هل تهدد الحرب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
7 ابريل 2026
في خضم الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على دول الجوار، لا تقتصر التداعيات على أسعار الوقود أو أسواق النفط فحسب، بل تمتد إلى قلب أحد أكثر القطاعات طموحًا في الاقتصاد العالمي، ونحكي عن قطاع الذكاء الاصطناعي.
فارتفاع تكاليف الطاقة قد يتحول إلى عامل حاسم يهدد استدامة "طفرة الذكاء الاصطناعي" التي لم تترسخ نماذجها الاقتصادية بعد.
طاقة مرتفعة.. وتأثير يتجاوز الوقود
رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز على إعادة فتح مضيق هرمز لاحتواء أسعار البنزين، إلا أن استمرار الحرب يعني ارتفاعًا طويل الأمد في أسعار الطاقة عالميًا. هذا الارتفاع لن يقتصر على المستهلكين، بل سيؤثر على سلاسل الإمداد والصناعات المختلفة، ما يضغط على النمو الاقتصادي العالمي.
ارتفاع تكاليف الطاقة بسبب الحرب قد يتحول إلى عامل حاسم يهدد استدامة "طفرة الذكاء الاصطناعي" التي لم تترسخ نماذجها الاقتصادية بعد
ففي عدة دول مستوردة للطاقة، بدأت تظهر مؤشرات أزمة حقيقية، مثل فرض حظر تجول ليلي في مصر، والعمل من المنزل في إندونيسيا، وإعلان حالة طوارئ طاقية في الفلبين.
الذكاء الاصطناعي.. صناعة شرهة للطاقة
يُعد قطاع الذكاء الاصطناعي من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة، خصوصًا مع تشغيل مراكز البيانات العملاقة وتدريب النماذج المتقدمة. وهنا تكمن المشكلة، فالقطاع لا يزال يعتمد على استثمارات ضخمة ممولة بالديون، بينما لم تثبت نماذجه الربحية بشكل كامل.
وحسب مقال نشرته صحيفة "الغارديان"، حاول الرئيس التنفيذي لشركة أوبين إي آي، سام ألتمان، التقليل من المخاوف عبر مقارنة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة بتكلفة "تدريب الإنسان"، لكن هذه التصريحات لم تبدد القلق المتزايد في الأسواق.
حذر كما حذر بنك إنجلترا من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، خاصة وسط شكوك سابقة لدى المستثمرين بشأن العوائد المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع. كما أشار البنك إلى أن الحرب قد تفاقم نقاط الضعف القائمة في الأسواق، عبر إبطاء النمو، وزيادة التضخم، وتشديد الأوضاع المالية.
من جانبها، ربطت منظمة التجارة العالمية، عبر كبير اقتصادييها روبيرت ستايغر، بين استمرار ارتفاع أسعار الطاقة واحتمال تراجع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن "الطفرة تعتمد بشكل كبير على الطاقة".
طفرة قائمة على الديون
تكشف الأرقام حجم الفجوة بين الإنفاق والعائد في القطاع، فالإيرادات تقدر بنحو 60 مليار دولار مقابل إنفاق رأسمالي يصل إلى 400 مليار دولار. هذه الفجوة تمول عبر أدوات مالية معقدة، تشمل ديونًا ضخمة وهياكل استثمارية خارج الميزانيات. شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب مزودي البنية التحتية مثل CoreWeave، تقترض مبالغ هائلة لبناء مراكز بيانات، غالبًا عبر قنوات تمويل خاصة يصعب تتبعها تنظيميًا.
هندسة مالية معقدة.. ومخاطر خفية
تعتمد بعض الشركات على إنشاء كيانات مالية خاصة تمتلك مراكز البيانات وتؤجرها، ثم تستخدم هذه الأصول كضمان للحصول على قروض. وفي بعض الحالات، يتم تجميع هذه الديون وإعادة بيعها لمستثمرين مثل صناديق التقاعد. هذه الهياكل تعيد إلى الأذهان ممارسات سبقت الأزمة المالية العالمية، حيث أدى تعقيد الأدوات المالية إلى إخفاء المخاطر الحقيقية بدل توزيعها.
وتشير التقديرات إلى نقل نحو 120 مليار دولار من ديون مراكز البيانات خارج الميزانيات خلال عامين فقط. ومع الترابط الشديد داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، فإن أي تعثر في جزء واحد قد ينتقل بسرعة إلى بقية النظام المالي. وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب تقلب أسعار الفائدة وضعف الطلب الاستهلاكي، قد يكون الشرارة التي تفجر هذه المخاطر الكامنة.
هل يمكن لقطاع الذكاء الاصطناعي تحقيق عوائد تبرر التقييمات الضخمة الحالية؟ مع بيئة طاقة مرتفعة التكلفة، قد تضطر الشركات والمستثمرون إلى إعادة حساباتهم. فما بدأ كطفرة تكنولوجية واعدة، قد يتحول تحت ضغط الطاقة بسبب الحرب، والديون، إلى اختبار حقيقي لقدرة هذا القطاع على الصمود.