هل استطاع مارتن لوثر كينج تحقيق حلم حياته؟

هل استطاع مارتن لوثر كينج تحقيق حلم حياته؟

مارتن لوثر كينج

هنا ترجمة لمقال البروفيسور جون وكيرك، الذي نشره موقع "BBC" الإنجليزي. 


القائد المُلهِم

مارتن لوثر كينج هو القائد الذي استطاع الجمع بين الأفكار المتطرفة، والعقل السياسي، والتألق الخطابي؛ فعلى الرغم من التحدي الذي واجهه كينج إلا أنه ظل داعمًا لنبذ العنف، وقام بوصف رؤيته للمساواة العرقية بالولايات المتحدة في خطابه الأشهر الذي ألهم الملايين "لديَّ حلم".

حقق مارتن لوثر كينج نجاحًا عظيمًا في القضاء على التمييز العرقي الذي كان يُمارس ضد السود

حقق كينج نجاحًا عظيمًا في القضاء على التمييز العرقي والتهميش الذي كان يُمارس ضد الأفروأمريكيين (الأمريكيين ذوي الأصل الإفريقي) وكذلك على الفجوة الاقتصادية التي كانت لا تزال قائمة بين البيض والسود.

اقرأ/ي أيضًا: الأدب الأفريقي ومسألة اللغة

ميلاده لعائلة ذات نفوذ

وُلد مارتن لوثر كينج في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير 1929، في ولاية جورجيا، ونشأ في حي "سويت أوبورن"؛ وهو الحي المخصص للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية. وُلد كينج لأبٍ يعمل قسًا معمدانيًا ويُدعى السيد "مارتن"، وأمٍ تعمل معملة وتُدعى "ألبرتا ويليامز كينج". لم يكن الاسم الحقيقي لكينج هو "مارتن" بل كان "مايكل"، وهو نفس الاسم الذي كان يحمله والده، ولكن مايكل الأب قام بتغيير كلا الاسمين بعد حضور مؤتمر ديني في برلين 1934، وأصبح الاسم الجديد هو مارتن لوثر تيمنًا بالمصلح واللاهوتي الألماني "مارتن لوثر". كان كينج الابن مولعًا بمناهضة والده للفصل والتمييز العرقي، ولكن على الرغم من نشأته فى بيئة تعامله على أنه في منزلة أدنى، سار كينج على تعاليم والدته التي تنص على أنه لا يقل عن أي إنسان آخر.

ضحية التمييز العرقي

واجه كينج التمييز العرقي لأول مرة عندما كان بعمر السادسة، عندما تم الفصل بينه وبين صديق أبيض وذهب كل منهما إلى مدرسة مختلفة، وعندما وصل إلى عمر الرابعة عشر أُجبر على إعطاء مقعده في الحافلة لراكب أبيض في طريق عودته إلى جورجيا. بعد هذه الواقعة فاز كينج بمسابقة للخطابة تحدث فيها عن المساواة في الحقوق، وكان ذلك الفوز الحافز الذي دفعه لمواجهة ظلم التمييز العرقي. وعلى الرغم من إلغاء الولايات المتحدة للعبودية عام 1865، إلا أنه كان هناك نشاط اقتصادي واسع المدى، وتباين اجتماعي بيِّن، ففي عام 1940 أصبح متوسط العمر المتوقع للفرد الأبيض 64 عامًا، وللسود 53 عامًا، وتم تطبيق العصبية الجنوبية في مدارس ومطاعم ولايات الجنوب وفي العديد من الولايات الأخرى. 

