هل أتاكم حديث عدالة انتقالية محاصرة؟

هل أتاكم حديث عدالة انتقالية محاصرة؟

وقفة احتجاجية في العاصمة تونس لأمهات ضحايا العذيب (الأناضول)

ليست تونس البلد الأول في العالم الذي ينتهج مسار العدالة الانتقالية كجسر عبور بين حقبة الاستبداد والتأسيس للديمقراطية. فلقد سبقتها حوالي أربعين تجربة حول العالم، توزّعت أساسًا بين أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية، إضافة إلى تجارب لقيت صدى واسعًا أهمها تجربة جنوب أفريقيا، وربما يعود ذلك لخصوصية نظام الأبارتهايد، وكذلك التجربة المغربية وهي التجربة الأولى في العالم العربي.

لا نجاح للعدالة الانتقالية دون دعم السلطة السياسية وإسنادها

ورغم خصوصية كل تجربة وفرادتها، يبوح التاريخ عنها جميعا ودون استثناء بخلاصة مفادها أنه لا نجاح للعدالة الانتقالية دون دعم السلطة السياسية وإسنادها. بيد أن تونس، التي أطلقت شرارة الثورة العربية المجيدة قبل أكثر من أربع سنوات والتي انفردت بتبنّي فكرة العدالة الانتقالية وتجسيدها حتى الآن، قد لا تعيش تجربتها التي تمر بها حاليًا إلا تحديات جسيمة تجعل من عدالتها الانتقالية محاصرة بدل أن تكون ناجزة.

رغم صعوبات مخاض تأسيس العدالة الانتقالية في تونس ومن ذلك عدم مصادقة البرلمان على القانون المتعلق بها إلا في كانون الأول/ديسمبر 2013 أي بعد قرابة 3 سنوات من اندلاع الثورة بفعل التجاذبات والأزمات السياسية التي عاشتها البلاد، انطلق المسار بدسترة دستور كانون الثاني/يناير 2014 للعدالة الانتقالية وإلزام الدولة بتطبيقه. ومن ثم تم بمقتضى قانون إرساء العدالة الانتقالية، إنشاء هيئة مستقلة تتولى الإشراف على المسار سُميّت "هيئة الحقيقة والكرامة"، وتم انتخاب أعضائها الـ15 من قبل البرلمان في أيار/مايو 2014. ثم انتخب الأعضاء رئيسة للهيئة هي المناضلة الحقوقية سهام بن سدرين وهي سجينة سياسية سابقة ومن أهم وجوه النضال الحقوقي في عهد بن علي.

لاحت لاحقًا تحديات تتعلق بتركيز هيئة الحقيقة والكرامة تمثلت أساسًا في تلقّي التمويل اللازم والمُلزم على الدولة لتنطلق الهيئة فعليا في أشغالها. وهو ما كان وما يزال عقبة أساسية تواجهها الهيئة بتعلّة ضغط الميزانية وبنيّة تعطيل أعمالها أو تحجيمها في أحسن الأحوال. ولذلك، لم تتحصل الهيئة في البداية على مقر لها إلا في شهر كانون الأول/ديسمبر 2014. كما لم تستطع إلى حدّ الآن إلا فتح عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من المكاتب الجهوية، رغم أن القانون يلزمها بفتح مكاتب في جميع محافظات البلاد لاستقبال الضحايا ومعالجة انتهاكاتهم.

كان لنقص التمويل المفروض على الدولة أثره البالغ على تركيز الهيئة لهياكلها ورصد الموارد اللوجستية والبشرية اللازمة للقيام بمهمتها التاريخية. كما واجهت هذه الهيئة صعوبات تتعلق بالنفاذ للأرشيف بدأت منذ رفض أعوان الحرس الرئاسي السماح لها في كانون الثاني/يناير 2015 بنقل أرشيف رئاسة الجمهورية إلى مبنى الأرشيف الوطني رغم موافقة مدير الديوان الرئاسي حينها. كما يبدو أن البيروقراطية الإدارية لم تتقبل وجود هيئة عمومية جديدة ذات عهدة محددة في الزمن بأربع سنوات، وذلك بالتوازي مع عدم جدية السلطة السياسية القديمة/الجديدة في دعم الهيئة وإسنادها للقيام بواجباتها المنصوص عليها في الدستور.

