هل تتحول داعش إلى نسخةٍ أخرى من القاعدة؟

هل تتحول داعش إلى نسخةٍ أخرى من القاعدة؟

(Getty) الحدود التركية السورية

في تتابعٍ سريع، لم يكد يمر يوم على الهجوم الذي وقع على ملهىً ليلي للمثليين بمدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا الأمريكية حتى أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسؤوليته عن قتل قائدٍ بالشرطة الفرنسية في أحد ضواحي باريس وشريكته التي تعمل أيضًا بالشرطة يوم الاثنين.

كان أحد الأعمدة التي قام عليها تنظيم الدولة الإسلامية هو التخلي عن نموذج حرب العصابات لصالح نموذج فرض السيطرة الفعلية على الأرض

لم يكن هجوم أورلاندو، الذي نفذه الأمريكي من أصل أفغاني عمر متين وأسفر عن مقتل 49 شخصًا وإصابة 53 آخرين، هو الأول للتنظيم في الولايات المتحدة، وإن كان أكثرها دموية. منذ عام 2014، تمت محاكمة 87 متعاطفًا مع التنظيم بالولايات المتحدة بتهمٍ مرتبطة بالإرهاب، كما كان هناك 25 مخططًا إرهابيًا بتشجيعٍ من التنظيم، نجح مكتب التحقيقات الفيدرالية في منع العديد منها.

كان المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية قد دعا في تسجيلٍ صوتي منسوبٌ له نُشر في الحادي والعشرين من أيار/مايو أنصار التنظيم إلى شن هجماتٍ على الولايات المتحدة وأوروبا في شهر رمضان، مطالبًا إياهم بجعله "شهر وبالٍ على الكفار في كل مكان"، مضيفًا: "ونخص جنود الخلافة وأنصارها في أوروبا وأمريكا".

إلا أن أكثر ما يلفت النظر في ذلك التسجيل الصوتي هو ما أعقب ذلك من حديثه إلى أنصار التنظيم قائلًا: "إن أصغر عمل تقومون به في عقر دارهم أفضل وأحب إلينا من أكبر عمل عندنا وأنجع لنا وأنكى بهم. ولئن كان أحدكم يتمنى ويسعى جاهدًا للوصول إلى دولة الإسلام، فإن أحدنا يتمنى أن يكون مكانكم لينكل في الصليبيين ليل نهارٍ لا ينام"، متابعًا: "واعلموا أن استهدافكم لما يسمى بالمدنيين أحب إلينا وأنجع، كونه أنكى بهم وأوجع لهم وأردع". ورغم ارتباط ما سبق بما ذكره العدناني من التضييق على أنصار التنظيم ومنعهم من السفر إلى أراضيه، إلا أنه يمكن اعتباره مؤشرًا قويًا على تغيرٍ طرأ على بعض ما اعتبر فيما مضى الأسس الرئيسية التي قام عليها التنظيم وميزته عن غيره من التنظيمات المتطرفة.

نهجٌ مختلف

كان أحد الأعمدة التي قام عليها تنظيم الدولة الإسلامية هو التخلي عن نموذج حرب العصابات لصالح نموذج فرض السيطرة الفعلية على الأرض، والتي اعتبرها التنظيم فيما بعد "أرض الإسلام" أو "الخلافة الإسلامية". رافقت تلك الفكرة التنظيم منذ عهد الاحتلال الأمريكي للعراق، عندما اتحد مجلس شورى المجاهدين، الذي كان يضم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي بعد مبايعته لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ويعتبر الطور الأول لتنظيم الدولة الإسلامية بالإضافة إلى عدة فصائل سنية مسلحة تحارب القوات الأمريكية في العراق، مع المزيد من الفصائل المسلحة لتشكيل دولة العراق الإسلامية.

