هل العلمانية كافية لمواجهة الطائفية في لبنان؟

هل العلمانية كافية لمواجهة الطائفية في لبنان؟

لافتة من مظاهرة في لبنان تطرح العلمانية في مواجهة الطائفية (Secularism)

من المعلوم أن الطائفية في المجتمع اللبناني تحولت إلى نظام اجتماعي وسياسي يعبر عن نفسه بصورة منظمة. والواضح أن الطائفية ظاهرة كلية تشمل ما هو أوسع من النطاق السياسي البحت، لأنها على علاقة وثيقة بالقطاعات الاقتصادية والثقافية والتربوية والنفسية للأفراد.

قد تكون العلمانية بديلًا صالحًا للطائفية سياسيًا، لكنها لا تكفي لإلغاء الطائفية على مستوى علاقات الأفراد والجماعات

فالمجتمع الطائفي يعيش في جو ثقافة طائفية تتحدر عناصرها الأساسية من نظرة لاهوتية إلى الإنسان والكون، ومن مجموع أنماط نفسية ملازمة لحياة الطائفة.

اقرأ/ي أيضًا: العلمانية المشوّهة عند العقل الأصولي 

وتأتي المطالبة بالعلمانية في سياق تحصيل حقوق المواطن الأساسية من عدالة وحرية ومساواة، والنصر يأتي عبر إنتصار الولاء للكل على الولاء للجزء أي تحقيق وحدة الشعب والأمة التي تذوب فيها النزاعات الطائفية. والمطالبون بالعلمانية في لبنان والمجتمعات العربية يتغنون بالنماذج الغربية ويبتغون إسقاطها على واقع الحال في مجتمعاتهم.

لكن ما هو شرط تحقيق العلمانية؟

يمكن القول أن العلمانية بديل صالح للطائفية على صعيد المجتمع السياسي المدني فقط، لكن الطائفية تتجاوز حدود المجتمع السياسي المدني وتشمل ما هو أعمق وأهم، ألا وهو الأسس النفسية والسلوكية التي تحكم وتربط العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات. ومن هنا ضرورة البحث عن مُكمل للعلمانية كبديل للطائفية.

فإقرار القوانين المدنية السياسية على أساس العلمانية لا يكفي لإلغاء الطائفية تمامًا، نظرًا لقوة الجذور الدينية الطائفية في التراث والوعي العام، وضعف النقد الفلسفي للدين في الثقافة العامة، لذا لم تحرز العلمانية التقدم الملموس الذي يمكنها من تثبيت نفسها كنظام في لبنان.

بكلام آخر: إن الانتقال من المجتمع الطائفي إلى النظام العلماني لا يتم بنجاح دون الاستناد إلى شرط رئيسي، ألا وهو تحقيق الصفة "العلمية" في المجتمع. إذ لا يمكن أن تتم علمنة المجتمع والدولة إذا كانا بعيدين عن مجالات العلمية. إضافة إلى أنه لا يمكن نشر العلمية دون تبني النتائج المترتبة عليها.

لو كانت الثقافة العلمية منتشرة في الأوساط والفئات الإجتماعية لكانت حظوظ العلمانية أقوى وأوسع، إذن فالمعركة ضد الطائفية تشمل نطاق الثقافة العامة السائدة في المجتمع، وإذا لم يتم تحقيق إنتصارات على هذا الصعيد فإن العلمنة تبقى مجرد طرح نظري مرغوب فيه دون إمكانية تحقيقه.

ماذا تعني الصفة العلمية؟

يوضح المفكر اللبناني ناصيف نصار في كتابه "نحو مجتمع جديد"، ماهية الصفة العلمية بقوله: "هي صفة عقلية ينتج الحكم فيها عن تلك المنطقة المتميزة، أي منطقة العقل القائم على مبادئ عدم التناقض والسببية والحجة الكافية"، مضيفًا: "هي صفة منهجية، أي أن سير البحث الموصل إلى الحكم، مقيد بقواعد معينة". ويقول أيضًا: "الصفة العلمية موضوعية، أي أن مضمون البحث والنتائج مستمد من الواقع".

يرى نصار أن الصفة العلمية تعني أن الفرد مرتفع عن فرديته ليرتقي إلى المصلحة العامة، أي مصلحة المجتمع، أي أن المواطن يدرك مصلحته كما يدرك مصلحة الآخرين، ضمن الظروف والشروط الاجتماعية للمجتمع والدولة ككل.

وما يعنيه ذلك، أن الصفة العلمية تترفع فوق شخصنة المسائل، بينما في التفكير الطائفي يحصر الحكم على أساس وجود الطائفة ومصلحتها كأنها كيان يتمتع برغبات وخصائص، وأفقها محدود بالمنفعة المباشرة.

