هل بإمكان الذكاء الاصطناعي قياس الألم والتعبير عنه بدلاً من المرضى؟
27 أكتوبر 2025
بينما يتفقد الطبيب مريضه بكل ثقة، حاملاً في يده ميزان الحرارة، وجهاز قياس ضغط الدم، ونتائج تحليل السكر، ليحصل على تشخيص مبدئي واضح من خلال الأرقام والمؤشرات الحيوية القابلة للقياس، قد يقف عاجزًا عن تحديد درجة أو شدة الألم الذي يعاني منه المريض، فلا جهاز حتى الآن يمكنه قياس هذا الشعور الشخصي الغامض بدقة، ولا تحليل يكشف شدته.
يعدّ الألم عرضًا معقدًا ومتعدد العوامل، وقد يختلف المرضى اختلافًا كبيرًا، حتى مع التشخيص نفسه في وصفهم للألم، كونه تجربة ذاتية يصعب تحديدها كميًّا، خاصة لدى الأشخاص غير القادرين على التعبير، أو الذين يصعب تفسير تعبيرهم عنه.
تعرّف الرابطة الدولية لدراسة الألم (IASP) الألمَ على أنه "تجربة حسيّة وعاطفية مزعجة مرتبطة بتلف فعلي أو محتمل في الأنسجة، أو موصوفة من حيث هذا الضرر".
يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة تقدير شدة الألم، وتصنيف أنواعه المختلفة، ومراقبته باستمرار، والتنبؤ باستجابات العلاج
وتعتمد الطرق التقليدية لتقييم الألم بشكل أساسي على درجات الإفصاح الذاتي للمريض، والتي يمكن أن تتأثر بعوامل مختلفة مثل التحيزات الثقافية والنفسية والاجتماعية.
علاوة على ذلك، فإن درجات الإفصاح هذه قد تكون غير مجدية للمرضى الذين لا يستطيعون التواصل أو التعبير عن تجربة الألم بشكل صحيح.
لكن مناهج وتطبيقات قائمة على الذكاء الاصطناعي، ظهرت مؤخرًا لتفتح آفاقًا علمية جديدة في تحسين تقييم الألم، من خلال توفير مقاييس آلية موضوعية وموحدة.
ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة مثل التعلّم الآلي والعميق، والرؤية الحاسوبية، وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، وتطبيقات الهواتف الذكيّة، تقدير شدة الألم، وتصنيف أنواعه المختلفة، ومراقبته باستمرار، والتنبؤ باستجابات العلاج.
خوارزميات التعلم الآلي
تُعدّ تقنيات التعلم الآلي (ML) مفيدة للغاية في تصنيف الألم بدقة، والتنبؤ بالعلاج، وقد أظهرت نتائج واعدة في حالات الألم المختلفة.
يمكن لهذه التقنيات التعامل مع العلاقات المعقدة وغير الخطية، وتحليل مصادر البيانات المختلفة، مثل الإشارات الفسيولوجية، والنتائج المبلّغ عنها من قبل المرضى، وبيانات التصوير، والإشارات الكهربية القادمة من الدماغ.
طورت العديد من الدراسات نماذج جديدة للتعرف على الألم باستخدام التعلم الذاتي من خلال تحليل تعابير آلام الوجه في مقاطع الفيديو في الوقت الفعلي، إذ كانوا قادرين على اكتشاف الألم تلقائيًا بنجاح، وبدقة عالية نسبيًا في أكثر من 95% من الأشخاص.
واستخدمت دراسات أخرى النهج القائم على الذكاء الاصطناعي لتحليل الملاحظات السريرية وسجلات المرضى مع معلومات تقييم الألم لتحديد المكونات المتعلقة بتصنيفات وشدة الألم.
الرؤية الحاسوبية
الرؤية الحاسوبية (CV) هي مجال من مجالات الذكاء الاصطناعي، يستخدم التعلّم الآلي والشبكات العصبية لتمكين الحواسيب والأنظمة من فهم العالم المرئي وتفسيره.
تحاكي الرؤية الحاسوبية تعقيد الرؤية البشرية، وبفضل التطورات في الذكاء الاصطناعي، تَمكّن هذا المجال ليس فقط من مواكبة البشر، بل والتفوق عليهم في بعض المهام المتعلقة بالتعرف على الصور الرقمية أو مقاطع الفيديو، واستخراج ميزاتها، ووضع العلامات عليها.
