هل تتحكم الوراثة في أقدارنا حقًا؟

هل تتحكم الوراثة في أقدارنا حقًا؟

ما الذي يتحكم في سلوك الإنسان، الجينات أم التنشئة؟ (Inverse)

عندما ظهر علم النفس في أوائل القرن الـ20، انصب تركيزه على العوامل البيئية المؤثرة في السلوك. آمن علماء النفس آنذاك بأننا ما نتعلمه، حتى بدأ علماء الوراثة في تحدي هذا المفهوم. فعلى سبيل المثال، قد يدور المرض العقلي بين عائلات، فالأطفال يتشابهون وراثيًا مع آبائهم بنسبة 50%.

ما زال هناك انقسام حول أصول سماتنا وسلوكنا، فالبيولوجيون يرجعونها للوراثة الجينية، وعلماء النفس السلوكي يشددون على تأثير البيئة والتربية

لذا أجرى العلماء دراسات طويلة المدى على الأقارب، خاصة التوائم، لاختبار فرضية الطبيعة أو التربية، فوجدوا أن الوراثة تساهم بشكل كبير في جميع الاختلافات النفسية بيننا.

اقرأ/ي أيضًا: هندسة الطبيعة البشرية.. تاريخ وتلاعب

واعتقد بعض علماء النفس، مثل فرانسيس جالتون، أنه ينبغي تشجيع الأفراد الأذكياء على الزواج والتكاثر، في حين يجب عدم تشجيع الأفراد الأقل ذكاء على التكاثر.

ووفقًا لعالم النفس النمساوي ألفريد أدلر، فيمكن أن يؤثر ترتيب ميلادك على شخصيتك؛ فالطفل الأكبر سنًا يشعر بأنه متفوق وقوي، والطفل الأوسط يكون تنافسي، فيما يعتمد الطفل الأصغر على الآخرين. لكن قلة من الأبحاث التجريبية التي تدعم هذه النظرية.

وهكذا تبقى قضية ما إذا كان السمات الشخصية فطرية أم مكتسبة، وطبيعية أم تترتب على التنشئة؛ واحدة من أكثر القضايا الفلسفية والعلمية إثارة للجدل.

الجينات
يعتقد علماء البيولوجيا أن الجينات المسؤولة الأساسية عن سلوك الإنسان

والطبيعة هي جميع الجينات والعوامل الوراثية التي تؤثر علينا، بداية من مظهرنا البدني وحتى خصائص شخصياتنا، أما التنشئة في جميع المتغيرات البيئية التي تؤثر فينا، بما في ذلك تجارب طفولتنا المبكرة، وكيف نشأنا، وعلاقاتنا الاجتماعية وثقافتنا المحيطة.

وحتى اليوم، ما زال هذا الانقسام حاضرًا، فعلم النفس البيولوجي يشدد على أهمية الوراثة والتأثيرات البيولوجية، في حين يؤكد علم النفس السلوكي على تأثير البيئة في السلوك.

فيما يرى آخرون أنه قد تتحكم جيناتك جزئيًا في الطريقة التي تجري بها محادثة، وتشكل علاقات مع الآخرين، مثلما تشكل خبراتك في الحياة مواقفك وسلوكياتك، ويشكل هذا المزيج من الوراثة والخبرات الخاصة بك هويتك وسلوكك.

من أين تأتي الشخصية

تُحدد شخصياتنا من نحن، إذ إنها تحدد مزاجنا وسلوكياتنا وتفاعلنا مع بعضنا البعض، وتتغير وتتكيف باستمرار على مدار عمرنا. لكن من أين تأتي الشخصية؟ هل هي وراثية أي نرثها من أسلافنا، أو وليدة البيئة التي نشأنا فيها أم كلاهما؟ وهل بيئاتنا تتغير باستمرار، وتغيرنا معها؟ أم أن جيناتنا تحدد متى وكيف تتغير شخصياتنا؟

نرث نحو 50% من جيناتنا من آبائنا، وهذا التركيب الوراثي يمكن أن يؤثر في شخصياتنا، فنحن نرث سماتنا الشخصية من أجدادنا مثل لون العين والشعر، ونحن جميعنا لدينا غريزة تعلم اللغة والمشي، لكن هناك أفراد منا أفضل في بعض هذه الأشياء عن الآخرين، فلماذا؟

تفترض النظريات البيولوجية أن اختلافات الشخصية يستند جزئيًا إلى بنية وأنظمة الجهاز العصبي المركزي، مثل الهرمونات والوراثة والناقلات العصبية؛ ما يعني أن شخصياتنا تختلف بسبب الجينات التي نملكها، وكيفية تنظيم جسدنا لها.