التعيين كوزير

عندما وصل كينج لعمر الخامسة عشرة واصل المشي على خطى والده وجده للالتحاق بكلية موروهاوس التي كانت تقبل التحاق الطلاب صغار السن، حيث اكتشف كتابات هنري دايفيد ثورو، وأصبح مولعًا بأفكاره النابذة للعنف، ملهمًا بأفكار والده ورئيس الكلية -القس المعمداني والداعي للمساواة العرقية- السيد بنجامين مايس، ثم أصبح كينج وزيرًا معمدانيًا عام 1948. وبعد تخرجه أكمل كينج تدريبه بكلية كروز للعلوم اللاهوتية في بنسلفانيا، وحصل على درجة الدكتوراه في اللاهوت من جامعة بوسطن عام 1955.

قام مارتن لوثر كينج برحلة إلى الهند في سبيل البحث عن الإلهام خارج حدود الولايات المتحدة

اقرأ/ي أيضًا: البحث عن أفريقيا

الزواج بكوريتا سكوت

أثناء دراسة كينج ببوسطن التقى بزوجته المستقبلية "كوريتا سكوت"، ولمَّا كانت كوريتا تعمل كمطربة رفض والده هذه الزيجة، وأراده أن يتزوج ابنة أسرة ذات سلطة ونفوذ، ولكن إيمانًا من كينج بمبدأ العدالة الاجتماعية وانجذابه نحو كوريتا تزوجها عام 1953. بعد زواجه أصبح كينج قس كنيسة "ديكستر أفينيو" بمونتجمري بولاية ألاباما، فتخلت كوريتا عن طموحها في أن تصبح مطربة مشهورة حتى تصبح جديرة بمكانتها الجديدة كزوجة لقس وواعظ كنيسة ديكستر أفينيو. وخلال العشر سنوات التالية لزواجهم رزقا بأربعة أطفال؛ يولاند دنيس كينج، مارتن لوثر كينج الثالث، ديكستر سكوت كينج، وبرتين ألبرنين كينج.

كينج يقود حملة مقاطعة حافلات مونتجمري

في 1955، رفضت سيدة أمريكية ذات أصل إفريقي تدعى "روزا باركس" التخلي عن مقعدها في الحافلة لراكب أبيض، فوقع الاختيار على كينج حتى يقوم بقيادة حملة الأفروأمريكيين لمقاطعة الحافلات والتي استمرت 381 يومًا، وكانت حملة ناجحة ترتب عليها إصدار المحكمة العليا بالولايات المتحدة حكمًا بعدم دستورية سياسة عزل الحافلات بمنطقة مونتجمري. أثناء حملة المقاطعة قام "بايارد روستين" -أحد دعاة الحقوق المدنية- بمساعدة كينج على تبني مبادئ غاندي النابذة للعنف كوسيلة لمقاومة السلطة. انتشرت هذه الأخبار كالنار في الهشيم، وأصبح اسم لوثر كينج من المشاهير في الولايات المتحدة. 

الكفاح لإيجاد الطريق

عمل كينج مع العديد من منظمات الحقوق المدنية لتأسيس مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية "SCLC"، والذي أَمِلَ أن ينجح مستغلًا النجاح الذي حققته حملة مقاطعة الحافلات على مستوى ولايات الجنوب، ولكن تم القضاء على هذا الأمل وأُحبطت هذه المحاولة بسبب قلة الكثافة السكانية للأفارقة الأمريكيين مما أضعف قدرتهم على خلق مقاطعة فعالة في بعض المناطق، وفي بعض المناطق الأخرى يرجع السبب إلى مطالبة البيض بإحباط نمو الحركات الاحتجاجية للسود، فكان من الأفضل للبيض أن تُفلس حافلاتهم على إزالة التمييز العرقي. 

الذهاب إلى الهند ومقابلة عائلة غاندي

قام كينج برحلة إلى الهند في سبيل البحث عن الإلهام خارج حدود الولايات المتحدة. استغرقت هذه الرحلة خمسة أسابيع كان يطمح كينج خلالها التعرف على سياسة حركة مقاومة العنف التي أسسها غاندي. رافقت عائلة غاندي ورئيس الوزراء الهندي -حينذاك- السيد "نهرو" كينج خلال رحلته إلى الهند. ظل كينج شاعرًا بالذهول بين أوجه التشابه في التعامل مع الطائفة المنبوذة بالهند والأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية في الولايات المتحدة، وبعد عودته إلى الولايات قرر تحويل فكرة اللاعنف إلى واقع مجتمعي ملموس على أرض الواقع. ولكن لم يكتب لهذه الاحتجاجات التي نشبت في ألباني بجورجيا النجاح، على الرغم من عدم مواجهة الشرطة للمتظاهرين ومحاولتهم تهدئة الوضع. 

