هل توجد طبقة رجال دين في الإسلام؟!

هل توجد طبقة رجال دين في الإسلام؟!

أئمة بروكلين (سبنسر بلات/ Getty)

يجادل معظم المسلمين، وفي مقدمتهم رجال الدين، بأن الإسلام لا يؤثّث لوجود طبقة "كهنوتية" في المجتعمات الإسلامية، على غرار الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية. وتزداد المعاضلة حدة باختلاف مرجعيات المتجادلين، فبينما يؤكد الواقع وجود هذه الطبقة ودورها الخطير في صياغة وإخراج الكثير من المفاهيم الاجتماعية والمذهبية، والسياسية في أحيان كثيرة، تبدو النصوص الدينية خالية من أية إشارة تمنح أفراد هذه الطبقة سلطة رعوية أو تمايزًا اجتماعيًا.

الشيخ المسلم هو المعادل الموضوعي للأب المسيحي والحاخام اليهودي

صحيح أن رجال الدين المسلمين لا ينتظمون في طبقة واضحة المعالم، بمضامين ومواصفات اجتماعية واقتصادية، كما تقترح العلوم والنظريات الاجتماعية، لكنهم في واقع الأمر يشكلون فئة من الناس يمكن، في الغالب الأعم، تمييزهم من هيئاتهم وأزيائهم وألقابهم، فضلًا عن إمكانية التنبؤ بثقافتهم وأمزجتهم واهتماماتهم وفحوى خطاباتهم ومعجم مفرداتهم.

وعليه، فالشيخ المسلم هو المعادل الموضوعي للأب المسيحي والحاخام اليهودي، وجميعهم يقومون بأدوار دينية واجتماعية، تكاد تكون حكرًا عليهم، في مقدمتها الإمامة الدينية وتفصيل الأحكام الشرعية وشرح المفاهيم العقيدية.. إلخ. والمثير، أن رجال الدين المسلمين يدافعون بشراسة منقطعة النظير من أجل دحض وجودهم كـ "طبقة"، في ظاهرة تبدو وكأنها رغبة بالتمايز والاختلاف عن الدينين اليهودي والمسيحي، ولكنها في الحقيقة تنطوي على سلوك مخاتل يريد إقناع الآخرين بأنهم من عامة الناس.

وهم أنفسهم، لا يترددون في مواقع أخرى، من التعريض بـ"عامة الناس" وتسخيف أرائهم واجتهاداتهم، إذا حاول بعضهم أو واحد منهم، أن يدلي بدلوه في مسألة دينية، أو حتى حادثة تاريخية إسلامية. حينها تنتفخ أوداجهم وتتورم أنوفهم دفاعًا عن أدوارهم ومواقعهم، ودائما من خلال الأزعومة المستهلكة ذاتها، "الدين ليس كلأ متاحًا لكل من هبّ ودبّ"، لا يعنيهم في ذلك أن يكون صاحب الرأي مثقفا أو باحثا أو أكاديميا.

ولا يطبقون سياسة "لجم العامة" عن التحدث بأمور الدين على الناس غير المتعلمين وحدهم، أو أولئك الذين نالوا حظًا متوسطًا من التحصيل الدراسي، ولكنهم وبعزيمة أشد يطلقون نيران أعيرتهم على أصحاب الشهادات العالية، وأصحاب الاختصاصات الشرعية، الذين يصبحون بنظرهم زنادقة وخوارج وعملاء (للفرس والمجوس كما هو سائد هذه الأيام) إذا ما هم أمعنوا النظر وقدموا اجتهاداتهم ببعض المسائل الفقهية الموروثة. والأمثلة ذلك وفيرة، على مر التاريخ، ومن الأمثلة الحالية يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ثلاثة من المفكرين الإسلاميين الذين يتلقون نيران "رجال الدين" (والملتحقين بهم ممن يسمون أنفسهم طلبة العلم) بسبب أفكارهم وأطروحاتهم واجتهاداتهم، التي تحاول أن تقدم فهما أكثر معقولية لبعض النصوص والمفاهيم والأفكار والحوادث الإسلامية، وأعني الدكتور السوري محمد شحرور، والدكتور الفلسطيني عدنان إبراهيم، والباحث السعودي حسن فرحان المالكي.

السياسة الاحتكارية لتفسير النصوص الدينية ورواية التاريح الإسلامي، لم تجعل من طبقة رجال الدين مجرد طبقة إضافية في المجتعمات الإسلامية، ولكن جعلت منها طبقة طرفًا في صراع خفي مع بعض الطبقات والفئات الأخرى. فالود مثلًا مقطوع، والحساسية واضحة، بين المشايخ وبين المفكرين والمثقفين والكتّاب والفنانين، ما لم يكونوا ذوي توجه إسلامي، ما أضاف أفخاخًا إضافية إلى حقل الألغام المجتمعية التي بدأت بالانفجار تترى في أولى مشاهد الربيع العربي، وليس من قبيل المبالغة القول في هذا السياق، أن العالم العربي ليس بحاجة إلى إصلاحات اقتصادية ودينية بقدر ما هو بحاجة إلى إصلاحات دينية أيضًا.

ولا بد من الإشارة، إلى أن المسؤولية لا يتحملها رجال الدين المسلمون وحدهم، فالنخبة العلمية والفكرية تتحمل أقساطًا لا بأس بها من المسؤولين، ذلك أنها أرادت في معظم الأحيان الإطاحة بـ"طبقة رجال الدين" بدلًا الاعتراف بها والحوار معها.