هرجيسا ومقديشو... الوحدة الرومانسية

هرجيسا ومقديشو... الوحدة الرومانسية

نساء في هرجسيا (Getty)

في فترة ما بعد استقلال الصومال فشلت الكيانات السياسية في عملية بناء أمة على أساس المواطنة، وذلك عبر تطبيق التعددية الحزبية الحقيقية، فعلى الرغم من اتخاذ الدولة الصومالية لبوسًا حزبيًا، فإن محدد القبلية وخضوع النتظيمات السياسية لنفوذها بقي هو العائق الرئيسي. 

بقيت القبلية وخضوع النتظيمات السياسية لنفوذها هي العائق الرئيسي أمام الدولة الصومالية

وقد تجلى الفشل بشكل خاص من دراميكية انهيار الدولة مع انهيار نظام سياد بري، والحروب المنبثقة من ذلك الحدث، والتي تحولت سريعًا من خلافات سياسية الى احتراب قبائلي معلن، وهي نتيجة حتمية  لتسييس الانتماءات القبلية والعشائرية وتجييرها لمصلحة القبيلة، يتماهى معها السياسيون والأفراد ويتبنونها فعلًا كأبناء قبيلة. يضاف إلى مشاكل الصوماليين، في العقدين الأخرين اللذين أعقبا سقوط الدولة المركزية، فشل العالم في فهم وتشخيص مرض الصومال. حيث لم تستطع أغلب القراءات تجاوز الحديث عن العوارض الطافية للسطح، دون الوصول الى معرفة الأسباب التي تقف وراء أغلب المشاكل التي نسمعها عن ذلك البلد.

فالصورة النمطية المسكونة في ذهنية الآخر، العربي خاصة، عن الصومال تتمثل في كونه بلدًا مزقته الحروب الأهلية، وعرف مجاعات ونزعات قبلية مسلحة، وتيارات سلفية جهادية ترفع البندقية نحو الجميع، وتدخلات عكسرية خارجية. يضاف إليها قرصنة للسفن البحرية التي تقترب من سواحله. الصورة بأكملها حصيلة تراكمات سادت الساحة الصومالية لعقود، إلا أنه يوجد وجه آخر مختلف ومسكوت عنه في أوضاع هذا البلد، انها تجربة صوماليلاند (أرض الصومال)، المستعمرة بريطانيا سابقًا، التي خاضت بعد الاستقلال وحدة مع الجنوب الصومالي، الذي خضع للاستعمار الإيطالي، انتهت بالإنسحاب منها، وإعلان الاستقلال من طرف واحد في أواخر القرن الماضي، بعد وحدة استمرت ثلاثة عقود.

ويكاد، الآخر العربي، لا يعرف شيئا اليوم عن صوماليلاند أكثر الدول ديمقراطية في شرق أفريقيا، حيث تناوب على رئاستها، في العقدين الأخيرين، ثلاثة رؤساء منتخبون بشكل ديمقراطي. يرأسها حاليًا رئيس وصل للحكم بأقل من 50% من الأصوات. وتنافس في مجال الحريات بلدًا مثل تركيا حسب مراكز بحثية عالمية. وعلى الرغم من كل عورات ديمقراطيتها ومشكالها الداخلية الملحّة التي تستوجب نقدًا ونقاشًا داخليًا، إلا أنها تجربة فريدة تبشر بآمال كثيرة في المستقبل.  

إن معرفة الصومال، بوصفه أمة ثقافية، تنبع إلى حد كبير من فهم تعقيدات المجتمع القبلي في الصومال، في هذا الفهم تكمن الإجابة أو جزء كبير منها عن التساؤلات حول الوحدة والانفصال. في السابق كان المشترك لدى القومية الصومالية أنهم لم يكونوا يعرفون مبدأ الدولة، إذ أنهم كانوا ينظمون وجودهم بكل أنواعه المتداخلة على أساس القبيلة، وفي ما يتعدّى تفتيت القبيلة كان الصوماليون موحدين بالدم واللغة والدين فكانو يشكلون أمة ثقافية Kalgurmation.

