هل تعلمت لغة جديدة في 60 يومًا على

هل تعلمت لغة جديدة في 60 يومًا على "دولينغو"؟

شعار دولينغو (GettyImages)

بعد ستين يومًا من استخدام تطبيق "Duolingo" لتعلم لغة جديدة، يمكن القول ببعض الثقة إن مجموع الوقت الذي قضيته على التطبيق أكثر فائدة على الأقل مما لو صرفته أسرح على منصات السوشال ميديا، في الأوقات التي نصفها بأنها "ميّتة" للتخفيف من شعورنا بالذنب على تضييعها. يمكن كذلك أن أقول إن الوقت الذي قضيته على التطبيق رفقة لغة جديدة، هي الألمانية، كان كفيلًا بتوليد شعور بالقرب من اللغة والأريحية المبدئية معها ومع مصادر تعلمها الأخرى، وإثارة المزيد من الفضول تجاهها. لكن هل يمكن الحديث بالقدر ذاته من الثقة عن فائدة حقيقية في التطبيق؟ وما الذي يجب أخذه بالاعتبار لضمان الاستفادة إن كنت ترغب حقًا في تعلم لغة جديدة على دولينغو؟

 تبلغ القيمة السوقية للشركة المشغلة للتطبيق أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي، ولديه أكثر من 42 مليون مستخدم شهري نشط حاليًا

"دولينغو".. إمبراطورية رجل داهية

دوليغنو، أو ديولينغو، هو تطبيق وموقع لتعليم اللغات أطلق عام 2011 على يد الأستاذ "لويس فون آن"، وهو أستاذ أمريكي من أصول غواتيمالية. النبذة المشهورة عنه في سيرته المهنيّة هو أنّه اخترع نظام (reCAPTCHA) الذي يظهر لنا أثناء تصفح الإنترنت أحيانًا، وباعه عام 2009 لشركة جوجل. قبلها عام 2004 طوّر أداة ما لتحديد ملفات الصور، وباعها كذلك لجوجل بمبلغ لم يتم الإفصاح عنه بحسب مقال في مجلة فوربس، وقال إنّه بعد ذلك لم يعد بحاجة للقلق بشأن المال. داهية حقيقي، ويعرف أصول اللعب على الكبير. قال لويس فون آن مرة لزميلته التي شاركته في تطوير التطبيق، إنه يسعى لأن يجعل تعلّم اللغة متاحًا للجميع، دون القلق بشأن المال، بالنظر إلى أن البرامج الرسميّة لتعلّم اللغات في المعاهد المختصة مكلفة و/أو غير متوفرة لأغلبية ساحقة من الناس حول العالم. وهكذا راح يحلم فون آن بأن تعزّز هذه المساواة المفترضة في فرص تعلّم اللغة المساواة في العالم الحقيقي، ومساعدة المتعلمين في العثور على فرص أفضل للعمل وكسب الرزق، خاصة عبر تعلّم لغات كبرى، وعلى رأسها الإنجليزية، التي يبلغ  مجموع من يتحدثها ويتعلمها في العالم زهاء ثلاثة مليارات إنسان.  

تبلغ القيمة السوقية للشركة المشغلة للتطبيق الذي يجذب أكثر من 40 مليون مستخدم نشط شهريًا، حوالي 1.5 مليار دولار أمريكي. ويوفر دولينغو فرصة تعلّم 36 لغة حاليًا، من بينها لغات نادرة، أو مخترعة (كاللغة التي سمعناها في مسلسل "لعبة العروش"، والتي يتعلمها على التطبيق ملايين الناس حاليًا). أمّا الإيرادات التي يحققها التطبيق فتبلغ أكثر من 140 مليون دولار أمريكي.