في الثامن والعشرين من آب/أغسطس عام 1963 تجمع الملايين لمتابعة خطاب كينج الشهير "لديَّ حلم"

اقرأ/ي أيضًا: شوقي بوزيد يصرخ.. ماما أفريقيا

اعتقال كينج أثناء حملة برمنغهام

عام 1963 استهدف كينج مدينة برمنغهام بولاية ألاباما لإطلاق برنامج ضخم من الاعتصامات والمقاطعات والمسيرات، كونها واحدة من المدن الأكثر عزلة وانفصالًا، وكانت نتيجة هذه الجلبة هى اعتقاله، فكتب كينج من داخل محبسه خطابًا يدافع فيه عن العمل السلمي اللاعنفي. وفي هذه الأثناء استخدمت سلطات مدينة ألباني العنف نحو المتظاهرين لفض التظاهرات مستخدمين خراطيم المياه ذات الضغط المرتفع وكلاب البوليس. بعد خروج كينج من السجن وجه الرئيس "كنيدي" دعوة إليه يدعوه فيها إلى الحضور إلى البيت الأبيض، وكانت هذه خطوة في صالح حركة الحقوق المدنية.

خطاب "لديَّ حلم" 

في الثامن والعشرين من آب/أغسطس عام 1963 تكدس الملايين في ساحة "نصب لينكولن التذكاري"، وتجمع الملايين أمام شاشات التلفاز لمشاهدة خطاب كينج الشهير "لديَّ حلم"؛ والذي كان يتحدث فيه بشكل رئيس عن عنصري الحرية والمساواة اللذين ستصل إليهما الولايات المتحدة مستقبلًا. كان لهذا الخطاب صدى في جميع أنحاء العالم وأصبح رمزًا للكفاح عن الحقوق المدنية، ولا زالت عباراته متواجدة حتى اليوم. لم يتحدث كينج في خطابه عن الحرية والمساواة فقط، بل تطرق إلى الفجوة الاقتصادية بين البيض والسود، والفقر الذي يعاني منه السود في الولايات المتحدة.

حادثة مقتل أربع فتيات سود بكنيسة برمنغهام

بعد أقل من شهر من إلقاء كينج لخطابه "لديَّ حلم" قام مجموعة من العنصريين البيض بقصف كنيسة برمنغهام مما تسبب في مقتل أربع فتيات. تسببت هذه الحادثة في تدمير كينج وجلبت احتجاج الرأي العام، ورأى كينج حينها أنه لا يزال هناك الكثير من العمل حتى يحقق حلمه. وفي الصيف التالي لهذه الحادثة أصدر الكونجرس قانون الحقوق المدنية لعام 1964، والذي نص على القضاء على التمييز العرقي في المرافق العامة وأماكن الإقامة. 

حملة الحق في التصويت في سيلما 

حصل كينج على جائزة نوبل للسلام 1964 وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان أصغر الحاصلين على هذه الجائزة سنًا. بعد حصوله على نوبل كانت محطته التالية هي حملة في سيلما بولاية ألاباما من أجل الحصول على الحق في التصويت، فتم تنظيم مسيرة على جسر "ادموند بيتوس" حدث خلالها اشتباكات مع جنود الولاية، جعلت نشطاء من جميع الأقطار ينضمون في مسيرة استمرت خمسة أيام من سيلما إلى مونتجمري. قاد بعدها كينج عدة مسيرات أخرى مرددًا شعارات غاندي، وفي آب/أغسطس 1965 أزالت حركة الحق في التصويت العديد من الحواجز التي كان يعاني منها الأفروأمريكيين.

