هل تعرفون عازف بزق عربيًا اسمه محمد عبد الكريم؟
8 نوفمبر 2025
حلمتُ مرةً أن عازفًا سوريًا اسمه محمد عبد الكريم، وأنني قصير القامة جدًا، لدرجة أنّي حين أكلم شخصًا في الطريق أرفع عنقي إلى أقصى ما تستطيع الارتفاع، ويخفض هو رأسه إلى أدنى درجات الانخفاض.
واكتشفتُ لاحقًا أن كثيرًا ممن يهربون من الحديث معي في الطريق يعانون من آلامٍ في عضلات الرقبة.
ومرةً حلمتُ أني آلةُ بزقٍ أتجوّل في يد ذلك القزم السوري الطيّب.
ومراتٍ كثيرة حلمتُ أني كلّ شيء في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات في القدس تحديدًا: شركة باصات القدس–يافا، ومقبرة صهيون، وبائع الفستق النيجيري في سوق الدبّاغة.
قلتُ لأبي مرة: "لماذا لم تأتِ إلى العالم في أوائل الثلاثينيات أو الأربعينيات، يا أبي المقدسي؟
لماذا لم تكن مثل والد الفنان أحمد أبو سَلوم من الدوايمة، الذي ترك البلد وذهب إلى القدس وظلّ هناك، وأنزل ابنه الفنان هناك؟"
لا أحبُّ عصري، يا أبي…
أنا لستُ من هنا، والله.
فاجأني أبي بأنه أيضًا غاضب من والده الذي أوقعه في عصر الأربعينيات. سألته: لماذا يا أبي؟
فقال: لأنني لست من هناك، أنا من عصر الأندلس، من قرطبة تحديدًا، ووالدي الأندلسي كان يعمل خادمًا في بيت ابن رشد.
ولا أدري كيف جئتُ إلى بيت نبالا، قضاء الرملة، وصرتُ ابنًا متعلمًا لوالدٍ مزارعٍ متخصص في بيع السمسم.
لم أستطع الرد على أبي، لكني فهمتُ فيما بعد أنه كان يعطيني درسًا ناعمًا مفاده أن الإنسان في كل مكان يحنّ إلى عصر ما، ماضيًا كان أم مستقبليًا.
لم أتعلم درس أبي، أو بالأحرى لم أستفد من كذبته الرائعة، وبقيتُ أحلم لسنوات أنني الفنان السوري القزم محمد عبد الكريم.
اتصلتُ بـنادر جلال، صاحب كتاب "فلسطين في النهضة الموسيقية العربية"، ومدير مؤسسة "نوى للفنون" في رام الله، وقلت له:
يا نادر، احكِ لي بالتفصيل عن محمد عبد الكريم.
فاعتدل صوت نادر في جلسته، وراح يفيض: "محمد عبد الكريم موسيقي سوري لُقِّب بأمير البزق، ولد في حيّ الخضر الشعبي في حمص. والده علي مرعي من أمهر عازفي العود والبزق، وهو الذي غرس فيه حبَّ الموسيقى.
أُصيب محمد عبد الكريم، وهو في الرابعة عشرة من عمره، إصابةً بالغة في ظهره إثر حادث تصادم عنيف، سبّب له عاهة دائمة، فاحْدودب ظهره وتوقف نموّ جذعه. ومنذ ذلك التاريخ هجر المدرسة واهتم بالعزف على البزق اهتمامًا خاصًا حتى غدا عازفًا لا يُجارى.
وفي عام 1940، وجّهت إليه إذاعة القدس دعوة رسمية ليسهم بفنه في افتتاحها الرسمي. وخلال إقامته التي امتدت أربع سنوات، انصرف عبد الكريم إلى التلحين، فوضع للمطربة الشابة ماري عكاوي أجمل ألحانه، مثل تانغو "يا جارتي ليلى"، الذي نظمه الشاعر جلال زريق، ليغدو هذا التانغو، الذي غنّته لاحقًا المطربة الراحلة فايزة أحمد، من الألحان السائرة.
شكرتُ نادرًا، وصرتُ أنا محمد عبد الكريم بشكلٍ مضاعفٍ وهستيري.
ذهب محمد بعد النكبة إلى عمّان مع لاجئي فلسطين، واستقرّ هناك فترةً كلاجئ فلسطيني في أحد المخيمات، وكان يحصل على حصته الغذائية من وكالة الغوث.
وقد تمّ توقيفه في إحدى السنوات عن العزف في فرقة الإذاعة بأوامر من عجاج نويهض، مدير الإذاعة، بحجّة أنه غير متعلّم موسيقيًا، وأن الفطرة والخبرة لا تكفيان.
