02-مارس-2020

لعبت الدوحة دورًا محوريًا في إنجاز اتفاق السلام الأفغاني (الجزيرة)

ألترا صوت – فريق التحرير

وقعت حركة طالبان الأفغانية اتفاقية سلام تاريخية مع واشنطن في العاصمة القطرية الدوحة، مؤذنةً بذلك بانتهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة خارج حدودها خلال القرن الجاري، ومعلنة دخول أفغانستان حقبة سياسية جديدة في البلاد التي تشهد أساسًا انقسامًا سياسيًا بين الرئيس الأفغاني أشرف غني ونائبه عبد الله عبد الله بسبب خلافهما على هوية الفائز في انتخابات الرئاسة الأفغانية التي أجريت مؤخرًا.

سلسلة الاختراقات التي حققتها الوساطة القطرية على مدى السنوات الماضية كان لها دور محوري في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطالبان

يوم تاريخي لأفغانستان

بحضور ممثلين عن 30 دولة ومنظمة دولية، بما فيها الأمم المتحدة ووزراء خارجية أنقرة وإسلام آباد، وقع وفد طالبان الذي قاده نائب زعيم الحركة الملا عبد الغني برادر مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اتفاق السلام بين الطرفين برعاية قطرية، في اتفاق وصفته سفارة واشنطن في كابول بأنه "يوم تاريخي لأفغانستان"، مما يمهد الطريق لعودة أكثر من 12 ألف جندي أمريكي إلى بلادهم، فيما ستكون أولى الدفعات العائدة 8.600 جندي يعودون خلال 135 يومًا من تاريخ توقيع الاتفاق، على أن يتم سحب باقي الجنود الأمريكيين إلى جانب قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال 14 شهرًا.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: تعثر المفاوضات الأمريكية – الأفغانية.. أسبابها واحتمالات استئنافها

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن اتفاق السلام مع الحركة الأفغانية سيوفر "إمكانية لإنهاء الحرب في أفغانستان وإعادة الجنود إلى الوطن"، مشيرًا إلى أن الاتفاق سيعود في النهاية للأفغانيين وحدهم "للعمل على بناء مستقبلهم، لذلك نحن نحضهم على اغتنام الفرصة للسلام ولمستقبل جديد لبلدهم".

وقبيل توقيع الاتفاق بساعات قليلة نقلت وكالة رويترز على لسان المتحدث الرسمي باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أن الحركة أصدرت أوامرها لجميع المقاتلين بالامتناع عن شن هجوم "من أجل سعادة الأمة"، دون أن يتجاهل إعراب الحركة عن قلقها من تحليق "طائرات القوات الأجنبية فوق أراضيها"، فيما كانت الحركة قد وصفت اتفاق السلام في بيان نشر عبر موقعها الرسمي بأنه "نصر كبير" بإعادة "السلام للبلاد".

ووصف وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني دور الدوحة برعاية اتفاقية السلام بأنه اقتصر على "وضع اللبنات الأساسية للسلام" خلال استضافتها الحوار الأفغاني – الأفغاني العام الماضي، مشيرًا لتطلع بلاده لأن يكون الاتفاق نقطة تحول على طريق تحقيق السلام والأمن والرخاء في أفغانستان، ومشددًا على أن إدراك الدوحة لعدم جدوى أي حل عسكري كان وراء بذلها الجهود لتقريب وجهات النظر بين مختلف أطراف الأزمة سياسيًا التي مهدت لاتفاق سلام شامل.

دور محوري لقطر في مباحثات السلام

يرجع تاريخ بدء مباحثات السلام بين طالبان وواشنطن لأكثر من عام تقريبًا، تخللها انعقاد تسعة اجتماعات خلف الأبواب المغلقة برعاية قطرية، عقدت في أوقات مختلفة في الدوحة وكابول، وبلغت المباحثات ذروتها عندما أعلن عن إلغاء قمة سرية كانت ستعقد في منتجع كامب ديفيد السياحي في ولاية ماريلاند في أيلول/سبتمبر الماضي، بحضور ترامب وقادة طالبان تمهد لانسحاب القوات الأمريكية من كابول بنهاية العام الماضي، قبل أن تقوم واشنطن بإلغائه ردًا على مقتل جندي أمريكي في هجومين انتحاريين تبنتهما الحركة.