لويس فون آن الرئيس التنفيذي لشركة دولينغو (uascience.org)

هذا الهدف النبيل في ظاهره والمتعلق بتوفير فرص "متساوية" للجميع، يواري بالطبع عددًا من الأسئلة الأساسية عن أخلاقية وعدالة هذه الشركات المليارية الكبرى في اقتصاديات "الأعمال المستقلّة" و "السريعة"، ويعيدنا إلى أسئلة مبدئية عن "التعدّد اللغوي" المنشود والموقف من الآخر وهويّته ومعنى وجوده/لغته، إضافة إلى السؤال المتكرر عن ظاهرة "الهيمنة اللغوية" (الإنجليزية دائمًا)، وكيفية نشوئها وترسخها، والقيم التي تتصاحب مع هذه الهيمنة المطلقة في مختلف المجالات. 

لكن فلنبق الآن مع دولينغو كأداة لتعلم اللغة. 

إلى أيّ مدى يمكن أن يفيدنا التطبيق؟ 

دعونا نتفقْ في البداية على أنّ "تعلّم لغة جديدة" عبارة واسعة جدًا، يتباين معناها بتباين الأهداف التي يضعها المتعلّم لهذه المهمّة الشاقّة، وعادة ما يكون تحديد هذه الأهداف أكبر معين للمتعلّم في بداية طريقه مع لغة جديدة، بل هي خطوة تعدّ الضامن الأهمّ لتجنّب الإحباط والاستسلام أمام اللغة المشتهى تعلّمها. فالوقت الذي تحتاجه من أجل "تعلّم اللغة" يعتمد على مقدار ما تريد أن تتعلّمه والغرض الذي تودّ تحقيقه من ذلك. فلو كنت ترغب بمجرّد امتلاك القدرة على السؤال عن الطريق وطلب قهوة عند سفرك إلى مدينة جديدة، فإن ذلك يختلف عمّا لو كنت تخطّط للإقامة في تلك المدينة والعمل فيها، كما سيختلف عمّا لو كنت تريد الدراسة في جامعاتها أو ربما الترجمة منها إلى لغتك الأمّ. 

كما أن في عبارة "تعلّم اللغة" قدرًا غير هينٍ من التبسيط المخلّ، الذي يهمل حقيقة أن الكفاءة اللغوية هي محصّل الكفاءة في عدة مهارات، إتقان كلّ منها يتطلّب قدرًا كبيرًا من الوقت والجهد والتخصص، ابتداءً من حفظ المفردات وانتهاء بالحديث والجدل بطلاقة في مواضيع معقّدة، ومرورًا بالكتابة بها بلغة سليمة وواضحة. هذا الإتقان بحسب الإطار المرجعي الموحّد للغات (CEFR)، وهو معيار دولي معتمد لوصف مستويات المعرفة باللغة لدى المتعلمين، يعبّر عنه بالمستوى C2 (متقِن)، يصل إليه المتعلم بعد تجاوز المستويات الأدنى التي تبدأ بالمستوى A1 (مبتدئ أدنى). ويمكن القول عمومًا بأن دولينغو أو سواه من التطبيقات المتوفرة لا يمكن أن ينقلك من المستوى المبتدئ إلى المتقدّم، ولا حتّى إلى المتوسّط، في حال الاعتماد عليه بشكل حصريّ، وذلك لعدم اشتمال التطبيق على ما يكفي من الوسائل التعليمية التي تكفل تحقيق النقلة إلى هذه المستويات لدى متعلم اللغة. 

 

تعتمد طريقة دولينغو على شجرة من المواضيع (الوحدات) في كل منها خمسة دروس توظف مهارات القراءة والاستماع والتحدث والكتابة/الترجمة، وتعتمد على التكرار وسيلة لتثبيت الكلمات والقوالب الجديدة. في بداية كل درس ثمّة نصائح وتوضيحات عامة يمكن المرور سريعًا عليها، كما يوجد لكل تمرين رابط إلى منتدى خاص للمناقشة، حيث يوضّح بعض المستخدمين والمعلمين استفسارات المستخدمين مع بعض الأمثلة والمصادر. التطبيق ملحاح، جدًا. يرسل لك التنبيهات والإشعارات، والرجاءات الحارّة، كي تستغل الفرصة، حتى لو قبل النوم، بأن تدرس درسًا واحدًا، وتحافظ على اتقاد شعلة المواظبة.

