هكذا يصبح السيسي شرطي أوروبا على سواحل المتوسط

هكذا يصبح السيسي شرطي أوروبا على سواحل المتوسط

مؤتمر صحافي جمع بين السيسي وميركل في 2015 ببرلين (توبياس شوارز/ أ.ف.ب(

في سابقة هي الأولى من نوعها، تسعى أوروبا ببلدانها الأقوى، تحديدًا فرنسا وألمانيا وبريطانيا، نحو تقديم الدعم للبحرية المصرية وتقويتها. ويُرجع محللون غربيون سبب الخطوة إلى الرغبة الأوروبية في جعل البحرية المصرية قوة رئيسية وفاعلة في حماية أمن المتوسط لمكافحة الإرهاب وعمليات الهجرة والنزوح الناجمة عن استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا، بخاصة أن مصر تُعد القوة الكبرى في شمال إفريقيا، التي من الممكن أن تعمل بفاعلية على ضبط الأمن في المنطقة.

عبر عقود مضت، اعتمدت البحرية المصرية على السلاح السوفييتي، وفي الفترة المقبلة ستقوم بأكبر عملية تطوير لقدراتها في عهد عبد الفتاح السيسي. ففي إطار التعاون المصري الفرنسي، تعاقدت مصر على شراء صفقات سلاح بقيمة 8 مليارات دولار، إذ باعت فرنسا لمصر 25 طائرة مقاتلة من طراز "رافال" في صفقة بلغت قيمتها 5.9 مليار دولار في عام 2015، بالإضافة إلى أربع سفن حربية من طراز "جويند" وحاملتي الطائرات الميسترال الشهيرتين.

عبر عقود مضت اعتمدت البحرية المصرية على السلاح السوفييتي، وفي الفترة المقبلة ستقوم بأكبر عملية تطوير لقدراتها في عهد السيسي

غير أن الأمر لم يتوقف هنا فحسب، فقد وقّع البلدان في نيسان/أبريل من العام الماضي على برنامج بقيمة 1.1 مليار دولار، يتعلّق بنظام اتصالات لقمر صناعي عسكري. هذا الاتفاق سيتيح لمصر الحصول على دعم من القمر الصناعي الفرنسي في عمليات المراقبة. كذلك تجدر الإشارة إلى أهمية مناورات التدريب التي أجريت بين البلدين ومن بينها مناورات رمسيس في آذار/مارس 2016، وتدريبات كليوباترا في شهر حزيران/يونيو من العام نفسه. ومن المنطلق ذاته، تمت تدريبات عسكرية مشتركة بين البحرية البريطانية والبحرية المصرية.

أما بالنسبة لألمانيا، والتي تولي هي الأخرى أهمية خاصة لقضية اللاجئين والأزمة الليبية، فقد تسلّمت منها مصر أول غوّاصة ألمانية ضمن صفقة تضم أربع قطع في العام الماضي. ويُذكر أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سوف تواجه تحديًا في الانتخابات التشريعية المقررة في أيلول/ سبتمبر القادم، في ظل ضغوط داخلية تطالبها بأن تكون أكثر حزمًا في مواجهة طالبي اللجوء، الذين بلغ عددهم ما يزيد على المليون، منذ عام 2015.

ويُتوقع أن يكون الدعم الألماني لمصر من ضمن جملة أهداف، أبرزها دعم الاتفاق الأوروبي حول اللاجئين، الذي كان يستهدف الحيلولة دون تدفق اللاجئين عبر دول البلقان. وبالمثل فإن ألمانيا تريد من مصر إعادة اللاجئين الفارين في المتوسط إلى شرق ليبيا في حماية مصرية، غير أن القلق المصري من خطوة مثل تلك ربما كان سببًا في عدم استكمال تلك الصفقة مع ألمانيا.

اقرأ/ي أيضًا: أوروبا القلقة على اتحادها من اللاجئين

ووفقًا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل إلي 5.1 مليون فرد. ويقدّر عدد الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين بـ40 دولة، في مقدمتها دول الشرق الأوسط ودول إفريقيا. وتعتبر إيطاليا هي الوجهة الأقرب والأكثر تفضيلًا للمهاجرين.

