هل تقود العقوبات الأوروبية إلى اتهامات بجرائم حرب في السودان؟
2 فبراير 2026
في ظل التدهور المستمر للأوضاع في السودان، لم تعد العقوبات الأوروبية والأميركية مجرد أدوات سياسية للضغط، بل باتت تشكّل سياقًا دوليًا جديدًا يعيد تعريف العلاقة بين "العقوبة المالية" و"المساءلة الجنائية". ومع اتساع رقعة الانتهاكات وتراكم الأدلة، تبرز تساؤلات ملحّة حول ما إذا كانت هذه الإجراءات ستمهّد الطريق لملاحقات قضائية بتهم ارتكاب جرائم حرب أمام المحاكم الدولية والوطنية.
ورغم هذه التساؤلات، يبقى الواقع مختلفًا؛ فمنذ حقبة حكم الرئيس عمر حسن البشير، وقبل سقوط نظامه قبل سبع سنوات، أصدرت دول ومنظمات دولية جملة من العقوبات بحق شخصيات قيادية سودانية، على رأسها البشير نفسه. كما صدرت مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية، مدعومة بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، طالبت بالقبض على عدد من المسؤولين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، منذ مطلع الألفية الجديدة.
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، لم تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من فرض إرادتها بإحضار المتهمين إلى لاهاي، لافتقارها إلى آليات تنفيذية تُمكّنها من ذلك. ولم يمثل أمامها في قضية دارفور سوى عبد الرحمن "كوشيب"، الذي سلّم نفسه طواعية، وخضع لمحاكمة انتهت إجراءاتها مؤخرًا.
رغم أن العقوبات الأوروبية لا تُعد أحكامًا قضائية، فإن خطورتها تكمن في لغتها القانونية، إذ إن توصيف شخص ما بأنه مسؤول عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني يقترب من التعريف القانوني لجرائم الحرب
حرب السودان والعقوبات
منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فرضت دول ومنظمات دولية عقوبات على أفراد ومؤسسات وشركات على صلة بالحرب واستمرارها، والانتهاكات التي صاحبتها.
وشملت قائمة أبرز الشخصيات التي فُرضت عليها عقوبات أميركية وأوروبية عقب اندلاع الحرب، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، وعبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، إلى جانب قيادات عسكرية وسيطة وشخصيات سياسية، على رأسها القيادي الإسلامي البارز علي كرتي، والاقتصادي عبد الباسط حمزة.
العقوبات الأوربية
على الرغم من أن العقوبات الأوروبية ليست أحكامًا قضائية بحدّ ذاتها، فإن خطورتها تكمن في الحيثيات واللغة القانونية التي تُبنى عليها. فحين يصف قرار أوروبي شخصًا ما بأنه "مسؤول عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني"، فإنه يقترب بشكل مباشر من التعريف القانوني لجرائم الحرب، كما ورد في نظام روما الأساسي.
ويستند الاتحاد الأوروبي في قراراته إلى تقارير خبراء الأمم المتحدة وتوثيق المنظمات الحقوقية، وهي مواد يمكن أن تتحول لاحقًا إلى ملفات تحقيق جنائي أو أدلة مساندة أمام القضاء.
وشملت العقوبات الأخيرة أسماء بارزة من طرفي النزاع، ما يعكس تحولًا في المقاربة الدولية. فمن جانب قوات الدعم السريع، تصدّر القائمة القوني حمدان دقلو (شقيق قائد القوات)، بصفته "العقل الاقتصادي" المسؤول عن توريد الأسلحة، إلى جانب الفاتح عبد الله إدريس (أبو لولو)، الملقّب بـ"سفاح الفاشر"، لتورطه في إعدامات ميدانية. كما شملت العقوبات عبد الرحيم دقلو، وعثمان عمليات، والتجاني كرشوم.