 وكان للوساطة التي لعبتها الدوحة دور مفصلي في محادثات السلام بين الطرفين، بحسب ما أوضح المحلل في صوفان كولن كلارك لموقع غلوبال فيلاج سبيس، مشيرًا لأنه من دون الدوحة لم يكن ليتمكن الطرفان من الوصول إلى الاتفاق، نظرًا لأنه "لن يأخذهم أحد على محمل الجد"، مضيفًا أن القطريين ينظر إليهم على أنهم "وسطاء موثوقون من قبل كلا الجانبين"، ما ساعد على عقد الاجتماعات خلف الأبواب المغلقة في الأشهر الماضية.

إلا أن سلسلة الاختراقات التي حققتها الوساطة القطرية على مدى السنوات الماضية كان لها دور محوري في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطالبان بعد اقتناع الطرفين بعدم جدوى هذه الحرب، ورغبة الرئيس ترامب بعد فوزه بانتخابات الرئاسة بإنهاء أطول حرب تخوضها واشنطن خارج حدودها، تخللها خلافات بين الأطراف المتفاوضة كادت أن تطيح بالجهود المبذولة لإنجاح اتفاقية السلام.

وخلال المفاوضات التي جرت، مثّل وفد الحركة رئيس المكتب السياسي عبد الغني برادر الذي أفرج عنه من السجون الأفغانية بطلب أمريكي، لقيادة وفد طالبان التفاوضي في تشرين الأول/اكتوبر 2018، فيما ناب عن الجانب الأمريكي مبعوث واشنطن للسلام إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، وفريق من وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات الأمريكيتين.

وقد نصت بنود الاتفاقية على إطلاق سراح خمسة آلاف سجين للحركة في سجون الحكومة الأفغانية، مقابل إطلاق سراح ألف جندي أفغاني من سجون الحركة بحلول العاشر من الشهر الجاري، وسحب واشنطن وحلفائها جميع قواتهم من 5 قواعد عسكرية في غضون 135 يومًا، وإنهاء العقوبات الأمريكية المفروضة على أفراد طالبان بحلول 27 آب/أغسطس القادم.

فضلًا عن ذلك سحب القوات الأمريكية خلال 14 شهرًا، وعدم تعامل الحركة مع الجماعات أو الأفراد الذين يشكلون خطرًا على واشنطن، ويبقى الاتفاق بحسب ما ذكرت شبكة CNN الأمريكية ليس معاهدة سلام بين الطرفين، لكنه سيمهد لمحادثات رسمية بين الحركة والحكومة الأفغانية، مشترطًا عليها محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة.

هل تنجح اتفاقية السلام بإنهاء الحرب الأفغانية؟

من المتوقع أن تبدأ جلسة الحوار الأفغانية – الأفغانية بين ممثلين عن الحكومة وطالبان في العاشر من الشهر القادم بحسب ما نقلت صحيفة العربي الجديد على لسان مسؤول بارز في طالبان لم تكشف عن هويته، مشيرة إلى أن أجندة الحوار تتضمن نقاشًا لوقف شامل لإطلاق النار بين الطرفين، وأن فترة خفض وتيرة العنف التي أعلن عنها منتصف شباط/فبراير الماضي، وبدأت الأسبوع الماضي لسبعة أيام، ستستمر حتى ما بعد التوقيع على اتفاق السلام في الدوحة، وسط توقعات بأن يكون الحوار الأفغاني أكثر تعقيدًا.

وقبيل أيام قليلة من توجه الوفود للدوحة كان الاتفاق مهددًا بالانهيار، بعد الخلاف الذي نشب بين غني وعبد الله على نتائج انتخابات الرئاسة، وسط إصرار غني على تنظيم مراسم تنصيب نفسه رئيسًا لفترة ثانية، بموازة توجه منافسه عبد الله لتنصيب نفسه رئيسًا للبلاد أيضًا، إلا أن تدخل المبعوث الأمريكي زلماي زاد بممارسته ضغوطًا على السياسيين الأفغانيين لتأجيل مراسم التنصيب حفاظًا على اتفاق السلام ساهم بإنجاحه، غير أن التوقعات تشير لانعكاس الخلاف سلبيًا على عملية التفاوض مع الحركة.