تشكلت دولة العراق الإسلامية بعد وفاة مؤسس التنظيم أبو مصعب الزرقاوي في حزيران/يونيو 2006، وأُعلن أبو عمر البغدادي أميرًا لها. بعد وفاة أبو عمر البغدادي في عمليةٍ أمريكية-عراقية مشتركة في نيسان/أبريل 2010، آلت زعامة التنظيم إلى قائده الحالي، أبو بكر البغدادي، والذي أعلن نفسه خليفةً للمسلمين في حزيران/يونيو 2014.

لا يمكن مقارنة تعاطي بن لادن أو الظواهري مع الصحافة العالمية بما يفعله البغدادي

ظهر اعتماد دولة العراق الإسلامية لنموذج فرض السيطرة على الأرض في نهج التنظيم تمامًا كما كان واضحًا في الاسم الذي اعتمده. لم يكن إطلاق اسم "دولة" على تنظيمٍ مسلح أمرًا مألوفًا بالنسبة للتنظيمات المسلحة التي تخوض حرب عصابات لاستنزاف قوىً أكبر منها، كما كان حال التنظيم آنذاك، وإنما كان يحاكي الاسم الذي أصبحت أفغانستان تعرف به بعد سقوط جمهورية أفغانستان بقيادة الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغانستاني عام 1992، ليصبح الاسم الرسمي لأفغانستان دولة أفغانستان الإسلامية، والذي عدلته حركة طالبان فيما بعد إلى إمارة أفغانستان الإسلامية بعد سيطرتها على أغلب أراضي البلاد عام 1996. وبالتالي كان اسم التنظيم مؤشرًا واضحًا على النهج الذي كان يتبعه التنظيم والذي واصله أتباعه فيما بعد.

في خريف عام 2006 استولى تنظيم القاعدة في العراق على مدينة بعقوبة، عاصمة محافظة ديالى العراقية، وبحلول آذار/مارس2007 أعلن تنظيم دولة العراق الإسلامية المدينة عاصمةً له. في عام 2006 كان لتنظيم القاعدة في العراق، وتنظيم دولة العراق الإسلامية من بعده، معاقل في محافظة الأنبار، من بينها مدينتي الفلوجة والقائم، وكان هو القوة المهيمنة هناك. في عام 2007 كان لتنظيم دولة العراق الإسلامية وحداتٍ عسكرية في محافظة بغداد، وبحلول عامي 2007 و2008 أصبح للتنظيم معاقل في الموصل بمحافظة نينوى.

خسر التنظيم قواعد عسكرية بمحافظتي الأنبار وبغداد في 2007، وبين 2007 و2009 فقد التنظيم الكثير من الدعم وحرية الحركة والدعم المالي. في النهاية لم تنته سيطرة التنظيم إلا بعد تحالف تجمعات عشائرية سنية تحت اسم مجالس الإسناد أو الإنقاذ (والتي عرفت بالصحوات) مع الحكومة العراقية والقوات الأمريكية لطرد التنظيم من مناطق وجودها.

فيما بعد عاد التنظيم لفرض سيطرته مجددًا مستغلًا الحرب الأهلية السورية والسخط السني المتزايد ضد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي اتبع سياساتٍ طائفية أدت إلى تهميش السنة وتقتيلهم، وليصبح اسم الصحوات هو الاسم المعتمد لدى تنظيم الدولة الإسلامية لجميع التنظيمات المسلحة التي تحاربه حتى إن لم تكن عراقية.

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ صناعة السلاح في إسرائيل..3 مراحل و3 أهداف

داعش مقابل القاعدة

كان من أسباب اختلاف نهج تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" مقارنةً مع نهج تنظيم القاعدة، رغم تبعية الأول للثاني حتى شباط/فبراير 2014، هو اختلاف الظروف والسياق التي نشأ فيها كلا التنظيمين. في عام 1996 فرضت حركة طالبان، الحليف شبه المحلي لتنظيم القاعدة في البلاد، سيطرتها على أغلب أراضي أفغانستان، وبالتالي لم يكن تنظيم القاعدة بحاجة إلى محاربة حكومةٍ محلية تسيطر على البلاد، وإنما اتجه إلى محاربة القوة العظمى التي يناهضها، الولايات المتحدة، والتي كانت الأدبيات الجهاية تعرفها بـ"العدو البعيد"، في مقابل "العدو القريب" الذي تمثله الأنظمة العربية والإسلامية الحليفة لها والمعادية للتنظيم.