ومن جانب القوات المسلحة، شملت العقوبات محمد علي أحمد صبير (مدير الاستخبارات العسكرية)، والطاهر محمد العوض (قائد القوات الجوية)، المتهم بشن غارات عشوائية، إضافة إلى صلاح قوش (المدير السابق لجهاز المخابرات). كما طالت القرارات الأخيرة المصباح أبو زيد طلحة، قائد "كتيبة البراء بن مالك" المساندة للجيش السوداني.
مدى إمكانية تطبيقها
يقول المدير القطري السابق للمعهد الدولي للديمقراطية التابع للاتحاد الأوروبي، الدكتور سامي عبد الحليم، لموقع "الترا صوت"، إن العقوبات التي أصدرها الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/يناير 2026 ضد الأشخاص السودانيين الضالعين في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب السودانية الراهنة، تُعدّ عقوبات ملزمة قانونًا لجميع دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، وواجبة التنفيذ من قبل حكومات تلك الدول.
وأوضح عبد الحليم أن القرار الأوروبي مفتوح وقابل للتمديد ليشمل إجراءات إضافية، مشيرًا إلى أن القرار الحالي، الذي يُعد تجديدًا للقرار رقم 2135، يتضمن، على سبيل المثال لا الحصر، حظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي، أو استخدام وسائل النقل المملوكة لدوله، مثل الطائرات والقطارات، فضلًا عن تجميد الأموال والأصول.
وأضاف أن بنود الحظر المالي تنطوي على تفاصيل قانونية معقدة، إذ لا تقتصر على الدول الأعضاء فحسب، بل تشمل أيضًا جميع المؤسسات المالية العاملة داخل دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فروع تلك المؤسسات الموجودة خارج الاتحاد. وأشار إلى أنه "في ما يتعلق بالحظر المالي، غالبًا ما يصدر الاتحاد الأوروبي لوائح تنفيذية تُخاطَب بها المؤسسات المعنية بتطبيق القرار، ومن بين أشهر هذه اللوائح، اللائحة رقم 2147 لسنة 2023".
ولفت عبد الحليم إلى أن هذه القرارات مُلزمة فقط لدول الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، ولا تمتد إلزاميتها إلى أي دولة خارج الاتحاد، كما أنها غير ملزمة لأي منظمة دولية أو إقليمية أخرى، ما لم تكن جزءًا من منظومة الاتحاد الأوروبي.
المسارات القانونية المحتملة للمساءلة
يرى خبراء أن ثمة ثلاثة مسارات قد تُحوِّل هذه العقوبات من إجراءات سياسية إلى محاكمات فعلية. يتمثل المسار الأول في إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، إذ لا يزال ملف دارفور مفتوحًا، وتُظهر تجربة الماضي مع عمر البشير، وأحمد هارون، وعلي كوشيب، أن العقوبات السياسية غالبًا ما تكون مقدّمة لإصدار مذكرات توقيف دولية.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور سامي عبد الحليم، إن مجلس الأمن يُعدّ أعلى مؤسسة أممية ضمن منظومة الأمم المتحدة، وهو الجهة المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، مشددًا على أن "قرارات مجلس الأمن تكتسب صفة الإلزام الصارم لجميع الدول الأعضاء، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي، كما تكون ملزمة بالضرورة لحكومة جمهورية السودان".
أما المسار الثاني، فيتمثل في المحاكم الوطنية الأوروبية، وهو مسار يُوصَف بـ"الخطر الصامت"، إذ تعتمد دول مثل ألمانيا وفرنسا مبدأ "الاختصاص القضائي العالمي"، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة.
وفي هذا الإطار، تصبح العقوبات الأوروبية عاملًا مساعدًا، إذ تضع الأفراد المعاقَبين تحت المجهر القانوني، وتقيّد حركتهم، وتسهّل على الادعاء العام ربطهم بنمط موثّق من الانتهاكات. فالعقوبات لم تعد نهاية الطريق، بل باتت في كثير من الحالات بداية لمسار مساءلة أطول، لا سيما في ظل تراجع استعداد المجتمع الدولي للفصل بين السياسة والعدالة.
