جابر العظمة/ سوريا

لم أكن أستطيع أن أمنع نفسي من الحقد على زميلاتي في الغرفة، كن يستطعن بكل سهولة، حمل حقائبهن المكدسة بالملابس المتسخة والمكياج الرخيص، وربما قصص أنيس منصور، وإحسان عبد القدوس، ويذهبن لقضاء إجازتهن الأسبوعية، وسط الأهل، من دون أي إحساس بالخوف والخزي.

لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الحقد في هذه المدينة، إلا إذا كان يحيا وسط الأموات، أو يعيش فوق فوهة قبر، فإدراك النهاية وحده يجعلنا أكثر خفة وتحررًا من كل شيء، بل إن الانتهاء هو لحظة الحرية الوحيدة التي لا نعيشها، وقتها كنت أخشى المقابر، أطردها من خيالاتي الليلية، وفي الحقيقة، لم أكن قد رأيت بعد أية مقابر في المدينة، كتلك المرصوصة في أطراف قريتي.

 رأيتُ الكثير من الجثث لكنها لم تكن تشغلني، كانت مجرد أكوام من اللحم، ما كان يشغلني هو حقدي المتنامي على زميلاتي اللاتي يحملن حقائبهن بفرح، لمجرد أنهن سيقضين الإجازة وسط الأهل، ويأكلن من أيدي أمهاتهن، ويلعبن مع صغار العائلة، هذا الفرح كان يبدو لي زائفًا ورخيصًا، مثل الإكسسوارات الفالصو، التي يختفي رونقها سريعًا، لتترك على الجلد طبقات الصدأ.

كنت أتساءل: هل تستحق هذه الأشياء البسيطة، كل هذا الفرح والاحتفاء؟ هل يخشين مثلي التوهان في موقف السيارات المنبعج من الأرض الخراب؟ هل ينزعجن من المطبات التي تعترض الطريق؟ هل يتقيأن من رائحة الدخان والبنزين؟ هل يتصببن عرقًا حين يتذكرن أسئلة الأهل الطاعنة؟ تلك التساؤلات كانت تمزقني من الداخل، خاصة عندما يأتيني صوت أمي المقهور: "هتيجي امتى؟ بقالك كتير هناك، هاقولهم إيه؟

كنت أشعر وكأن أشخاصًا يقفون وراءها، وهي تحدثني؛ أحدهم يشدها من شعرها، وآخر يضربها بالعصا على ظهرها، وهناك من يلوي ذراعها، لم يكن هذا صوت أمي الذي تعودت عليه، حتى سفري إلى المدينة، كان صوتها مطمئنًا، وواثقًا كأنها عالمة بالغيب، ومالكة لكل الحقائق، هذا الوثوق الكامل، حجب عني الجزء الأكبر من المأساة.

مر شهر كامل ولم أستطع حمل الحقيبة، الطريق إلى الجامعة يشعرني بالضآلة؛ الكوبري فوق رأسي، والعمارات الشاحبة تجعلني مجرد نقطة سوداء.. رائحة البول الممزوجة بالعطر الرخيص تعصر معدتي، سيارات التبرع بالدم المنتشرة في الطريق تشعرني بالذل، وتملأني بالغضب، طريق حتمي أقطعه للوصول إلى المدرج المدفوس في مبنى غريب من ثلاثة طوابق، في المدرج لم أكن مشغولة إلا بسؤال وحيد: كيف يمكنني العودة إلى القرية بهذه الحقيبة الثقيلة؟ وأين سأفرغها إذن؟.

في الحقيقة لم أكن أريد العودة إلى قريتي في أي يومٍ من الأيام، الحياة وسط هذا الخراب كانت أهون بكثير من الأسئلة الطاعنة، والنظرات التي تخترق جسدي، لكن لا مفر من العودة المؤقتة، فصوت أمي الحزين كان يمزقني، بل يجعلني على حافة الجنون.

خلعت ملابس المدينة وارتديت ملابس القرية: بلوزة فضفاضة تغطي جسدي حتى الركبة، وبنطلون من القماش الأسود، وحجاب محكم على شعري الداكن، من الصعوبة أن تكون على حقيقتك في هذا البلد، إلا إذا كنت تسير في اتجاه الموت، الموت وحده بقي نظيفًا وصادقًا.

حملت حقيبتي الثقيلة وركبت المترو للوصول إلى الموقف، الحياة تحت الأرض تبدو هادئة، ودافئة في تلك الجمعة الحزينة، حلمت بالحياة في هذا القطار، لكن صوت الهاتف كان دائمًا ما يدهس الحلم.

موقف السيارات كان محفزًا جيدًا على الهروب، كنت أسأل نفسي: ما الذي يجبرني على العودة بهذه الحقيبة الثقيلة؟ ولما العودة إلى هذا المكان تحديدًا؟ الأرض واسعة، لكنها خراب، ورنات الهاتف تكسر عظامي، كل شيء كان ثقيلًا، لكنه معادل للصفر، حين وصلت إلى تلك النقطة، دفست الهاتف في الحقيبة، وتركتها وحيدة مع الرنات المفحومة.

اقرأ/ي أيضًا:

فتاة صعبة

الشرُّ الذي يدنو من عينيَّ