تشير صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في تقرير لها إلى أن انسحاب سواء الجنود الأمريكيين أو قوات التحالف يعتمد على ضمان الحركة بأن الجماعات الإرهابية لن تستخدم الأراضي الأفغانية لمهاجمة واشنطن أو حلفائها، وهو ما سيجعل ذلك صعبًا على الحركة لعدم سيطرتها على جميع المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة الأفغانية، ويتواجد فيها بالإضافة للجماعات الموالية لداعش، الجماعات المنفصلة أصلًا عن طالبان نفسها.

كما أن الاتفاقية تواجه انتقادات من داخل إدارة ترامب السابقة، والتي عكسها الصقر الجمهوري جون بولتون، الذي استقال من منصبه مستشارًا للأمن القومي بسبب الدعوة التي وجهها ترامب لقادة الحركة في أيلول/سبتمبر الماضي، فقد وصفه في تغريدته بأنه اتفاق  على طريقة الرئيس الأسبق باراك أوباما، مضيفًا أن "إضفاء الشرعية على طالبان يبعث بإشارة خاطئة لإرهابيي تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة ولأعداء أمريكا عموما".

وتضيف الصحيفة الأمريكية بأن اتفاق السلام مع طالبان كان هدفًا مهمًا فيما يخص سياسة ترامب الخارجية، بعدما بنى حملته الانتخابية على إنهاء الحروب التي تشنها واشنطن خارج حدودها، وهو ما جعله عرضةً لانتقادات شديدة من الحكومة الأفغانية لاستبعادها من المباحثات المباشرة مع طالبان، أو حتى أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينافس على بطاقته في انتخابات الرئاسة القادمة، بعدما أصدر المشرعون الجمهوريون بيانًا يحذرون من تقديم طالبان "ضمانات زائفة" بناء على المفاوضات السابقة.

وظهرت بوادر مواجهة الاتفاق بين واشنطن وطالبان لأولى العقبات بعد أقل 24 ساعة من التوقيع على بنوده في الدوحة السبت، عندما أعلن الرئيس غني أن تحديد موعد إطلاق سراح أسرى طالبان متروك للحكومة الأفغانية وليس لواشنطن، وقال غني للصحفيين الأحد إنه "لا يوجد التزام للإفراج عن أسرى طالبان"، مشيرًا لإمكانية الحديث عن قضية الأسرى خلال عملية التفاوض أو أن يكون جزءًا من جدول الأعمال، غير أنه "لا يمكن أن يكون شرطًا مسبقًا.. لأنها ليست مسألة حسن نية".

اقرأ/ي أيضًا: مساعي طالبان للتفاوض مع واشنطن.. مناورة تكتيكية أم مشروع سلام؟

واتهم النائب الديمقراطي توم مالينوفسكي وزير الخارجية بومبيو بـ"تضليلهم" فيما يخص تفاصيل الاتفاق، بعدما أكد على أن إطلاق سراح أسرى الحركة لن يكون جزءًا من الاتفاق، في إحاطة حضرها أيضًا السيناتور الديمقراطي شيلدون وايتهاوس في مؤتمر ميونخ الأمني، مشيرًا إلى أن الدبلوماسي الأمريكي كان قاطعًا في جوابه فيما يخص قضية أسرى الحركة بحسب ما نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

هناك مخاوف لدى الأفغان أنفسهم من عودة حركة طالبان لانتهاكاتها السابقة، في إشارة للفترة التي سيطرت فيها على العاصمة كابول في عام 1996

كما أن هناك مخاوف لدى الأفغان أنفسهم من عودة الحركة لانتهاكاتها السابقة، في إشارة للفترة التي سيطرت فيها على العاصمة كابول في عام 1996، وهو ما أشارت إليه الناشطة النسوية مارزيا رستامي عندما تساءلت عن إمكانية تخلي طالبان عن أيديولوجيتها الخاصة التي قاتلت من أجلها 18 عامًا، وإن كان بإمكانها التخلي "فجأة عن قيمها المناهضة للديمقراطية وحقوق المرأة"، فيما اعتبرت رئيسة مفوضية حقوق الإنسان المستقلة في أفغانستان شهرزاد أكبر أن الحركة كسبت أكثر من أي طرف آخر في الاتفاق.