هلمّوا نحو الارتصاف في المشروع الإيراني

هلمّوا نحو الارتصاف في المشروع الإيراني

خالد البيه/ السودان

قبل "عاصفة الحزم"، قال عبد ربه منصور هادي إن سيطرة طهران على باب المندب تُغنيها عن حيازة قنبلة نووية. تجاوز الصراع حينها منطق الحدائق الخلفية والنفوذ الناعم، وتحوّل إلى ما يشبه معركة وجود في منطقة باتت ترقد برمتها فوق صفيح مشتعل.

طالما ردد العقل الإيراني على مسامعنا معزوفة سيطرته الكاملة على عواصمنا الوازنة

لم نصفق لغزو اليمن، بل لصفع إيران. شعرنا يومها أن العاصفة ستُخرجنا جميعًا من متلازمة "التنبلة" التي طالما آثرنا وصفها زورًا بالصبر الاستراتيجي. لم نخضع لأي مماحكات هامشية حول الأهداف المضمرة لهذه العاصمة أو تلك. ولم نذهب نحو التصفيق لقيادة حكيمة أو التسويق لشاب شجاع. كان همنا محصورًا في لجم التدهور. في الرد على النار بالنار. في تسطير رسالة ناجزة تمتطي البريد السريع من طهران إلى بيروت، مرورًا بدمشق وبغداد.

اقرأ/ي أيضًا: هل تصلح أنقرة ما أفسدته الرياض؟

كانت إيران أعلم بحالها وحالنا. هي تدرك جيدًا أن الانتفاضات الآنية لا تُشكل أي خطورة إزاء عقلها البارد وقدراتها الهائلة. أدخلتنا جميعًا في مستنقع من الدم، وفرملت اندفاعتنا على أبواب صنعاء، ثم راحت تضحك على عجزنا ويأسنا.

طالما ردد العقل الإيراني على مسامعنا معزوفة سيطرته الكاملة على عواصمنا الوازنة. انتظرنا بارقة الأمل من دمشق. شعرنا أنها سبيلنا الأنجع لسحق الرغبة الدفينة في اكتمال الهلال الخصيب. لكننا هُزمنا، ولا نزال، شر هزيمة. انتقلنا إلى صنعاء. إلى بغداد. إلى بيروت. توالت الصفعات وتوالت الهزائم. وبات لزامًا علينا أن نعرف ونعترف: الهلال اكتمل، والبدر قاب قوسين أو أدنى. أما نحن، فلا نعدو كوننا جاليات متناحرة تعيش تحت وصاية إيرانية مؤكدة.

أمس، زارنا دونالد ترامب ورحل. كان الرهان متواضعًا حول انبثاق جبهة سوّية تكبح جماح طهران. لكن النتائج بدأت بتفجير مباغت لمجلس التعاون الخليجي عبر عزل قطر ودفعها نحو خيارات جديدة تصب مباشرة في مصلحة إيران، بالتوازي مع حرب سياسية وإعلامية تضجّ بالقدح والذم والتحريض، ناهيك عن تبديل الأولويات ورصد مليارات الدولارات في معركة أخوية تفيض بقضم الأصابع وتوسيع النفوذ وتحقيق الانقلابات الناعمة والمصالح الضيقة.

على وقع هذا الصخب وحفلة الجنون ضد قطر، افتتح قاسم سليماني الطريق الدولية من طهران إلى بيروت. أقام الصلاة على رأس مقاتلين أفغان، وأرسل رسالة مدويّة في الشكل والمضمون، لا سيما في ظل صمت دولي وعربي رهيب، وتزامنًا مع انكفاء أمريكي واضح على حدود التنف ومشارفها، رغم الحديث المهول عن خطوط حمراء لن تسمح واشنطن بتجاوزها، لكن يبدو أن الرجل ورفاقه يتمتعون برشاقة استثنائية تتيح لهم القفز الهادئ فوق الخطوط وفوق الحدود والخرائط.

 افتتح قاسم سليماني الطريق الدولية من طهران إلى بيروت. أقام الصلاة على رأس مقاتلين أفغان، وأرسل رسالة مدويّة في الشكل والمضمون

اقرأ/ي أيضًا: كيف عرّت "تيران وصنافير" الواقع السياسي في مصر

قبل شهر ونيّف، قال لي صديق حكيم: إذا سمحت أميركا والعالم لإيران بالسيطرة على الطريق الدولية فعلينا أن نهرول جميعًا نحو الارتصاف في مشروعها، والكف عن التمسك بأحلام وشعارات لا طائل منها. هذا قبل الأزمة العبثية مع قطر. أما بعدها، فأزعم أن موقفه سيتخطى مجرد الارتصاف إلى ضرورة التنظير والترغيب، فضلًا عن حتمية الصفع المؤلم لكل شذاذ الآفاق الذين ما برحوا يُنظّرون لمواجهة ندّية وجديّة مع المشروع الإيراني في المنطقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لعنة السوري

هرتسيليا حبيبتي.. شعث وبلير ومصائب أخرى!