحكومات المناهضة للشعبوية، أو الخائفة منها، لكن هذا لا يعني بالتأكيد أن مشكلة اللاجئين قد انتهت. وبطبيعة الحال، فإنه لا يعني أن الشعبوية قد فشلت، بقدر ما حققت جزءًا مما تصبو إليه.

يعبر هذا التقرير عن نمط مهيمن من التحليل لظاهرة الشعبوية، في الدوائر الغربية، قائم على نوع من التصديق غير المباشر للدعاية الشعبوية، من ناحية أن اللاجئين هم المشكلة، وبالتالي فإن التخلص منهم هو الحل. وهو ما يتمثل بنوع من الدعاية الخطابية الشعبوية، التي أصبحت تظهر في خطابات أوساط واسعة من المناهضين للشعبوية أنفسهم. وهو ما يتيح القول بمقاربة تقابلية الشعبوية مع شعبوية مضادة في الفضاء الخطابي المسيطر، أو مقاربة تشير إلى نوع من محاربة الشعبوية من خلال الاعتراف والإقرار بأدواتها.

يتكامل هذا المشهد، مع حقيقة أن الخطاب المناهض للشعبوية، في بعض الأوساط السياسية، ليس قائمًا على انتصار أخلاقي للاجئين، بقدر ما هو محاولة لاستغلالهم دعائيًا، من دون إبداء موقف واضح، مما يجري "خارج حدودنا". بمعنى أنهم مجرد قضية داخلية للتساجل السياسي لا أكثر، أما عمليات قمعهم بعيدًا فهو ليس شأنًا ذا أهمية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشعبوية وسؤال التطبيع

لماذا عادت الشعبوية إلى صدارة المشهد العالمي؟.. إجابات لاتينية