كان الناس يتندّرون على قامة محمد القصيرة، وكان هو يتندّر معهم على نفسه. روحه الحلوة وخفّة ظلّه جعلتاه محبوبَ الفنانين والناس في القدس.
سأتوقّف قليلًا عن الكتابة يا قرّائي في "الترا صوت"، ثمة طرقٌ غريب على الباب.
ها أنا ذا ذاهبٌ لأفتح: أهلاً، مرحبًا!
أنا آلة البزق التي عزف عليها محمد طيلة حياته، ولديّ ما أقوله.
أعرف أنك الآن تسرد قصة محمد، أميري. هل تسمح لي بإكمال قصته باسمي، وباسم غربتي، وقهري، وشهادة أوتاري؟
طبعًا، طبعًا. وهنا سكتُّ أنا، وفاضت هي:
"صاحبي اسمه محمد عبد الكريم، من حمص في سوريا، لُقّب بأمير البزق، أميري.
تجوّلت معه في كل بقاع العالم: فرنسا، وألمانيا، والقاهرة، والقدس.
أجمل المدن كانت القدس؛ هناك كان قلبي يغنّي بين أصابعه.
وتعرّفتُ معه على عدد من الموسيقيين، مثل يوسف بتروني، ويحيى المسعودي، وروحي الخماش، ومحمد غازي.
لكن أجمل لحظاتي في القدس كانت حين تقدّمني، وهو يشارك في افتتاح إذاعة القدس، وقد عمل عازفًا ضمن فرقتها الموسيقية.
كنتُ أنا أميرة آلات هذه الفرقة التي طبّقت شهرتها الآفاق، وكنتُ شاهدةً على تلحين أميري لأغنيات الكثير من الموسيقيين العرب.
أيّ حظّ هذا الذي منحني الله إيّاه، أن أكون رفيقًا قريبًا من هذا الأمير، وأن يصبح هذا الأمير أميري.
أيّة أيام حلوة أمضيناها معًا، أنا وهو، نتجوّل من حفلة إلى حفلة، ومن مدينة إلى أخرى في فلسطين التي أحببناها.
كان أميري قزمًا، وكنتُ أنا قزمة. كثيرًا ما كان يداعبنا الأصدقاء وهم يقولون:
لقد تزوّج أمير البزق من آلة البزق!
أصبحنا شخصًا واحدًا. وكان أمير قلبي يضحك، ولم يحدث مرةً أن غضب من تندّر الأصدقاء على قصر قامته.
كنتُ أنام قربه في غرفة في وادي الشاب. كان حنونًا جدًا ولطيفًا، يسأل عنّي وعن أميري باستمرار.
كان يعمل إمامًا في المسجد الأقصى القريب، وكان ابنه شغوفًا بالموسيقى وبالآلات الموسيقية. كثيرًا ما كان أميري يسلّمني إلى هذا الشاب –اسمه جمال– قائلًا لي: "اذهبي إليه، كوني رفيقةً لطيفة، امنحيه السلام والإيقاع والهدوء".
وكنتُ أُسلّمه نفسي، فيعزف على أوتاري بفرحٍ غامر، وهو يقفز من مكان إلى آخر.
في تلك الأيام، كانت الثورة الفلسطينية في عام 1936 قد بدأت تشتدّ وتنتشر في كل المناطق.
وكان أميري يزور الثوّار في أماكن تواجدهم المختلفة في أنحاء القدس: في المصرارة، والطالبيّة، والقطمون، ومناطق أخرى.
وكنتُ دائمًا برفقته، أُسلّي المقاتلين، وأُهدّئ وحشتهم، وأُشجّعهم، وأُفرحهم.
كان أميري يحبّ فلسطين كثيرًا، ويكره الصهاينة، وكان يقول دائمًا للثوّار حين يلتقيهم:
"آه، لو أستطيع أن أحمل البندقية مثلكم، لحاربتُ واستُشهدتُ دفاعًا عن فلسطين.
ولكنّ دوري في الحياة هو أن أحمل هذه الآلة الحبيبة، وأتجوّل بها في كل مكان، أُدافع عن الحقّ والجمال والحبّ والعدالة".
توقّفت آلة البزق عن الكلام، ورأيتُ في عينيها دموعًا.
أحضرتُ لها عصير ليمون، واستأذنتَ للمغادرة، فشيّعتُها حتى درج عمّارتي.
عدتُ إلى غرفتي، وأحببتُ أن أضيع في موجة بكاء.







