هل تعكّر الحرب على إيران صفو "العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن؟
5 مارس 2026
تجد "العلاقة الخاصة" بين دونالد ترامب وكير ستارمر نفسها أمام اختبار جديد، بعدما تصاعد التوتر بين الزعيمين على خلفية الموقف من الحرب على إيران، ما أثار تساؤلات في لندن وواشنطن بشأن مستقبل الشراكة التاريخية بين بريطانيا والولايات المتحدة.
وحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، بدأت الأزمة عندما رفض ستارمر في البداية طلبًا أميركيًا باستخدام قواعد بريطانية لشن هجمات على إيران، ما دفع ترامب إلى وصف بريطانيا بأنها "غير متعاونة"، وهاجم رئيس الوزراء البريطاني قائلًا إنه "ليس ونستون تشرشل".
بدأت الأزمة عندما رفض ستارمر في البداية طلبًا أميركيًا باستخدام قواعد بريطانية لشن هجمات على إيران، ما دفع ترامب إلى وصف بريطانيا بأنها "غير متعاونة"
لاحقًا، خفف ستارمر من موقفه، مؤكدًا أن الطائرات الأميركية يمكنها استخدام قواعد في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي لاستهداف أنظمة صاروخية إيرانية تهدد حلفاء بريطانيا في الشرق الأوسط. إلا أن ذلك لم يبدد انزعاج ترامب، وسط مخاوف بريطانية من أن ينعكس غضبه على العلاقات التجارية عبر الأطلسي.
جذور "العلاقة الخاصة"
تعود جذور مفهوم "العلاقة الخاصة" إلى خطاب ألقاه ونستون تشرشل عام 1946 في الولايات المتحدة، حيث تحدث عن روابط مميزة بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة.
وعلى مدى عقود، تعززت هذه العلاقة بفضل اللغة المشتركة والمصالح الاستراتيجية والتعاون العسكري والروابط الثقافية، فضلًا عن علاقات شخصية وثيقة بين قادة البلدين، مثل الصداقة بين مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، وكذلك بين توني بلير وبيل كلينتون.
سوابق التوتر التاريخية
لكن العلاقة لم تكن دائمًا مستقرة. ففي عام 1956، شهدت أزمة السويس تباعدًا حادًا عندما حاولت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل السيطرة على القناة بعد تأميمها من مصر، قبل أن تضطر للانسحاب تحت ضغط إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور.
كما تدهورت العلاقات في ستينيات القرن الماضي عندما رفض رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون الانضمام إلى حرب فيتنام رغم ضغوط الرئيس الأميركي ليندون جونسون.
وفي 2003، سعى بلير لتجنب قطيعة مماثلة عبر الانضمام إلى الغزو الأميركي للعراق، استنادًا إلى معلومات استخباراتية ثبت لاحقًا عدم دقتها بشأن أسلحة الدمار الشامل، في قرار لا يزال من أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ السياسة البريطانية الحديث.
ستارمر بين "الهدوء" وضغوط الداخل
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، حافظ ستارمر، المنتمي إلى يسار الوسط، على علاقة وُصفت بالمفاجئة من حيث الود، غير أن الخلافات تراكمت تدريجيًا. فقد ندد ستارمر، إلى جانب قادة أوروبيين، بتهديد ترامب بالسيطرة على غرينلاند في وقت سابق من هذا العام.
كما أثار انتقاد ترامب لاتفاق بريطانيا مع موريشيوس بشأن جزر تشاغوس توترًا إضافيًا، رغم أن واشنطن كانت قد دعمت الاتفاق سابقًا.
وألمح ستارمر بقوة إلى أنه يعتبر الحرب على إيران غير قانونية، مؤكدًا أن حكومته لا تؤمن بـ"تغيير الأنظمة من السماء". في المقابل، يرى خصومه أنه يتبنى موقفًا مترددًا يضعف مكانة بريطانيا، خصوصًا بعد استهداف قاعدة جوية بريطانية في قبرص بطائرة مسيّرة إيرانية الصنع دون وقوع إصابات.
زعيمة المحافظين كيمي بادنوك طالبت بدعم صريح للهجوم الأميركي-الإسرائيلي، فيما اتهمه نواب محافظون بـ"الارتباك" في التعامل مع الأزمة. ورد ستارمر في مجلس العموم مؤكدًا أن الطائرات الأميركية تعمل انطلاقًا من قواعد بريطانية، وأن المقاتلات البريطانية تسقط طائرات مسيّرة وصواريخ لحماية أرواح أميركيين في الشرق الأوسط، مضيفًا أن "التمسك بأحدث تصريحات ترامب لا يمثل جوهر العلاقة الخاصة".
رهانات التجارة والدعم الأميركي
تخشى لندن أن يمتد التوتر إلى ملفات حساسة، أبرزها الاتفاق التجاري الذي وُقّع بين ترامب وستارمر في أيار/مايو الماضي ولم يُستكمل بعد، فضلًا عن اتفاق جزر تشاغوس الذي ينتظر دعمًا أميركيًا نهائيًا.
ويستحضر مسؤولون بريطانيون تهديد ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا بعد انتقاد رئيس وزرائها للهجمات على إيران، كمؤشر إلى حساسية الموقف. واعتبر السفير السابق ومستشار الأمن القومي البريطاني الأسبق بيتر ريكيتس أن ترامب يبدو وكأنه يريد "ولاءً أعمى بالكامل" من الحلفاء، واصفًا هجومه على ستارمر بـ"غير العادل"، لكنه نصح الحكومة البريطانية بعدم المبالغة في الرد، داعيًا رئيس الوزراء إلى "الحفاظ على الهدوء والمضي قدمًا".
ووفقًا لهذه المعطيات، تبدو "العلاقة الخاصة" بين بريطانيا والولايات المتحدة أمام مرحلة اختبار جديدة، يتداخل فيها الأمن بالسياسة والتجارة، بينما تراهن لندن على أن يكون غضب ترامب عابرًا لا يرقى إلى أزمة استراتيجية طويلة الأمد.