التطبيق ملحاح، جدًا. يرسل لك التنبيهات والإشعارات، والرجاءات الحارّة، كي تستغل الفرصة، حتى لو قبل النوم، بأن تدرس درسًا واحدًا، وتحافظ على اتقاد شعلة المواظبة

يعتمد التطبيق كذلك على تدريبات الترجمة، على مستوى المفردات، وعلى مستوى الجمل، وهي طريقة تقليدية جدًا في تعليم اللغة، ويشوبها الكثير من الانتقادات، حتى أنها تلاشت عمليًا منذ عقود ولم تعد مؤثرة في مجال تعليم اللغة للناطقين بغيرها، بل وتعدّ مثار استهجان حقيقيّ بين المتخصصين في هذا المجال. مع ذلك فإنه لا طريق لإنكار النجاعة في طريقة الترجمة التي يتبعها التطبيق. فالتمارين بتكرارها وتعزيزها بتلفظ الكلمات في الجمل يساعد في ترسيخها في ذهن المتعلم، وتعزز ثقته في عملية التعلم وجدوى مواصلتها، خاصة أن التطبيق يوظف منهجيّة اللعب في جعل العملية بسيطة ومسليّة وعالية الفعالية، كما أن المتعلّم يحصل على خيارات أخرى للترجمة إضافة إلى تلك التي قدّمها، بحيث لا تقتصر الإجابة الصحيحة على نسخة وحيدة فقط من الترجمات الممكنة للجملة.

 

 

من أهمّ ما يميّز دولينغو أيضًا هو التعزيز الإيجابي لتقدّم المستخدم عبر مكافأة إجاباته الصحيحة، إضافة إلى تقديم التعليقات الصحيحة المباشرة في حال الخطأ في الإجابة، وبشكل واضح ومقنع، ثم إعادة التمرين الذي أخطأ به المتعلّم وتكراره في بطاقات لاحقة من أجل كتابة/ترجمة أو لفظ الإجابة الصحيحة والتأكد من فهم المعلومة.  

هل يكفي التطبيق لتعلّم اللغة؟ 

يمكن تحقيق قدر معقول من الاستفادة من التطبيق لمن يبدأ بتعلم لغة جديد من الصفر، ولاسيما في اللغات المخدومة جيدًا في التطبيق، مثل الإسبانية والألمانية والفرنسية والإنجليزية، وبقدر أقل اللغة العربية والصينية واليابانية. شخصيًا، علقت في ذهني العديد من الكلمات والقوالب وبت قادرًا على استخدامها في جمل بسيطة، بعد أن أتممت أكثر من 90 درسًا فقط، في 3 وحدات، على مدار 60 يومًا. لكني، ومنذ الأيام الأولى مع التطبيق، أدركت أنه لن يكون كافيًا إن كنت جادًا في قطع أشواط أبعد، إلا إن استخدمته كوسيلة تدريب مساندة فرعية إلى جانب موادّ ووسائل أساسية أخرى وفي مقدّمتها الكتاب المنهجي، ومواد الاستماع، والتواصل مع أشخاص يتقنون اللغة. فيكون التطبيق محفزًا سهلًا في أوقات الفراغ للتعرض للغة بشكل حثيث. 

في مقال له عن تجربة أطول مع "دولينغو" (500 يوم)، يخبرنا إريك رافينسكرافت في صحيفة نيويورك تايمز أن استخدام هذا التطبيق، أو تطبيقات مشابهة، مثل "بابل" أو "ميمرايز"، مفيد بلا شكّ في تعلّم "أشياء" من اللغة، إلا أنه لا يكفي قطعًا للوصول إلى الطلاقة في اللغة أو الكفاءة المتقنة في استخدامها. أما لو كنت تتحضّر للسفر إلى مدينة جديدة وترغب في تعلم القوالب الحوارية الأساسية باللغة المستخدمة فيها، فإن استخدام دولينغو سيكون مفيدًا لهذه الغاية. لكن حفظ هذه الجمل الأساسية ومعناها لا يدخل في باب تعلّم اللغة ومعرفتها، وإنما هو مجرّد حفظ وظيفي مباشر لعبارات ذات استخدام معلوم مقيّد بمواقف محدّدة.