كان سبب معاداة تنظيم القاعدة للولايات المتحدة، رغم الدعم الذي قدمته للمقاتلين الإسلاميين ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، هو ما اعتبره "تدنيس" القوات الأجنبية للأراضي المقدسة (السعودية)، وهو ما تمثل إرسال الولايات المتحدة لجيشها وأسطولها ومشاة بحريتها لطرد الجيش العراقي من الكويت وترحيب السعودية بتلك القوات، وربما كانت هذه أحد الجذور الأساسية لدعاية آل بوش ضد صدام حسين والحرب على العراق بحجة دعم الرئيس العراقي للشيخ أسامة.

خرج أسامة بن لادن والمجاهدون من حرب أفغانستان مزهوين بانتصارهم على إحدى القوتين العظميين اللتين حكمتا العالم، ومتصورين أنهم أحد الأسباب الرئيسية إن لم يكن السبب الرئيسي لسقوط الاتحاد السوفيتي، وهو ما جعلهم يطمحون إلى أن يصبحوا قوة إسلامية عابرة للحدود تدافع عن المسلمين حول العالم. جاءت تلك الفرصة عندما غزا الجيش العراقي الكويت واستولى عليها بالقوة في هجومٍ خاطف، ما أرعب الدول الخليجية المجاورة التي لا طاقة لها بمواجهة الجيش العراقي آنذاك، إذ كان متفوقًا على الجيش الصيني لصالح التكتيك القتالي وقدرات الإسناد في وقته.

كان بن لادن مواليًا للعائلة السعودية المالكة آنذاك وكان قد عاد إلى بلاده لإدارة أعمال وثروة عائلته واستقبل هناك استقبال الأبطال. سارع بن لادن إلى إعلان استعداده ورفاقه للدفاع عن أرض الحرمين، منتشين بانتصارهم في الحرب الأفغانية على عدوٍ كان يفوق الجيش العراقي قوة بمراحل، لكن الملك فهد، مدركًا أن وجود الدولة السعودية على المحك، رفض عرضه ووافق على استقبال قوات الولايات المتحدة التي سارعت إلى التدخل.

شاهد بن لادن مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين والأجانب يحتشدون على أراضي الجزيرة العربية، على ما اعتبره أرضًا مقدسة لا يجوز تدنيسها، لتكون تلك بداية تنظيم القاعدة وحربه ضد الولايات المتحدة التي اعتبرها العدو الرئيسي الذي ينبغي على المسلمين محاربته.

لدى بن لادن ذكريات انتصار على السوفيت في جبال الأفغان، لكن ماذا لدى البغدادي؟

وحيث لم يكن للقوات الأمريكية تواجد في أفغانستان، المكان الذي تتركز قوات بن لادن فيه، لذا فقد لجأ تنظيم القاعدة إلى استهداف المصالح الأمريكية حول العالم، وهو الاتجاه الذي تُوج بهجوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. كان بن لادن يهدف إلى إثارة غضب الولايات المتحدة إلى أن تضطر إلى إرسال جيشها إلى أفغانستان لمحاربته، حيث كان يعتقد أن باستطاعته هزيمتها كما حدث مع الاتحاد السوفيتي من قبل، مستحضرًا في تكتيكه الثقيل صورة المجاهدين في حرب غوار تستنزف العدو الأكبر البعيد من مسافة قريبة، وتكون ضربة موجعة أخرى لقوة عظمى أخرى.