ومع حرب تُوثَّق لحظة بلحظة، وتوافر شهادات الضحايا، والصور، والأدلة الرقمية، تبدو احتمالات الانتقال من العقوبة إلى الاتهام أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى.
أما المسار الثالث، فيتمثل في استخدام تجميد الأصول كأداة إثبات، إذ تسهم العقوبات في تتبّع الأموال المستخدَمة في تمويل الانتهاكات، ما يسهّل على جهات الادعاء ربط المتهمين بشبكات مالية وبنمط موثّق من الجرائم.
يرى خبراء أن ثمة ثلاثة مسارات قد تُحوِّل هذه العقوبات من إجراءات سياسية إلى محاكمات فعلية
فاعلية العقوبات وجدواها
في السياق السوداني، ترتكز العقوبات الأوروبية الأخيرة على الاستهداف المالي والتقني بوصفه أداة رئيسية للضغط على الأطراف المتورطة في النزاع، بهدف تقليص قدرتها على الوصول إلى الموارد الخارجية التي تُستخدم في إدامة الحرب.
كما تمتد هذه العقوبات إلى قيود اقتصادية غير مباشرة تستهدف شبكات الدعم والتمويل، ويُتوقع أن تسهم في الحد من تدفقات العائدات بالعملة الصعبة، وإن ظل تأثيرها الفعلي مرهونًا بمدى الالتزام الدولي الصارم بتطبيقها.
ويستند الاتحاد الأوروبي في فرض هذه العقوبات إلى نظامه العالمي لحقوق الإنسان، الذي يتيح استهداف أفراد وكيانات على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها استهداف المدنيين، والتهجير القسري، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع. ويعكس هذا التوجه محاولة أوروبية للانتقال من معاقبة الدولة إلى تحميل المسؤولية لأشخاص بعينهم، انسجامًا مع مبادئ "العقوبات الذكية".
غير أن محدودية فاعلية هذه الإجراءات تظل قائمة في الحالة السودانية، في ظل قدرة الأطراف المتحاربة على تطوير آليات التفاف، تشمل استخدام شبكات مالية غير رسمية، والاعتماد على وسطاء إقليميين، والاستفادة من أسواق بديلة خارج الإطار الأوروبي. كما يسهم استمرار الطلب الإقليمي على الموارد السودانية، ولا سيما الذهب، في تخفيف الأثر المباشر للعقوبات.
وعلى الصعيد السياسي، لا تشير المعطيات حتى الآن إلى أن العقوبات الأوروبية أحدثت تحولًا فوريًا في مسار الحرب أو في القرارات العسكرية الأساسية. فبرغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة، لا تزال الحسابات الأمنية والعسكرية تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية، وهو نمط لوحظ في نزاعات مشابهة.
كما تعكس التجربة السودانية الطابع طويل الأمد لسياسة العقوبات الأوروبية، والتي تواجه تحديات إضافية، من بينها تفاوت أولويات الدول الأعضاء، وتأثير الحرب السودانية غير المباشر على ملفات أخرى مثل الهجرة والأمن الإقليمي. ويُضاف إلى ذلك غياب أدوات تنفيذ فاعلة داخل السودان، ما يحدّ من القدرة على قياس الأثر الحقيقي للعقوبات على الأرض في المدى القريب.
ويكمن التحول الجوهري اليوم في أن المجتمع الدولي بات أقل استعدادًا للفصل بين "السياسة" و"العدالة". فالعقوبات الأوروبية والأميركية لم تعد نهاية الطريق، بل أصبحت في كثير من الحالات بداية لمسار مساءلة أطول قد ينتهي أمام المحاكم الدولية، بما يبعث رسالة واضحة مفادها أن "الإفلات من العقاب" لم يعد مضمونًا كما كان في السابق.