أثبتت تقنيات الرؤية الحاسوبية فعاليتها في تقييم الألم من خلال تحليل العلامات أو الإشارات المرئية مثل تعابير الوجه والسلوكيات المتعلقة بالألم، مثل التجهم أو العبوس، أو وضعيات الجسم أو أنماط الحركة.
الأجهزة القابلة للارتداء
أجهزة الاستشعار الذكية القابلة للارتداء هي أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تتيح المراقبة المستمرة للأنشطة الفسيولوجية البشرية والعلامات الحيوية وحركات الجسم دون أي إزعاج لأنشطة الحياة اليومية.
توفّر الأجهزة القابلة للارتداء والمجهزة بتقنية الذكاء الاصطناعي إمكانية المراقبة المستمرة للألم في الوقت الفعلي، وتجمع هذه الأدوات بيانات عن مستويات الألم والنشاط البدني وأنماط النوم والالتزام بالأدوية.
وتتمتع الأجهزة القابلة للارتداء بالقدرة على جمع كمية هائلة من البيانات باستمرار من المرضى للمساعدة في متابعة وإدارة العديد من الحالات المزمنة.
تشمل الأجهزة القابلة للارتداء، الأساور والساعات الذكية وأجهزة الاستشعار المحمولة القابلة للارتداء والقمصان الذكية القابلة للارتداء.
التنبؤ وصنع القرار
يمكن لتطبيقات خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أن تتنبأ بنتائج الألم، واستجابات العلاج المحتملة، وكيفية تلقي العلاج.
وبإمكانها أيضًا أن تساعد في اختيار أفضل التدخلات، ومساعدة مقدمي الرعاية الصحية والأطباء في تقييمات الألم، وفقًا لذلك، يمكنهم اتخاذ قرارات لتشخيص الألم بدقة، وتقليل الأخطاء، وزيادة فعالية العلاج.
ويستطيع اتخاذ القرار الآلي أيضًا على المرضى الذين لا يستطيعون التواصل أو غير قادرين على التعبير عن تجربة الألم الخاصة بهم مثل الأطفال والرضّع وكبار السن.
تطبيقات الهواتف الذكية
قد يكون الخبر السار للأطباء وذوي المرضى أن هذه التكنولوجيا لم تعد تقتصر على مراكز الرعاية الصحية الكبيرة المزودة بأجهزة باهظة الثمن، بل يمكن حملها في جيبك من خلال تطبيقات متاحة للعموم على متاجر تطبيقات الهواتف الذكية.
وباستخدام الذكاء الاصطناعي، يُحدد تطبيق "بين تشيك" (PainChek) ويقيّم وجود الألم حتى لو لم يكن واضحًا، إذ تلتقط كاميرا الهاتف الذكي وجه الشخص، ثم تُحلل الصور باستخدام تقنية التعرف على الوجه المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما يتعرف التطبيق تلقائيًا على حركات عضلات الوجه الدالة على الألم ويسجلها.
وبفضل تحليل البيانات الذي يجريه التطبيق، يتيح لمتخصصي الرعاية الصحية الوصول إلى معلومات قيّمة يمكنها تعزيز ممارسات إدارة الألم وتحقيق نتائج أفضل عبر مستويات متعددة من الرعاية.
يعمل "بين تشيك" مثل مقياس حرارة قائم على الكاميرا، ولكن للألم، وحالما يفتح عامل الرعاية التطبيق على بعد 30 سم من وجه الشخص لمدة ثلاث ثوان، تبحث الشبكة العصبية عن مجموعة حركات مجهرية معينة، مثل رفع الشفة العليا، وقرصة الحاجب، وتوتر الخد، وما إلى ذلك، والتي ربطتها الأبحاث بقوة بالألم، ثم تظهر على الشاشة درجة من 0 إلى 42 تعبّر عن شدة الألم، وتُخزّن هذه النتيجة سحابيًا لتشكّل مع النتائج الأخرى أساسًا يدعم تدخلات إدارة الألم، ومراقبة فعاليتها بشكل مستمر مع مرور الوقت.