في المقابل نشأ تنظيم الدولة الإسلامية ونواته الأولى في بلدٍ يخضع للاحتلال الأمريكي ويحكمه نظام حليف للولايات المتحدة ويخضع لسيطرتها، أي العراق بعد الغزو الأمريكي، وبالتالي كان العدو في المتناول، ولم يكن لدى قادة التنظيم ومقاتليه ذلك الفصل بين العدو القريب والبعيد، حيث كان الاثنان يمثلان الشيء نفسه.

تميز التنظيم منذ البداية بوحشيته المفرطة، والتي حاول تنظيم القاعدة كبح جماحها دون فائدة. كما انخرط التنظيم في حرب طائفية ضد شيعة العراق الذين شكلوا القوة المهيمنة في ظل الاحتلال الأمريكي. استمر التنظيم في انتهاج نموذج فرض سيطرته العسكرية على الأرض وضم المزيد من الأراضي إلى سيطرته، منتهجًا في ذلك العديد من الأساليب أبرزها تصوير نفسه كحامٍ للسنة في وجه الشيعة والولايات المتحدة واستغلال معرفته بالبيئة المجتمعية القبلية لأماكن تواجده والشخصيات البارزة فيها في التخلص من الزعامات المحلية المناهضة له والتقرب إلى تلك التي قد تدعمه. كما استخدم التنظيم العديد من الوسائل الوحشية لإرسال رسائل إلى خصومه خارج نطاق سيطرته وإرهاب السكان في المناطق الخاضعة له.

تُوجت جهود التنظيم في النهاية، بعد هزيمةٍ مرحلية على أيدي تحالف العشائر السنية مع الحكومة العراقية والولايات المتحدة، بالسيطرة على ما يقرب من نصف مساحة سوريا وثلث أراضي العراق، حيث أعلن داعش الخلافة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014، وأعلن البغدادي نفسه خليفةً للمسلمين.

دعا البغدادي وتنظيمه المسلمين من كافة أنحاء العالم للتوجه إلى دولة الخلافة الناشئة لبنائها والدفاع عنها، واعتبر من لم يبايعه من المسلمين خارجًا عن الإسلام لأنه بقيام دولة إسلامية وجب على كل مسلم مبايعتها، حسب التفسيرات الفقهية للتنظيم.

اقرأ/ي أيضًا: صار وجوده رسميًا..بغداد تعين سليماني مستشارًا لها

التحول

على مدار العامين الماضيين، أي منذ إعلان التنظيم خلافته وتشكيل الولايات المتحدة لتحالفٍ دولي لمحاربته، قام التنظيم بشن العديد من الهجماتٍ داخل أوروبا والولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى وبتحريض أنصاره والمتعاطفين معه على شن المزيد منها، في تحولٍ واضح عن النهج الذي كان التنظيم يتبعه نحو ذلك الذي يتبعه تنظيم القاعدة. كان ذلك نتاج عدة أسباب أهمها:

داعش يحاول فرض كلفةٍ ما على الدول التي تشارك في المعركة ضده، وبذلك أصبحت عمليات الذئاب المنفردة في الغرب سلاح التنظيم ضد تلك الدول

وجود دول التحالف الدولي خارج مرمى نيران التنظيم

على عكس القوات الأمريكية في العراق فيما بين 2003 و2011، لا يوجد لأغلب الدول المشاركة في عمليات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية تواجدٌ عسكري في المناطق التي يسيطر عليها أو ينشط فيها التنظيم أو بالقرب منها، بخلاف الطائرات الحربية المشاركة في عمليات التحالف والتي لا يستطيع التنظيم إسقاطها. يتضح ذلك من قائمة الدول التي استهدفها التنظيم عام 2014، حيث بدأ ببلجيكا ثم أستراليا ثم كندا ثم الولايات المتحدة وفرنسا.