كان مارتن لوثر كينج في الخامسة والثلاثين من عمره حين حصل على نوبل للسلام، وكان أصغر الحاصلين عليها سنًا

اقرأ/ي أيضًا: هوية أفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال

هزيمة شيكاغو

عام 1966 تحول انتباه كينج إلى المدن الفقيرة في ولايات الجنوب، وانتقل مع أسرته إلى أحياء الجيتو -أحياء كاملة يقطنها السود فقط- في الجانب الغربي من ولاية شيكاغو. كافح كينج لتغيير نظامي الإقصاء الاجتماعي والتباين الاقتصادي اللذين يُمارسان في شيكاغو، ولكن على الرغم من ذيوع صيته إلا أنه واجه صعوبة في توحيد الجميع تحت رايته. ففي الوقت الذي وافقت فيه سلطات الولاية على توفير سكن عادل للجميع، أخلفت وعدها مرة أخرى، وبدأ يتضح لكينج أنه يتم تهميش خطاباته النابذة للعنف، وبدأت شعبيته في التراجع فبدأ تأييد فكرة استخدام أساليب متشددة ضمن حركة الحقوق المدنية تتزايد، وخاصة فكرة "القوة السوداء" التي بدأت تكسب زخمًا كبيرًا.
 
انتقاد كينج لحرب فيتنام

على الرغم من الفشل الذي مُنيت به محاولة كينج في شيكاغو، إلا أنه واصل العمل على توسعة رقعة اهتماماته، بما في ذلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية بالولايات المتحدة وكذلك الشؤون الخارجية. اندلعت في هذه الأثناء حرب فيتنام وألقى كينج خطابًا بنيويورك اعتبره الكثيرون الخطاب الأجرأ لكينج على الإطلاق، وكان الخطاب بعنوان "حان وقت كسر حاجز الصمت". وصف كينج في هذا الخطاب وجهة نظر أخرى للولايات المتحدة مستحضرًا روح خطابه الأول "لديَّ حلم"، كما انتقد في هذا الخطاب سياسة الولايات المتحدة التي تهمل أبناءها الفقراء والمُعدَمين، في حين أنها تنفق الكثير في سبيل المواد التي تستخدمها في حرب فيتنام. تعهد كينج في هذا الخطاب القتال حتى النهاية من أجل المظلومين من جميع الأعراق والأجناس. عام 1968 قام كينج بحَّث مجموعة من الفقراء للقيام بحملة للعمل على إنهاء التباين الاقتصادي بين الطبقات. 

اغتيال مارتن لوثر كينج

تم اغتيال مارتن لوثر كينج في الرابع من نيسان/إبريل عام 1968 على يد أحد العنصريين البيض ويُدعى "جيمس إيرل راي"، وكان حينها كينج في مدينة ممفيس لحضور مسيرة دعم عمال النظافة المضربين. اندلعت أعمال الشغب في البلاد بعد مقتل كينج، وجعل الرئيس "ليندون جونسون" يوم وفاته يوم حداد وطني. على الرغم من عدم رؤية كينج لحلمه يتحقق أمام عينيه؛ فلم يرَ السلام والعدالة الاجتماعية يعمان الولايات المتحدة، لكنه ظل مذكورًا ومحفوظًا في الأذهان إلى اليوم؛ فهو الرجل الذي حافظ على معتقداته الدينية ومبادئه في مقاومة العنف ورؤيته للحرية والمساواة، وأصبح الأمريكي من أصل إفريقي الوحيد الذي يوجد يوم وطني باسمه في الولايات المتحدة. يعد كينج نموذجًا للأخلاق الرفيعة حتى يومنا هذا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل ثمة "مسرح احتجاجي" عربي؟

أجمل 6 أعياد شعبية في أفريقيا