والمجتمع العلمي في رأي نصار، هو "الذي يقيم علاقة صحيحة بين العلم والسياسة، وبين الدولة والجماعات، مما يخلق هوية جديدة للمجتمع اللبناني قائمة على أساس خلق مجتمع سياسي مدني تتفتح على أثرها الديمقراطية".

ويشرح نصار أن استعداد المجتمع لتقبل العلمانية، يجب أن يسبقه "استعداد لاستعمال المنهج العلمي في التفكير والعمل". كما يرى أن المقصود بالمعارف والوسائل العلمية، ليس مقتصرًا على مجال الرياضيات والعلوم الطبيعية، وإنما على العلوم الإنسانية التي تؤثر في نوع العلمية التي يأخذ بها المجتمع. برأيه تقدم علوم الرياضيات والطبيعة الوسائل اللازمة للسيطرة على الطبيعة بينما تقدم العلوم الإنسانية الوسائل اللازمة للسيطرة على الإنسان والمجتمع.

وعليه فإن درجة العلمية ونوعيتها في مجتمع ما، تقاس بالرجوع إلى المعارف والوسائل التي يستمدها مجتمع ما من العلوم الإنسانية والطبيعية والتي يؤسس عليها نظرته إلى نفسه ومواقفه وتصرفاته.

فالعلوم توسع مدى قدرة الإنسان على تسيير أموره بحسب خطة مرسومة. فالآلات على أشكالها، والنظريات على أنواعها، تظهر قيمتها عندما يستعملها الإنسان لإحداث نتائج معينة مقصودة.

ويقول نصار: "تختصر فكرة التخطيط كل ما يمكن قوله في موضوع المجتمع العلمي"، فالتخطيط تأليف بين النظرية والتطبيق، أي أنه يقوم على أساس دراسة علمية للواقع الإجتماعي في محاولة لتسيير الواقع وتوجيهه في إتجاه محدد. وحينها يمكن الحديث عن تخطيط الإقتصاد، وتخطيط التربية والتعليم، وتخطيط الإعلام وغيرها في كل القطاعات.

ويضيف عنصرًا جوهريًا في تحقيق العلمية، ألا وهو الصناعة، أي تحويل المجتمع إلى مجتمع صناعي كشرط أساسي لتحقيق الصفة العلمية، وتثبيت العلمانية كنظام وتحقيق الديمقراطي.

طريق الثورة العلمية؟

المسؤول عن وضع التخطيط وتنفيذه هي الدولة وبالتالي الحكومة. إذًا فالمجتمع العلمي يستدعي دولة علمية، وبالتالي حكومة تدير شؤون المجتمع وفق المنهج العلمي. ثم يعود السؤال من جديد: إذا كانت الدولة غير علمية وكان المجتمع أيضًا غير علمي، فكيف العمل من أجل تحويلهما إلى العلمية؟

يجيب نصار عن هذه الأسئلة بالقول، إن "الأمر معقد لأنه يعني الخروج من الواقع النظري إلى الواقع الملموس والبحث في تشابك العلاقات الاجتماعية وحركة المجتمع وتركيباته، وما يتبين أن هذا التحول إنما يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا يتمثل بتحقيق الثورة المجتمعية التي تتألف من الثورة السياسية والثورة الثقافية والثورة الإقتصادية، وتعيين أولية أي من الثورات يعود إلى نمط تركيب المجتمع".

وهذا يعني أن الثورة الثقافية في المجتمع اللبناني مدعوة إلى تغيير المقاييس والغايات التي تخضع لها الثقافة السائدة في المجتمع اللبناني. بكلام آخر: يتعين على الثقافة العلمية مهاجمة الثقافة الطائفية التي تدخل في سلوك الأفراد مقاييس التقليد قبل مقاييس التجديد، إضافة إلى الإنقسام والتعصب. ويتعين عليها مهاجمة الثقافة الأدبية التي تحشو العقول بأشياء فارغة، ويتعين عليها مهاجمة الثقافة القانونية.

إذا حدثت الثورة الثقافية العلمية فإن القيم التي يتألف منها ضمير المجتمع اللبناني ستتغير إلى حد بعيد

وينتج من انتصار الثورة العلمية الثقافية على تلك الثقافات الثلاث، "تغير عميق في مستوى الأخلاق"، بحسب نصار. فالأخلاق السائدة في المجتمع اللبناني شديدة الارتباط بالثقافة الطائفية والشرعية الدينية التي تربط كل مجالات الحياة بالتراث الديني. أما إذا حدثت الثورة الثقافية العلمية فإن القيم التي يتألف منها ضمير المجتمع اللبناني ستتغير إلى حد بعيد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الموقف العلماني.. عن الإنسان والسلطة

رباعيات الخيام وتشكيل العلمانية الغربية