إضافة إلى هذه الملاحظات الشخصية حول التطبيق، فإنه لا يتوفّر الكثير من الدراسات المنهجية التي يمكن أن تشكّل رأيًا حاسمًا بشأن جدوى تطبيقات تعلم اللغة عبر الموبايل (MALL)، كما أن ثمة تباينًا في وجهات نظر الباحثين في هذه القضية، بين من يرى أن الفائدة في هذه التطبيقات مثل دولينغو وبابل وميمرايز قد تكون أكبر من الفائدة التي يحققها المتعلم في دروس اللغة التقليدية، وآخرين يرون أنّ جدوى هذه التطبيقات ما تزال محلّ جدل كبير، لاسيما وأن البيانات المتوفرة لا تساعد في حجمها ولا نوعها على حسم هذه المسألة. 

هكذا إذن يتحوّل التطبيق من أداة مجانية ومسليّة للتعلّم، إلى أداة لتذكيرنا بأن تعلّم اللغة يتطلّب أكثر من 20 دقيقة يوميًا على تطبيق على الهاتف المحمول، وأن إتقانها ليس أمرًا يمكن تحصيله عبر استغلال الوقت الذي نقضيه في الحمّام أو في طابور انتظار في مكان، بما أنه وقت ميّت ونزجيه عادة على فيسبوك أو إنستغرام. كما أن المحذور في مثل هذه التطبيقات التعليمية هو التداخل الحتميّ بين ذهنية التعلّم واللعب، أو ما يمكن أن نطلق عليه "لعبنة" تجربة التعلّم، حيث يمكن أن يتحوّل استخدام التطبيق إلى مجرّد حركات متكررة على الشاشة بغرض "ختم" مرحلة معينة والحصول على الجائزة (شعلة المواظبة في حالة تطبيق دولينغو). في الواقع، يقول مؤسس الشركة إن إدمان التطبيق لدى المستخدمين يقترب من معدلات إدمان الألعاب، وهذه حقيقة يمكن لكل من استخدم التطبيق لفترة من الزمن أن يتفق معها. كما يقول إن معظم المستخدمين يفضّلون التطبيق لأنه مسلّ، وبديل مفيد لتطبيقات التسلية الأخرى يحدّ من شعور الذنب عند قضاء وقت كبير على الهاتف بلا فائدة.

يتحوّل التطبيق من أداة بالمتناول لتعلّم اللغة، إلى أداة لتذكيرنا بأن تعلّم اللغة يتطلّب أكثر من 20 دقيقة يوميًا على تطبيق على الهاتف المحمول

لكن القائمين على التطبيق يقرون بجوانب النقص والقصور فيه، بل ولا يدّعون أصلًا امتلاك التطبيق القدرة على نقل المستخدم إلى مستويات متوسطة أو فوق المتوسطة من إتقان اللغة. فالهدف الذي تحدث عنه مؤسس التطبيق هو مساعدة المتعلم على الوصول إلى مستوى بين المبتدئ الأعلى (A2)، والمتوسط الأدنى (B1). مع ذلك فإن ثمّة خططًا لدى الشركة لتطوير الدروس في التطبيق بشكل يساعد على الوصول إلى مستويات أعلى في المهارات اللغوية كافة، وفي أكبر عدد ممكن من اللغات، إضافة إلى تيسير فرص ممارسة اللغة عبر تطبيقات رديفة للتواصل والشراكة اللغوية الوجاهية وغرف الدردشة الافتراضية التي تضفي جانب التواصل الطبيعي على تجربة تعلم اللغة عبر التطبيق، وهي مساحات لن يعجز التطبيق عن تغطيتها بفضل الشهرة المتنامية التي يحظى بها بين المستخدمين في شتى دول العالم.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أفضل 4 مواقع إلكترونية لتعليم الإنجليزية للأطفال

أهمّ 10 لغات في العالم حسب عدد المتحدثين بها

5 كلمات ألمانية عصيّة على الترجمة