كان التنظيم يحاول فرض كلفةٍ ما على دولٍ تشارك في المعركة ضده لكنه لا يستطيع استهدافها، كي يثبت أن محاربته لها ثمنٌ باهظ يتعين على دول التحالف دفعه، وبذلك أصبحت عمليات الذئاب المنفردة في الولايات المتحدة ودول أوروبا وغيرها من الدول المشاركة في التحالف سلاح التنظيم ضد تلك الدول.

التضييق على السفر إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة لتنظيم

مع مرور الوقت ومشاركة بعض الأوروبيين ممن شاركوا في القتال في الحرب الأهلية السورية في عملياتٍ إرهابية بعد عودتهم إلى بلدانهم، ضاعفت مختلف الأجهزة الأمنية جهودها لمنع التحاق المزيد من مواطنيها بالتنظيم الإرهابي. أيضًا قامت تركيا، التي تشكّل حدودها مع التنظيم المنفذ البري الوحيد له إلى العالم الخارجي، بتشديد الرقابة على حدودها وتضييق الخناق على شبكات تجنيد التنظيم، بعد قيام التنظيم بعدة عمليات على الأراضي التركية وزيادة الضغط الدولي عليها لبذل المزيد من الجهد لمحاصرة التنظيم ومنع انضمام المزيد من الأشخاص إليه.

أدى ذلك إلى جعل السفر إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم عملية محفوفة بالمخاطر، وظهر ذلك على سبيل المثال في الانخفاض الكبير في عدد الأمريكيين الذين حاولوا السفر والانضمام إلى التنظيم في الأشهر الماضية. لجأ التنظيم إلى تشجيع أنصاره على القيام بعملياتٍ إرهابية حيث يقيمون، خاصةً في الولايات المتحدة وأوروبا، لنشر الرعب وإثبات قدرته على تنفيذ عملياتٍ في عمق تلك البلدان.

انعدام التكلفة

على عكس تنظيم القاعدة، لا يبذل تنظيم الدولة الإسلامية أي مجهودٍ يذكر في إعداد أنصاره للقيام بالعمليات الإرهابية أو مساعدتهم. تتم عمليات التنظيم بالخارج على نحوٍ غاية في البساطة: يقوم الإرهابي المستقبلي بتدبير احتياجاته من الأسلحة والمتفجرات ولوازمه الأخرى وحده أو بالتعاون مع شركائه، ثم يقوم بتسجيل مقطع فيديو أو مقطع صوتي يعلن فيه ولاءه للتنظيم، ثم ينطلق لتنفيذ العملية. قبل ذلك يكون الإرهابي قد تواصل مع التنظيم ليخبرهم بهدفه وموعد تنفيذ خطته، بحيث يعلن التنظيم مسؤوليته عن العملية فور حدوثها.

بالتالي لا يتكلف التنظيم شيئًا تقريبًا في القيام بمثل تلك العمليات، حتى خسارة العنصر البشري تكاد تكون معدومة لأن أغلب منفذي تلك العمليات لم يكونوا يومًا من أعضاء التنظيم وإنما هم متعاطفون اقتنعوا بدعاية التنظيم وقرروا القيام بعملياتٍ إرهابية لصالحه، مع قيامهم بالتخطيط واختيار الأهداف لكونهم أكثر دراية بالمدن والبلدان التي يعيشون بها.

في النهاية، يمكن القول إن كل ما يفعله التنظيم هو إعلان مسؤوليته عن الهجوم، ليبدأ أنصاره في الاحتفال بما يعتبرونه نصرًا جديدًا، بينما تحاول الدولة التي تعرضت للهجوم استيعاب الصدمة واتخاذ المزيد من الإجراءات الأمنية وبحث سبل الوقاية من هجماتٍ مماثلة في المستقبل.