واقترح بعض الفلاسفة مثل أفلاطون وديكارت أن بعض الأشياء فطرية، أو تحدث بشكل طبيعي بغض النظر عن الموقف، وأن معظم سلوكياتنا وخصائصنا وراثية. ويعتقد المدافعون عن وجهة النظر هذه، أن كل خصائصنا وسلوكياتنا هي نتيجة للتطور، وتؤثر الصفات الوراثية الموروثة من الآباء في الفروق الفردية التي تجعل كل شخص فريدًا.

هل تتحكم ميولنا الوراثية بنا؟

تشير عدد من الدراسات على التوائم والأطفال المتبنين، أن التأثير الوراثي أكبر على الشخصية من التربية التي يتلقاها الطفل. وتظهر الأبحاث أن الشخص يبقى الشخص نفسه، فحتى إن كانت التأثيرات البيئية مهمة، لكنها غير منهجية وغير مستقرة وعشوائية.

الجينات
بالنسبة لبعض الطباع قد تكون الجينات الوراثية أقوى من التنشئة 

ووفقًا لعالم النفس السويسري كارل يونغ، يدفع عقلنا اللاواعي سلوكياتنا وتفاعلاتنا، أي أنه جزء أساسي من شخصيتنا، ويتألف من ذكريات أسلافنا، ما يعني أن الجانب الوراثي يؤثر في شخصيتنا وسلوكنا.

علاوة على ذلك، نحن نختار ونعدل، بل حتى ننشئ بيئاتنا بما يتماشى مع ميولنا الوراثية، لكن لا تعني الارتباطات بين البيئة والسمات النفسية أن البيئة تتسبب في هذه السمات النفسية، فعلى سبيل المثال ترتبط سلبية الوالدين بسلوك الأطفال المعادي للمجتمع، لكن هذا لا يعني أن الوالدين يتسببان في سلوك أبنائهم المعادي للمجتمع، وإنما يحدث هذا الارتباط بسبب استجابة الآباء سلبًا لميول أطفالهم التي تحركها جيناتهم.

فالجانب الوراثي هو مصدر ثابت مدى الحياة للفردية النفسية، ويجعلنا من نحن عليه. ويمكن أن تغير البيئة هذه السمات مؤقتًا، لكن بعد ذلك نعود إلى مسارنا الوراثي، لذا تشير هذه النتائج إلى ضرورة إعادة التفكير في الأبوة والأمومة والتعليم والأحداث التي تشكل حياتنا، مثلما توفر منظورًا حول تكافؤ الفرص والحركية الاجتماعية وهيكل المجتمع.

هل يمكن تحمل نتائج أفعالنا إن كانت وراثية؟

إذا كانت شخصياتنا ناتجة عن الجانب الوراثي، فهل يمكننا أن نتحمل مسؤولية ما نقوم به، أم أنه خطأ أجدادنا القدماء؟!

هذه الجدلية، دعت علماء آخرون للنظر إلى الجانب المقابل، أي البيئة، فالبعض ينشأ غنيًا وبعضهم الآخر ينشأ فقيرًا، وبعضهم يعيش في المدن، بينما يعيش آخرون في القرى الريفية، وبعض الناس لديه أخوات فيما ليس لآخرين أي أشقاء على الإطلاق.

على الجانب الأخر، إذا أحرز الشخص نجاحًا أكاديميًا كبيرًا، فهل يكون هذا بسبب استعداده الوراثي ليكون ناجحًا، أم أنه نتيجة لبيئة ثريّة؟ وإذا أساء رجل معاملة زوجته وأطفاله، فهل هذا بسبب ميوله الوراثية العنيفة، أم أنه تعلم ذلك من مراقبة والديه؟

وعلى الرغم من كون متوسط العمر المتوقع والطول على سبيل المثال، أمران يترتبطان ارتباطًا وثيقًا بالوراثة الجينية، إلا أنهما يتأثران أيضًا بالعوامل البيئية وأسلوب الحياة. فقد يأتي طفل من عائلة أفرادها طوال القامة، ما يعني أنه ورث جينات طول القامة، لكنه مع ذلك إذا نشأ في بيئة محرومة، لا يتلقى فيها التغذية المناسبة، فقد لا يصل أبدًا إلى الطول الذي كان سيكون عليه لو نشأ في بيئة صحية.

