هل تنجح الحكومة اليمنية الجديدة في مواجهة تحديات مصيرية؟
7 فبراير 2026
في ظل أزمات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية متفاقمة، أصدر مجلس القيادة الرئاسي اليمني القرار الجمهوري رقم (3) لسنة 2026 بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بواقع 35 وزيرًا.
ضمت التشكيلة وزراء جددًا لأول مرة، بينهم ثلاثة مقاعد للمرأة بعد غيابها عن السلطة التنفيذية لسنوات، فيما احتفظ ثمانية وزراء من الحكومة السابقة بمناصبهم. وبقيت وزارة الخارجية ضمن مهام رئيس الحكومة بعد خلاف حاد، وفق مراقبين، حول من يشغل هذا المنصب السيادي الهام، إلى جانب ثمانية وزراء بلا وزارات، اكتفى القرار بتسميتهم وزراء دولة.
يرى مراقبون أن هذه الحكومة الواسعة العدد تأتي كسابقاتها ضمن محاصصة حزبية ومناطقية أكثر من كونها حكومة كفاءات، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على مواجهة التحديات المعقدة التي تمر بها البلاد.
وكان رئيس الحكومة السابق، سالم بن بريك، قد قدم استقالة حكومته في كانون الثاني/يناير الماضي إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، عقب التطورات التي شهدتها المحافظات الشرقية والجنوبية، وإعلان عدد من الوزراء تأييدهم لخطوات المجلس الانتقالي الجنوبي في اجتياح محافظتي حضرموت والمهرة، تمهيدًا لإعلان مشروعه الانفصالي، قبل أن تستعيد القوات الحكومية السيطرة على الأرض وانحسار نفوذ المجلس الانتقالي، الذي أعلن عدد من أعضائه المشاركين في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض حل المجلس.
ضمت التشكيلة وزراء جددًا لأول مرة، بينهم ثلاثة مقاعد للمرأة بعد غيابها عن السلطة التنفيذية لسنوات، فيما احتفظ ثمانية وزراء من الحكومة السابقة بمناصبهم. وبقيت وزارة الخارجية ضمن مهام رئيس الحكومة بعد خلاف حاد
الحكومة الأكبر منذ عقود
في هذا السياق، يرى الصحفي فارس الحميري أن الحكومة الجديدة تُعد الأكبر منذ عقود من حيث عدد الحقائب الوزارية، موضحًا أنها جاءت خليطًا من المحاصصة بين الأحزاب والمكونات السياسية، مع مراعاة التوازنات الجغرافية والمناطقية، إلى جانب تطعيمها بعدد من الكفاءات.
ويشير الحميري في حديثه لموقع "الترا صوت" إلى أن التشكيلة الحكومية الجديدة احتفظ فيها ثمانية وزراء سابقين بمناصبهم، إلى جانب حصول ثلاث نساء على حقائب وزارية، ولأول مرة في تاريخ اليمن تتولى امرأة حقيبة وزارة التخطيط والتعاون الدولي.
ويلفت الحميري إلى أن التشكيلة الجديدة ضمت عددًا من وزراء الدولة من دون حقائب فعلية، ما يعني ضغطًا إضافيًا على حكومة تعمل في ظل غياب ميزانية واضحة أو محددة المعالم.
حكومة لا تعكس تطلعات اليمنيين
يوضح الحميري أن الانقسامات لا تزال تسود معظم الأطراف المناوئة لجماعة الحوثي والمشاركة في الحكومة، بالرغم من مراعاة هذه الحكومة للتوازنات السياسية والجغرافية إلى حد كبير، الأمر الذي سينعكس سلبًا على مستوى أدائها وقدرتها على اتخاذ قرارات فعالة.
ويضيف أن الحكومة الجديدة لا تعكس بالضرورة تطلعات اليمنيين، متوقعًا أن تصطدم بالشارع خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا لم تسارع بالعودة إلى الداخل والعمل بشكل مهني وجاد على توفير الخدمات وتحسين الأوضاع المعيشية.
التحديات السياسية
إلى جانب التحديات السياسية والانقسامات الداخلية، يرى فارس الحميري أن الحكومة الجديدة ستواجه صعوبة كبيرة في التوصل إلى سلام شامل مع جماعة الحوثي، فضلًا عن الضغوط الشعبية الداخلية والإقليمية من الخارج، وهو ما سيعقد جهودها في تحقيق الاستقرار السياسي وإعادة بناء الدولة بعد سنوات من النزاع والحرب.
ويشير الحميري إلى أن استمرار الانقسام الحاد على المستويين العسكري والأمني بين مختلف الوحدات المناوئة لجماعة الحوثي، إضافة إلى تباين الولاءات لهذه التشكيلات محليًا وإقليميًا، هي تحديات تفرض على الحكومة بذل جهود كبيرة لتوحيد الصف العسكري والأمني قبل التفكير بأي عمليات لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.
ترميم هيكل الدولة
بدوره، يرى الناشط الحقوقي موسى النمراني أن إعلان حكومة شائع الزنداني يُعد استجابة ضرورية لملء الفراغ المؤسسي، ويفتح بابًا لترميم هيكل الدولة المتآكل.
ويؤكد النمراني لـ"الترا صوت" أن هذا التطور يضع البلاد أمام استحقاق وطني يتطلب مغادرة مربعات المحاصصة التي أفرغت الحكومات السابقة من فاعليتها، والتوجه نحو معالجة الاختلالات الهيكلية، واستثمار الفرص المتاحة، واستشعار المسؤولية.