فقد تنظيم الدولة الإسلامية 45% من الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق و20% من الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرته في سوريا

الدعاية

يحتفي أنصار تنظيم الدولة الإسلامية بالهجمات الإرهابية، خاصةً تلك التي تستهدف غير المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يسود بينهم الشعور بالمظلومية وبأن هجمات التنظيم في تلك الدول هي رد فعلٍ بسيط لما قام به الغرب ضد المسلمين. كما يرون أن نجاح التنظيم في تخطي الإجراءات الأمنية والقيام بهجماتٍ في عمق تلك البلدان هو دليلٌ على قوته ونفوذه في مواجهة من يعتبرونهم أعداء المسلمين، ولربما تكون يد العناية الإلهية جزءًا من الخطة. ينتشر ذلك الشعور بالمظلومية، لأسبابٍ مختلفة، وسط قطاعٍ أكبر من المسلمين يتجاوز مؤيدي التنظيم، وهم الذين يعمل التنظيم على اجتذابهم بتقديم نفسه على أنه حامي المسلمين والقادر على الانتقام لهم من أعدائهم، دون أن تنفي هذه الحالة القطاعات الواسعة التي ترفض التنظيم وكل ما يصدر عنه من قول أو فعل لمجرد أنه صار صادرًا عن "داعش".

تحقيق أهدافٍ استراتيجية للتنظيم

يبرز ذلك العنصر على نحوٍ أوضح في الهجمات التي قام بها التنظيم في مصر وتونس تحديدًا، حيث عمل التنظيم على استهداف السياحة في البلدين، والتي تعد أحد ركائز اقتصاد البلدين كما يعمل بها نسبة كبيرة من القوة العاملة بهما، يضاف إلى أن بدايات الربيع العربي كان تحمل رهانات اقتصادية كبيرة بشأن هذا القطاع في البلدين.

في تونس قام التنظيم بهجومين إرهابيين، أحدهما على متحف باردو في آذار/مارس 2015، والآخر على فندقين بمنتجع سياحي بالقرب من مدينة سوسة بعد ثلاثة أشهر من وقوع الهجوم الأول. أسفر الهجوم الأول عن مقتل 22 شخصًا من بينهم 21 سائحًا أوروبيا، بخلاف منفذه، وإصابة 45 آخرين، بينما أسفر الثاني عن مقتل 38 شخصًا، بخلاف منفذه، وإصابة 39 آخرين.

لكن الأثر الأكبر للهجوم كان الضرر الذي أصاب قطاع السياحة في تونس، والذي يأتي في المرتبة الثانية بعد الصناعات التصديرية ضمن مصادر دخل البلاد من العملة الأجنبية بنسبة 20%، كما يؤمن فرص عمل لما يزيد على 400 ألف شخص، حيث وصل عدد السياح إلى 6.2 مليون سائح عام 2013.

الطائفية والوحشية وجهان لعملة يعلم داعش كيف يسكها جيدًا

في كانون الثاني/ديسمبر الماضي أعلنت وزيرة السياحة والصناعات التقليدية التونسية سلمى اللومي عن تراجع عدد السياح الوافدين إلى تونس حتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 إلى 4.8 مليون سائح، بنسبةٍ انخفاض قدرها 26% مقارنةً بنفس الفترة من عام 2014. كما انخفضت مداخيل البلاد من العملة الأجنبية بنسبة 33% حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر مقارنةً بنفس الفترة من عام 2014. كما توقعت ممثلة الديوان الوطني التونسي للسياحة بباريس وحيدة جعيط، أن تنهي تونس سنة 2016 بانخفاضٍ في عدد السياح الفرنسيين يقدر بنحو 25% مقارنةً مع انخفاضٍ في حدود 32% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.

أما في مصر فقد كان الأثر أكثر فداحة. أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الثلاثاء 7 حزيران/يونيو، انخفاض عدد السياح الوافدين إلى مصر من 923,900 في شهر نيسان/أبريل 2015 إلى 425,000 في نفس الشهر من العام الجاري، بنسبة انخفاضٍ قدرها 54%، فيما كانت نسبة التراجع خلال الثلث الأول من العام (كانون الأول/يناير-نيسان/أبريل) 48.7%، مقارنةً بالثلث الأول من 2015. كما انخفض عدد الليالي التي قضاها السائحون في مصر في نيسان/أبريل الفائت بنسبة 74.6% مقارنةً بنفس الشهر 2015، مع انخفاض عدد الليالي التي قضاها السائحون الروس تحديدًا بنسبة 99.4%.