وفي الفترة من 2014 إلى 2016، شهدت أوروبا تدفق نحو 1.6 مليون مهاجر ولاجئ أغلبهم فروا من الحروب والفقر والاضطهاد السياسي، وتسعى الآن الدول الأوروبية للحد من تزايد موجات الهجرة غير الشرعية، حيث قامت المستشارة الألمانية ميركل بجولة في عدد من دول المنطقة لمناقشة وسائل الحد من الهجرة مع رؤساء دول المنطقة منها مصر وتونس وبعض الدول الإفريقية.

ألمانيا الحذرة

في مطلع آذار/مارس الماضي، زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مصر بعد ثماني سنوات كاملة من آخر زيارة لها. وبحسب محللين فقد شهدت الزيارة اقتراب الموقف الألماني من الموقف المصري في قضايا مختلفة، على العكس مما شهده لقاء الرئيسين في ألمانيا قبل عامين حيث تركَّز الاهتمام حول انتقادات للقضاء المصري ولأحكام الإعدام الجماعية وللأوضاع السياسية عمومًا في مصر عقب عزل مرسي.

وجاءت الزيارة الأخيرة للمستشارة الألمانية عقب جولة إفريقية زارت كلًا من النيجر ومالي وأثيوبيا، وكان مقررًا أن تتضمن تلك الجولة الجزائر ولكن تم إلغاء الزيارة. وسائل الإعلام الموالية للنظام المصري تلقت الزيارة بحفاوة كبيرة، نظرًا لأن الزيارة عكست تقاربًا وسعيًا من جانب دولة أوروبية قوية تعتبر مصر حليفًا يمكن الاعتماد عليه ولو جزئيًا بالنسبة لقضايا مهمة لألمانيا كقضية اللاجئين وقضية الإرهاب.

الأسباب الرئيسية لذلك يمكن إرجاعها إلى تزايد التهديدات الإرهابية في ألمانيا من قبل المتطرفين المسلمين خصوصًا بعد هجمات برلين، وتحول قضية اللاجئين إلى عبء كبير على ألمانيا، وما يسببه ذلك من ضغط سياسي كبير على المستشارة الألمانية وعلى سياستها. كما يمكن إرجاعه للفتور الذي أصاب علاقة الاتحاد الأوروبي بتركيا مؤخرا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو الماضي وما تبعها من إجراءات قمعية طبّقتها الحكومة التركية بحق معارضين والتي امتدت لتشمل صحفيًا ألمانيًا من جهة، وكذلك بسبب الإخفاق الذي واجهته السياسات التركية الأوروبية المشتركة في الملف السوري مؤخرًا.

ومع ذلك فإن ألمانيا وإن كانت تخطو باتجاه مصر، إلا أنّ خطواتها لا تزال حذرة. ففيما يتعلق بملف اللاجئين لم تسع ألمانيا لاتفاق يتيح إقامة معسكرات للاجئين في مصر، كالذي عقدته مع تركيا في آذار/مارس 2016. وبغض النظر عمّا إذا كانت الفكرة مقبولة أو مرفوضة في مصر، فإن السبب الأساسي وراء عدم طرح الفكرة، هو أن ألمانيا لا يمكنها القبول بنقل اللاجئين إلى بلد ثالث، إلا إذا اعتبرت أن معاييره الإنسانية مقبولة، نتيجة لاشتراطات وقيود معينة. وعليه فإن عدم طرح الفكرة يعني ضمنيًا أن صورة الأداء المصري في المجال الحقوقي والإنساني لا تزال سيئة، وهو أمر طبيعي، ولاسيما بعد مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، بالإضافة إلى إصدار قانون منظمات المجتمع المدني، وهو القانون الذي الذي يأتي بعد فترة من إغلاق عدد من المنظمات الألمانية العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان مقراتها في مصر أو نقلها خارجًا وإعلانها أن المناخ في مصر لا يسمح بمواصلة العمل.

اقرأ/ي أيضًا: مصر والابتزاز السياسي.. عن متتالية "ريجيني المصري"

وفي ما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية، فإن الأمور تبدو معقدة بدرجة كبيرة؛ لأنه لا يرتبط فقط بالهجرة غير الشرعية من مصر، بل وكذلك من الجارة ليبيا، وهو أمر يدفع ألمانيا باتجاه اتفاق تسوية يضمن استقرار ليبيا وسيطرتها على حدودها، بما يمنع تدفق المهاجرين واللاجئين منها نحو أوروبا.