ورغم ذلك، استطاعت هيئة الحقيقة والكرامة مواجهة هذه التحديات بالقدر الممكن، قامت بإعداد أعمالها التحضيرية في وقت وجيز جدًا رغم ضغط المدة الزمنية المحددة قانونا لذلك، نتيجة تأخر حصول الهيئة على مقر لها. كما استطاعت أن تتجاوز بشكل نسبي نقص الموارد اللوجستية بفضل دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والذي لا يحول دون قيام الدولة بواجباتها.

نجحت الهيئة في تقبل ملفات أكثر من 15 ألفًا من الضحايا حتى الآن، وهو رقم يعكس حجم الثقة الموضوعة فيها. كما انطلقت في عقد جلسات الاستماع للضحايا كخطوة أولية لاستردادهم حقوقهم ولتواصل الهيئة بذلك مجهود فك الحصار عنها.

لن يلتئم الجرح الذي اكتوينا به طيلة عقود إلا إذا كشفناه جيدًا وكشفنا خباياه

لكن وفي إطار نية السلطة السياسية الحالية الإجهاز على مسار العدالة الانتقالية، قدمت رئاسة الجمهورية مشروع قانون منذ أسابيع قليلة يتعلق بالمصالحة الاقتصادية وهو مشروع لم يأت إلا لنسف مجهود العدالة الانتقالية في تونس بتكريس الإفلات من العقاب.

يقوم هذا المشروع بتجزئة مسار العدالة الانتقالية الذي يقوم على ركائز متتابعة هي كشف الحقيقة وحفظ الذاكرة، مساءلة الفاسدين، وجبر الضرر للضحايا وتحقيق المصالحة الوطنية، وهو مسار متكامل حدد قانون العدالة الانتقالية آلياته. لكن مشروع رئاسة الجمهورية يُفرد المصالحة المتعلقة بالانتهاكات في المجال المالي بقانون خاص، خارج إطار قانون العدالة الانتقالية، بتعلّة المردودية المالية وتسريع تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

وبذلك، يتم السطو على صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة، ويتم إفراغها من عهدتها مع سلطة يبدو أنها لا تودّ إلا تبييض الفساد ومجازاة رجال الأعمال الفاسدين. ولنذكر في هذا الجانب فقط إن مشروع القانون يقترح عفوًا شاملًا على الموظفين والذين تورطوا في أفعال تتعلق بالفساد المالي والاعتداء على المال العام.

إن استئناف عجلة الاقتصاد لدورانها تستلزم مناخًا اقتصاديًا صحيًا وسليمًا يقوم على الشفافية ومكافحة الفساد، هذا ما أكدته تقارير عديدة للبنك الدولي حول تونس، وهذا ما تفترضه دولة القانون في الجمهورية الثانية. وبناء على ذلك يمثل هذا المشروع تجسيدًا عمليًا لسلطة يبدو أنها لا تبغي إلا إنعاش الفساد وتكريسه، وهي قد لا تودّ ذلك إلا لأنها سلطة وليدة منظومة ظنّ التونسيون أنها سقطت بسقوط رأسها ذات 14 من كانون الثاني/يناير.

إن الجراح لن تضمد، دون أن نكمّدها بما يتلاءم معها. والجرح الذي اكتوينا به طيلة عقود، لن يلتئم إلا إذا كشفناه جيدًا وكشفنا خباياه، حتى يكون الدواء ناجعًا وأبديًّا، بعيدا عن المسكّنات الوقتية، التي قد تخفي جرحًا ولكن لا تُميته، وذلك لكي نسكّن آلام الضحية التي تعاني وجع الانتهاكات فما بالك إن كانت الضحية هي شعب نُهب ماله طيلة عقود.

قد ينسى من في السلطة اليوم إن العدالة الانتقالية هي شرط عضوي لتحقيق الانتقال الديمقراطي، وقد ينسى أن مكافحة الفساد لا شرعنته هي من أسس دولة القانون، وقد ينسى كذلك أن التونسيين رفعوا زمن الفعل الثوري شعار "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"، قد ينسى من في السلطة كل ذلك، ولكن عليه أن يعي جيدًا أن من يحاول اختصار مسار العدالة الانتقالية واختزال مراحله يقفز على التاريخ، ومن يفعل ذلك مستنزفًا لما تبقى من الثورة، فهو يلعب بنار قد تحرق الأخضر واليابس من حيث يعلم ولا يعلم. فالتونسيون يبغون مصالحة تعطي للمظلوم حقه، وتجازي الفاسد كي يكون عبرة للتاريخ، يبغون مصالحة نقية استكملت شروطها وليست مصالحة تكافئ الفساد وتزيد من إثقال أعباء من نُهبت أموالهم وانتُهِكت حقوقهم.