يعد السبب الرئيسي وراء ذلك الانخفاض الكبير هو سقوط الطائرة الروسية "متروجت 9268" فوق سيناء في تشرين الأول/أكتوبر 2015، ما أدى إلى قيام موسكو بتعليق كافة رحلاتها الجوية إلى مصر، حيث كان السياح الروس يشكلون أكبر نسبة من السياح الأجانب الوافدين إلى مصر بفارقٍ كبير عن الجنسيات الأخرى. أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن إسقاط الطائرة باستخدام قنبلة بدائية الصنع قال إنه استطاع تهريبها إلى الطائرة من مطار شرم الشيخ عبر ثغرة أمنية، ما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متن الطائرة وعددهم 224.

في كانون الأول/يناير 2016 قام مسلحان من أنصار التنظيم بهجومٍ على أحد الفنادق بمدينة الغردقة أسفر عن إصابة ثلاثة سائحين ومقتل أحد منفذيه. مؤكدًا استهداف التنظيم لذلك القطاع.

يحاول داعش تغذية الانقسامات الطائفية، ويعتقد أن ذلك سوف يؤدي إلى انحياز المسلمين السنة إليه عندما يحتدم الصراع الطائفي أكثر

يستهدف التنظيم من ضرب قطاع السياحة لبعض البلدان ضرب اقتصاداتها والتأثير على مواردها، بالإضافة إلى زيادة نسبة البطالة ما قد يدفع المزيد من الشباب إلى الارتماء في أحضان التنظيم وتبني إيديولوجيته المتطرفة.

تفكيك النسيج الاجتماعي

يعد ذلك الهدف ضمن الأهداف الاستراتيجية التي يسعى التنظيم إلى تحقيقها، لكنه يختلف في كونه الهدف النهائي والأبعد مدى للتنظيم. يحاول التنظيم استغلال الانقسامات الطائفية والعرقية في البلدان التي يستهدفها، ويعتقد أن ذلك سوف يؤدي إلى انحياز المسلمين السنة إليه عندما يحتدم الصراع بين مختلف مكونات التركيبة السكانية.

في السعودية على سبيل المثال قام التنظيم، إلى جانب استهدافه لقوات الشرطة، باستهداف مساجد الشيعة شرقي البلاد. يهدف التنظيم بذلك إلى تقوية الشعور بالاضطهاد وسط شيعة السعودية، نتيجة الإحساس بعدم قيام النظام بما يكفي لحمايتهم، مما يؤدي إلى زيادة عدائهم للنظام السعودي وللأغلبية السنية في البلاد.

كما يهدف التنظيم أيضًا إلى استغلال مشاعر العداء للشيعة لدى بعض السعوديين السنة الذين سيرون أن النظام الحاكم ليس فقط أقل عداءً للشيعة وإنما يقوم بحمايتهم من هجمات التنظيم التي تستهدفهم. في النهاية قد يتطور الأمر إلى حدوث اقتتالٍ أهلي بين السنة والشيعة، وهو ما يعتبره التنظيم هدفه الرئيسي، لأنه سيولد البيئة الخصبة التي تسمح بنمو التنظيم وفرض سيطرته كما فعل في سوريا والعراق.