لذلك يجادل البعض بأن شخصياتنا تتأثر على نحو كبير ببيئتنا أكثر من الوراثة، فجزء كبير من شخصياتنا يعتمد على تكييف قدراتنا المعرفية ومصالحنا الاجتماعية، ولا يمكننا تعلم هذه القدرة على التكيف إلا من خلال التفاعل مع بيئتنا، مثل الأطفال الذي يتعرضون للتنمر، يكبرون فيما بعد ليصبحوا أشخاصًا شديدي الانطوائية.

إذًا، فكيفية تصرف شخص تتأثر بأساليب الأبوة والأمومة والخبرات المكتسبة، على سبيل المثال، قد يتعلم الطفل من خلال الملاحظة والتشجيع على قول "من فضلك" و"شكرًا"، فيما قد يتعلم طفل آخر التصرف بقسوة من خلال مراقبة الأطفال الأكبر سنًا ينخرطون في سلوك عنيف في الملعب.

التربية
تُساهم التنشئة منذ الطفولة بشكل أساسي في سلوك الإنسان

على الجانب الآخر، وجد الباحثون أن قدرة المرء على اكتشاف درجة النغمة الموسيقية المثالية دون أي إشارة تميل إلى التوارث عبر الأجيال، لكنهم اكتشفوا أيضًا أن امتلاك الجينة وحدها لا يكفي لتطوير هذه القدرة، وإنما يجب أن يخضع المرء لتدريب موسيقي خلال الطفولة المبكرة للسماح بهذه القدرة الموروثة بإظهار نفسها.

الوراثة والبيئة معًا

وعلى ذلك، آمن بعض المفكرين والعلماء بأن العقل يبدأ كقائمة فارغة، وكل ما نحن عليه وكل معرفتنا، تحددها التجارب. ويعتقد هؤلاء بأن كل أو معظم، السلوكيات والخصائص الشخصية، تنتج من التعلم والتكيف، فيعتقد عدد من المنظرين أنه يمكن تدريب الناس على القيام بأي شيء، وأن يصبحوا أي شيء، بغض النظر عن خلفيتهم الجينية.

وتشير دراسات إلى أن الشخصية وليدة التطور الثقافي، والتفاعلات مع الآخرين، ووليدة بيئتنا عندما كنا أطفالًا. لذا بدأ عديد علماء النفس يتبنون وجهة نظر مفادها أن جميع جوانب البشر تتأثر بالجينات والبيئة معًا؛ فالجينات نرثها، لكنها لا تحدد سلوكنا، فشخصياتنا معقدة للغاية بحيث يصعب اعتقاد وجود سبب واحد يتحكم بها، وإنما تتأثر بغيرها من البشر وبالبيئة التي نعيش بها.

يتبنى العديد من العلماء وجهة نظر مفادها أن الجينات ليست قوية بما يكفي لتتحكم في شخصية الإنسان وحدها، وأن عامل التنشئة أساسي

تبني الطيور أعشاشها بشكل طبيعي، ويتعلم البشر غريزيًا المشي والكلام. لكن قوة هذه السمات، تختلف داخل الأنواع، فعلى الرغم من أن الأرانب خائفون بشكل طبيعي، لكن بعضها أكثر خوفًا من غيرها، وبعض البشر يتعلم الكتابة والتحدث بشكل أفضل من الآخرين، إذًا فالجينات ليست قوية بما يكفي للتحكم في شخصياتنا، فالعوامل الوراثية تعمل دائمًا مع العوامل البيئية لتكوين الشخصية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هذه العائلة الإيطالية لا تشعر بالألم.. والعلماء يعرفون السبب أخيرًا

البيولوجيا التخليقية.. هل يستطيع الإنسان صناعة مخلوقات حيّة قريبًا؟!