هرولة نحو موقف الباص الأخير

هرولة نحو موقف الباص الأخير

لوحة لـ يعقوب لورانس/ امريكا

رأيته.

كنتُ أترقبه وكانت ينتظرني هُناك، على زاوية الشارع الأخير الذي يحملني إلى البيت.

توقعتُ زيارته منذُ مدّة، فلبعضِ الضيوفِ مراسيلُ خفية تشي بمواعيد قدومها حتى وإن لم تصرّح بها، تحسستُ صدري لاتأكد من تناسقِ النبضات في القلبِ الذي أوصلني إلى هُنا، نِمتُ مطمئنًا للصمتِ بين النبضتين.

رأيته، فصارت كلُّ حركة تحتملُ أكثر من تأويل، لم تعد المصادفات كما كانت، فقدت الضحكة آخر ثانيّتين منها لتتخذَ شكل المُجاملة، مذاقُ الماء المحايد اختلف، صارَ أثقل.

أحاطَ بكلِّ ما حولي وأنا أنتظر. رأيتهُ فحضرتُّ ما يلزم لاستقباله، ولمّا يصل بعد.

صوتُ جرس البيت الذي اعتده لألفِ عامٍ بدا غريبًا، تتقطع أنفاسه كلَّ مرّة كأنه يخافُ من تسببَ في صُراخه، الهاتف إن رنَّ، تمايعت موسيقاه في محاولةٍ لكسب ثوانٍ إضافية. السيجارة لا تنطفئ إلاّ حين أدوسُ عقبها بكعبِ قدمي مرتين.

كأنهم انتبهوا. كأنَّ لا شيءَ يُريدَ مُفارقتي.

ما المعنى أن يرغب الجسد بأن يعيشَ أكثر مما تُفضّلُ الروح أن تحياه؟ وهل إذا اختلفا ينتصرُ الجسدُ بقوّته أم تنتصرُ الروح برغباتها؟

أمن الطبيعي أيضًا أن تتنافرَ الإرادات فَنُلامُ بأننا كنّا ضائعين بينَ رغبةِ حياة نحلمُ بها ويقينٌ بأننا لن نعيشها؟

لو أنني قررتُ اللحاقَ بالثواني الأخيرة من إشارةِ المُشاة القريبة لربما تكاتفتُ معهُ عن غيرِ قصدٍ، وكانت تلك المصادفة بداية حديثٍ بين غريبين، كما من المُمكنِ أن تكون شرارةَ واقعة ما تستدعي المُسعفين ورجال الإطفاء والشرطة.

لكني تأخرت.

تأخرت لأجرب حظّي في القفز فوقَ المصادفات ولكي أُشبعَ إيماني بأن التقاطع الذي وصلت إليه كان برغبةٍ منّي.

لعنة العالم على الاحتمالات.

حينَ نتخذ ذلك القرار فإننا نرمي حجري النرد آملين أن يديروا لنا ظهورهم العارية، فنحنُ لا نخسر إن تطابق الحظ مع ما نستحق، بل نخسر حين يعاندُ رغباتنا.

قُلت؛ رأيته ورآني.

تبعني وانتظرته. أشعلت كأسًا يفيضُ بما عِشتُ من ضحكات كإشارة واضحة لاستهزائي في استقباله.

لم يدقّ الجرس ولم يتسلل من النافذة، لم يسلك المدخنة ولم يُخادعني فيستلقي كرسالة في صندوقِ البريد، بل اتخذَ من موقف الباص الذي أراهُ عبر خُرمِ الباب، مكانًا ليقضي وقته.

كان هُناك، وكنتُ هُنا.

احترامٌ مُتبادل لم نصرح به كأننا نلعبُ في نهائي بُطولة كُبرى، الفارقُ الوحيد بين هذا التشبيه وحقيقته أنه لا جمهورَ هُناك يُصفقُّ لأيٍ منّا.

كانت قدماي تسحباني إليه وشيءٌ في داخلي يُبقيني، بي رغبةُ ملحّة للوصول، وأخرى للبقاء.

الجسد الذي وافقته طوال هذا العُمر ينتفضُ رعبًا من فكرة أنه لن يَعُد هُنا، بينما الروح التي تعبت في مجاراته تهرولُ لتستريح.

أواجهُ ثلاثة جبهات في حربٍ مفتوحة أنا الخاسرُ الأخيرُ فيها، وقراري حائرٌ بين ما أريد، ما أتمنى وما أحلم به.

*

في مصادفة تافهة حدثت بفعل معطيات غريبة، رأيتني أقطع تلك الإشارة لألتقي ذلك الغريب الذي شعرت نحوه بنوعٍ من الفضول الذي قادني نحوَ حديثٍ طويل عمّا نُريد، لأكتشف أنّ كل محاولاتي في تفاديه والتحايل عليه كانت مجرّد أوهام عشتها وكتبتها ونشرتها لأوهم القرّاء أنّي أملك موهبة الكتابة.

تركتُ له البابَ مفتوحًا ليدخل، جاءني كما توقعته.

كأسك.. كأسك، شربنا بصحتكم،

ورجعت معه لأننا جميعًا

إليه راجعون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وأخيرًا ستموت القدّيسة من العطش

الرَّجل الّذي أخفيته عن الآخرين