أما في الدول الغربية خاصًة في أوروبا والولايات المتحدة فيسعى التنظيم إلى استعداء المسلمين على الأنظمة الحاكمة وبقية سكان البلاد. بمرور الوقت سيؤدي ذلك إلى تنامي الشك في الأقليات المسلمة ونوعٍ من العزلٍ المجتمعي مع تصاعد نبرة العداء للإسلام والمسلمين، حينها سيصبح أمام المسلمين في تلك البلدان إما محاولة الاندماج أكثر في تلك الدول والمجتمعات (وهو ما يعده التنظيم ردةً عن الإسلام باعتباره موالاةً لأعداء المسلمين) أو معاداتها وتنفيذ عملياتٍ إرهابية لصالح التنظيم. يحاول التنظيم من خلال ذلك الوصول إلى ما أسماه صامويل هنتنجتون صدام الحضارات، حيث ينتظر التنظيم أن يصبح الممثل الشرعي والوحيد لمسلمي العالم في مواجهة الغرب والشرق على حدٍ سواء!

نكسات التنظيم في الميدان

فقد تنظيم الدولة الإسلامية 45% من الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق، و20% من الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرته في سوريا، حسب تقديرات التحالف الدولي لمحاربة التنظيم الذي تقوده الولايات المتحدة.

يرى أغلب المحللون أن التنظيم قد فقد الزخم وقدرته على تولي زمام مبادرة في القتال الدائر، وأن خسائر التنظيم المتصاعدة هي مؤشرٌ على اقتراب نهايته، وهو ما بدا جليًا أيضًا في التسجيل الصوتي للعدناني. قال العدناني في كلمته مخاطبًا الولايات المتحدة: "أم تحسبين أمريكا أن الهزيمة فقدان مدينةً أو خسارة أرض، وهل انهزمنا عندما خسرنا المدن في العراق وبتنا في الصحراء بلا مدينةٍ ولا أرض؟ وهل سنهزم وتنتصرين إذا أخذتِ الموصل أو سرت أو الرقة أو جميع المدن وعدنا كما كنا أول حال؟ كلا، إن الهزيمة فقدان الإرادة والرغبة في القتال".

يعد ما سبق انحرافًا واضحًا عن مضمون الرسائل التي اعتادت إصدارات التنظيم السابقة بثها على أنصاره، والتي كان مضمونها هو الشعار الذي اختاره التنظيم لنفسه "باقية وتتمدد". كانت إصدارات التنظيم تحرص على التباهي بالانتصارات التي يحققها والتقليل من شأن الإخفاقات التي يلاقيها بوصفها بأنها مجرد انتكاساتٍ عابرة سيتجاوزها التنظيم ليعود أقوى مما سبق. أما في كلمة العدناني الأخيرة، فقد اختلف الحال. لم يتباه العدناني بانتصارات تنظيمه أو يعد بتحقيق المزيد منها، وإنما أعلن أن خسارة مقاتلي التنظيم السيطرة على المدن التي يسيطر عليها لن تكون نهاية الحرب، وأنه طالما احتفظ التنظيم بالإرادة والرغبة في القتال فإنه لم ينهزم.

يمكن اعتبار ذلك مؤشرًٌا على إدراك التنظيم أن سيطرته الحالية على المدن والأراضي في سوريا والعراق باتت على أبواب نهايتها، وأنه يعد نفسه ويعد أنصاره لتقبل فقدان السيطرة على ما كان يعتبره "أرض الخلافة"، وهو ما سيشكل ضربةً قاصمة للنموذج الذي تبناه التنظيم منذ مراحله الأولى في العراق إبان عهد الاحتلال الأمريكي. رد فعل التنظيم، كما بدا من كلمة العدناني، هو اللجوء إلى نهج تنظيم القاعدة، في الحث على شن المزيد من الهجمات في دول الغرب وإعطائها الأولوية على السفر والانضمام إلى معاقل التنظيم في سوريا والعراق. فهل تشهد الشهور والأعوام المقبلة تحول تنظيم الدولة الإسلامية إلى نسخةٍ أخرى لا أكثر من تنظيم القاعدة؟!

اقرأ/ي أيضًا:

مساع لإعادة مقاتلين في الحشد الشعبي لجؤوا لأوروبا

نواب سنة وكرد يخشون العودة إلى بغداد