ويشدد النمراني على أن معيار نجاح الحكومة يرتبط بشكل جوهري بمدى التزامها بتفعيل أدوات المساءلة الوطنية، وآليات الإنصاف وجبر الضرر، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، معتبرًا أن الملف الحقوقي يشكل حجر الزاوية لاكتساب الشرعية الأخلاقية أمام المجتمعين المحلي والدولي، ويوازي في أهميته الملفات الاقتصادية والخدمية، مؤكدًا أن الاستقرار المستدام يقوم على العدالة بقدر ما يقوم على التنمية.
التحديات الاقتصادية
من جانبه، يرى رئيس منتدى الإعلام والدراسات الاقتصادية، عبدالحميد المساجدي، أن من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة الجديدة يتمثل في حشد الموارد وتوحيد القرار الاقتصادي، وإنهاء حالة التناقض والارتباك التي سادت خلال الحكومات السابقة نتيجة تنازع النفوذ والسيطرة سواء على مستوى مجلس القيادة الرئاسي أو على مستوى حكومات المحاصصة، التي كان المجلس الانتقالي الجنوبي جزءًا منها.
ويشير المساجدي إلى أن هناك تحديًا آخر على الحكومة الجديدة وهو تحصيل الموارد السيادية وحرمان جماعة الحوثي منها، سواء في ملف الاتصالات أو رسوم عبور الأجواء اليمنية، إضافة إلى بقية الموارد السيادية وعلى رأسها الرسوم الجمركية والضريبية، في ظل استمرار تشغيل موانئ الحديدة لصالح الحوثيين، الذين يجبرون التجار على عدم إدخال بضائعهم عبر الموانئ التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، ويعد هذا من أهم الملفات الاقتصادية الملحة.
كما يشير المساجدي إلى أن من التحديات الرئيسية أيضًا قدرة الحكومة على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين بانتظام، وفي مقدمتها الكهرباء وصرف مرتبات الموظفين، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، في ظل تحول الوظيفة العامة إلى مدخل للنهب والإثراء غير المشروع، مع غياب الرقابة واستمرار حالة الإفلات من العقاب.
ويؤكد المساجدي أن نجاح الحكومة في تحويل الوظيفة العامة من مغنم إلى تكليف ومهمة وطنية سيشكل مدخلًا حقيقيًا للإصلاحات الاقتصادية، وأن استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي سيعزز الثقة بالحكومة الجديدة، شريطة إزالة المعوقات التي حالت دون المضي في تنفيذ هذه الإصلاحات خلال الفترات الماضية.
التحديات العسكرية والأمنية
في الجانب الأمني والعسكري، يرى مراقبون أن هذا الملف يعد من أكثر الملفات تعقيدًا أمام الحكومة الجديدة، خاصة في ظل تعدد التشكيلات المسلحة في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، في وقت لا تخضع فيه غالبيتها لولاء فعلي لوزارتي الدفاع أو الداخلية.
وكان مجلس القيادة الرئاسي عقب تشكيله أعلن إنشاء اللجنة العسكرية والأمنية وأوكل إليها مهمة دمج التشكيلات المسلحة تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، إلا أن هذه الجهود فشلت حتى الآن في تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض.
وتأتي هذه الإشكالية في وقت تعاني فيه الحكومة الجديدة من تضخم واضح في البنية السياسية والأمنية والعسكرية، ما يزيد من أعباء إدارة هذا الملف المعقد، فضلًا عن التطورات الأخيرة التي شهدتها المحافظات الشرقية إثر محاولات المجلس الانتقالي الجنوبي ضم محافظتي حضرموت والمهرة إلى خارطة نفوذه بالقوة العسكرية، قبل أن تتراجع هذه المحاولات مع انحسار سيطرته وتراجع دوره ميدانيًا.
يعلق اليمنيون آمالًا كبيرة على هذه الحكومة الجديدة، بدءًا بعودتها إلى داخل البلاد والعمل من الميدان، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإيقاف حالة الانهيار الاقتصادي المتسارع
ويرى مراقبون أن أي توجه لاستيعاب هذه التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة سيترتب عليه كلفة سياسية وعسكرية ومالية كبيرة، في ظل استمرار الخلاف مع جماعة الحوثي وعدم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، إلى جانب تعثر مسار السلام في اليمن.
وتعكس هذه المعطيات مجتمعة حالة التعقيد التي لا تزال تحيط بالمشهد اليمني، في وقت يشهد فيه المسار السياسي المرتبط بعملية السلام جمودًا واضحًا، وسط غياب دور فاعل للمبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحداث أي اختراق حقيقي في جدار الأزمة اليمنية.
آمال المواطنين
يعلق اليمنيون آمالًا كبيرة على هذه الحكومة الجديدة، بدءًا بعودتها إلى داخل البلاد والعمل من الميدان، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإيقاف حالة الانهيار الاقتصادي المتسارع وتحريك عجلة التنمية.
ويطالب المواطنون الحكومة الجديدة بتجاوز حالة الجمود التي اتسمت بها الحكومات السابقة، وأن تنتقل من إدارة الأزمات إلى معالجتها، ويرون أن نجاح الحكومة اليوم لا يقاس بتوازناتها السياسية وتفريخ حقائبها الوزارية بقدر ما سيقاس بقدرتها على استعادة ثقة الشارع واتخاذ قرارات جادة يلمسها المواطن في حياته اليومية.