هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟
10 يونيو 2026
مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم إلى المنافسات المنتظرة، لكن البطولة لا تثير الاهتمام الرياضي فقط، بل تفتح أيضًا بابًا واسعًا للنقاش حول تأثيرها البيئي المتنامي. فالتوسع غير المسبوق في عدد المنتخبات والمدن المضيفة دفع خبراء المناخ إلى التحذير من أن النسخة الحالية قد تصبح الأكثر تلويثًا للبيئة في تاريخ البطولة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن كأس العالم 2026 قد ينتج نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر، ما يضع الاتحاد الدولي لكرة القدم أمام تساؤلات متزايدة بشأن التوازن بين التوسع الرياضي والمسؤولية البيئية.
قفزة تاريخية في الانبعاثات
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، يرى الباحثون أن السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة الضخمة يعود إلى الشكل الجديد للبطولة. فبعد رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا، توسعت رقعة المنافسات لتشمل 16 مدينة موزعة على ثلاث دول مختلفة، ما يعني زيادة هائلة في حركة السفر والتنقل.
قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر
وتقدر الدراسات أن نحو 87% من إجمالي الانبعاثات المتوقعة للبطولة ستنتج عن السفر، وخاصة الرحلات الجوية التي ستنقل ملايين الجماهير واللاعبين والإعلاميين بين المدن المستضيفة. وبالمقارنة، كانت بطولة قطر 2022 تُقام داخل مساحة جغرافية محدودة نسبيًا، الأمر الذي خفف من الحاجة إلى التنقلات الطويلة رغم الانتقادات التي طالتها بسبب بناء ملاعب جديدة.
وتعادل الانبعاثات المتوقعة للبطولة الحالية تقريبًا الانبعاثات السنوية لـ1.7 مليون سيارة، أو إجمالي الانبعاثات السنوية لدولة كاملة بحجم سيراليون، ما يعكس حجم التأثير البيئي المتوقع للحدث الرياضي الأكبر عالميًا.
توسع رياضي يقابله ثمن بيئي
يؤكد خبراء البيئة الرياضية أن زيادة عدد المنتخبات تمنح دولًا جديدة فرصة تاريخية للمشاركة في الحدث العالمي، كما حدث مع منتخبات الأردن وأوزبكستان والرأس الأخضر وكوراساو، إلا أن هذا التوسع لا يأتي دون تكلفة.
وتقول عالمة البيئة الرياضية والكاتبة مادلين أور إن توسيع البطولة يعد أمرًا إيجابيًا من الناحية الرياضية والشعبية، لكنه يثير مخاوف حقيقية من الناحية المناخية. وترى أن المكاسب المرتبطة بزيادة المشاركة يجب أن تُقاس أيضًا في ضوء الأثر البيئي الذي تتركه هذه التوسعات على المدى الطويل.
من جانبه، يشير أستاذ الجغرافيا في جامعة لوزان ديفيد غوغيشفيلي إلى أن عدم بناء ملاعب جديدة هذه المرة لا يعني بالضرورة تقليل الأضرار البيئية، لأن التأثير انتقل ببساطة من قطاع الإنشاءات إلى قطاع النقل والسفر، الذي أصبح المصدر الأكبر للانبعاثات.
إنجلترا بين أكثر المنتخبات سفرًا
ورغم محاولة المنظمين تقليص المسافات من خلال تقسيم الملاعب إلى ثلاثة أقاليم جغرافية رئيسية، فإن بعض المنتخبات ستضطر إلى قطع مسافات طويلة خلال دور المجموعات.
ويبرز المنتخب الإنجليزي كأحد أكثر المنتخبات المرشحة تأثرًا بهذا الأمر، إذ سيتنقل بين دالاس وبوسطن ونيوجيرسي خلال مبارياته الثلاث الأولى، قاطعًا أكثر من 1700 ميل، بينما ستضطر جماهيره إلى القيام برحلات متكررة عبر الولايات المتحدة لمتابعة الفريق.
ويعتقد خبراء أن هذه المسافات تمثل نموذجًا واضحًا لحجم البصمة الكربونية التي تفرضها البطولة الجديدة على المشاركين والمشجعين على حد سواء.
البصمة الرقمية.. الجانب المنسي
ورغم التركيز الكبير على الرحلات الجوية ووسائل النقل، يحذر مختصون من أن هناك مصدرًا آخر ضخمًا للانبعاثات لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو البصمة الرقمية للبطولة.
فالمليارات من المشاهدين سيتابعون المباريات عبر التلفزيون والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومنصات البث المباشر، ما يتطلب تشغيل مراكز بيانات عملاقة وأقمار صناعية وشبكات اتصال تستهلك كميات هائلة من الطاقة.
وتوضح مادلين أور أن هذا الجانب غالبًا ما يتم تجاهله عند احتساب الأثر البيئي للأحداث الرياضية الكبرى، رغم أنه يمثل جزءًا مهمًا من إجمالي الانبعاثات. فالمشجع الحديث لم يعد يكتفي بمشاهدة المباراة على شاشة واحدة، بل يتابع الإحصائيات والتعليقات ومنصات التواصل الاجتماعي في الوقت نفسه، ما يضاعف استهلاك الطاقة الرقمية.
وفي بريطانيا، قدرت الجهات المختصة بالطاقة أن مباريات منتخبي إنجلترا واسكتلندا في دور المجموعات قد ترفع استهلاك الكهرباء الوطني بنحو 600 ميغاواط أثناء البث، وهو ما يعادل تقريبًا إجمالي الطلب على الكهرباء في مدينتي غلاسكو وليدز مجتمعتين.
ضغوط متزايدة على الفيفا
كانت الفيفا قد تعهدت خلال قمة المناخ العالمية "COP26" بخفض انبعاثاتها الكربونية إلى النصف بحلول عام 2030 والوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2040، إلا أن المنتقدين يشيرون إلى أن الاتحاد لم يحدد حتى الآن هدفًا واضحًا لانبعاثات كأس العالم نفسها.
ويرى بعض الباحثين أن اللجنة الأولمبية الدولية قطعت خطوات أكثر وضوحًا في هذا المجال من خلال وضع أهداف محددة لتقليص البصمة الكربونية للفعاليات الرياضية الكبرى، بينما لا يزال نهج الفيفا محل تساؤل لدى الخبراء والمنظمات البيئية.
في المقابل، يؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم أنه يطبق مجموعة من المبادرات البيئية خلال البطولة، تشمل استخدام الملاعب القائمة مسبقًا، وتشجيع الجماهير على الاعتماد على وسائل النقل العام، وتقليل استخدام مولدات الديزل، إضافة إلى برامج إعادة التدوير والحد من هدر الغذاء.