وكانت مصر قد أصدرت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي قانونًا يهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بعد شهر من مصرع 202 مهاجر بغرق قاربهم في البحر المتوسط قبالة سواحل مدينة رشيد بعد انطلاقه من مصر، ومنذ ذلك الحين نجحت السلطات المصرية في إحباط أغلب محاولات الهجرة عبر سواحلها، وتسعى ألمانيا لتعزيز هذا الوضع والمحافظة عليه باقتراح تزويد مصر بالوسائل التقنية واللوجستية اللازمة لتحسين المهمة.

وفي ما يتعلق بليبيا، فإن الدور المصري في الوساطة تعاظم بشكل كبير، وأصبح لدورها، مع تونس والجزائر، في الوصول لحل ثقلٌ أكبر، بخاصة وأنها تسعى للتحول إلى دور الوسيط السياسي كبديل عن الاكتفاء بدعم جهة واحدة.

تحالف إستراتيجي؟

في منتصف آذار/مارس الماضي، أصدر السيسي قرارًا جمهوريًا ينصّ على إنشاء بعثة مصرية دائمة لدى حلف الناتو، ليُشكّل أساسًا لتعاون عسكري قادم بين مصر وحلف شمال الأطلسي، وهو ما دفع إلى تزايد الحديث حول تطوير العلاقات المصرية الأوروبية، لتُشكّل مصر حليفًا إقليميًا جديدًا قادرًا على القيام بدور رجل الشرطة على السواحل الجنوبية لأوروبا، في ظل استمرار التدهور الأمني في الداخل الليبي.

ويرى محللون أن سعي مصر لنقل علاقاتها بألمانيا وأوروبا عمومًا إلى مرحلة التحالف الإستراتيجي، يحتاج منها إثبات فائدتها الكبيرة في ما يتعلق بالأزمة الليبية وملف الهجرة، وهو ما سيساعد عليه القرار الذي يعطي مصر صلاحيات رسمية واسعة لطرح رؤيتها الإستراتيجية حول المخاطر المتعلقة بالتهديدات الخاصة بالأمن القومي العالمي والإقليمي، ويمنحها صفة المُشاركة في وضع تصوراتها بشكل رسمي على مائدة الناتو. كما سيتيح القرار أيضًا مشاركة القاهرة في صَدّ أية تهديدات تتعلق بالسلم والأمن الدوليين، كما سيُتيح لها فرصة المشاركة في أي برامج أو خطط يتم وضعها في هذا الإطار.

في الوقت الذي تبدو أوروبا حائرة في طريقة التعامل الملائمة مع ملف الهجرة، فإن النظام المصري لديه فرصة ذهبية ليلعب دور الشريك الذي يعتمد عليه

وبحسب أيمن سلامة، المستشار القانوني السابق بحلف الناتو، فإن التطور الأخير في علاقات السيسي بالحلف يُتيح لمصر طرح أية مبادرات أو تصورات تخص الأمن اﻹقليمي في الشرق الأوسط، بخاصة أن المنطقة، وبعد ثورات الربيع العربي، أصبحت الأكثر تهديدًا لسياسات الناتو والدول الأعضاء فيه.

وهكذا، يمكن القول إنه في الوقت الذي تبدو أوروبا حائرة في طريقة التعامل الملائمة مع ملف الهجرة، بين ضغط حقوقي وآخر آمني، فإن النظام المصري لديه فرصة ذهبية ليلعب دور الشريك الذي يُعتمد عليه، طارحًا نفسه كصمام أمان وقوة إقليمية لمجابهة التحديات المتعلقة باللاجئين في شمال أفريقيا، الأمر الذي في ضوئه يُمكن فهم لماذا تقوّي أوروبا البحرية المصرية بحاملات طائرات يمكنها أن تساهم في عمليات إنزال بحري واسعة، أو أن تكون جزءًا من قوة تدخل عسكرية سريعة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

دعابات السيسي المحرجة.. "أهلًا" بالتفاهة

عندما كانت أوروبا تحب الإسلام