وليست أمة الدولة Staatsnatio، إذ كانت القبيلة فضلًا عن العشيرة تزود الفرد بهويته وتشكل جماعة تضامنية مؤسسة على الدم، أي على النسب إلى جد مشترك من طريق خط الأب، لكنها كانت أيضًا جهازًا سياسيًا يتولَى العلاقات مع الخارج، ويعلن الحرب ويقرر حركات الهجرة ويحمي الفرد من خلال مؤسسة الثأر. فكانت القبيلة إلى حد كبير تحل محل الدولة إذ كانت لكل قبيلة بيتها القيادي.

في حقبة ما بعد الاستعمار، ومع انتشار فكرة الدولة الحديثة، كوّن الصوماليون دولتهم من توحيد الشمال والجنوب الصوماليين، مستمعرتي بريطانيا وإيطاليا باسم "جمهورية الصومال الديمقراطية". وكان هدف هذه الوحدة التي بادر إليها أهل الشمال توحيد القومية الصومالية تحت راية دولة واحدة. 

عانى الصوماليون الشماليون من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي من طرف الحكومة المركزية في مقديشو

يضاف إلى الحلم الوحدوي كل من جيبوتي والإقليم الصومالي الذي اقتطعته إيثوبيا لنفسها، وإقليم شمال شرق كينيا حاليًا. ومنيت تلك الوحدة بفشل ذريع حيث لم تتمكن النخبة السياسية الصومالية من تأسيس هوية محلية إثنية متخيلة، وبقي تأثير القبيلة في ظل الدولة الحديثة قويًا ونافذًا، مما انعكس سلبًا على إيجاد جوٍّ من الطمأنينة لدى مكوناتها الاجتماعية، أساسه تحقيق العدالة الاجتماعيّة. كما فشلت في تقديم نفسها بوصفها تجربة وحدوية وطنية ناضجة يعتمد عليها الكل، وفشلت أيضًا في تحديث المجتمع وتحويله من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع مدني حديث. 

عانى الشماليون، باعتبارهم أقلية في ظل نظام المحاصصة القبيلية، من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي من طرف الحكومة المركزية في مقديشو طوال عقود؛ ما جعلهم يشعرون بالمظلومية والاضطهاد. كما جاء انقلاب الجيش بقيادة بري على الحكومة المدنية، ونشوء نظام عسكري استبداي يلعب بورقة القبائلية لقمع الجميع ليؤزم الأوضاع ويزيدها سوءًا، ما ولّد حالة من الغضب الذي أدّى الى حمل السلاح في وجه النظام، في تمرد عسكري في عدة جبهات مختلفة. وأدى الأمر في النهاية إلى انهيار الدولة وانزلاق البلد الى هاوية حرب أهلية، فقرر الشماليون استعادة استقلالهم وأعلنوا الانفصال من طرف واحد. ونجحوا في إنقاذ اقليمهم من ناحية ضبط الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة المختلفة.

انقسمت رؤى الصوماليين تجاه هذا الانفصال ما بين القداسة والدناسة، فحين يعتبر الصوماليلاندوين دولتهم "مقدسة" لا مجال للنقاش حولها، يرى الجنوبيون أن التقسيم شر محض مدنس، وهو بتحريك من أيادٍ خارجية تهدف الى تفيتت الكيان الصومالي، وصوماليلاند بنظرهم بقعة قبيلة، والصومالي يندر غالبًا أن يرى المختلف عنه إلا باعتباره ابن القبيلة التي تنافس قبيلته. وحين تذكر قضية صوماليلاند أمام الجنوبي يستشعر بكل الروابط القومية والدينية والثقافية والجغرافية، ليحاضر بلغة خشبية لا تمت إلى الواقع بصلة عن "أن القوة في الجماعة"!

بينما الدور العربي الرسمي بقي محدودًا، لا يتجاوز المعونات الخيرية والإنسانية في الفترات التي تحدث فيها مجاعات، وعلى تصدير السعودية المذهب الوهابي إلى الصوماليين، مع كونهم شعبا سنيًّا غالبيته تتبع المذهب الشافعي. 

لكن الحديث أو الرهان على دور عربي سياسي وفعّال يبدو أمرًا مسليًا أقرب منه الى شيء مأمول، فأنظمة الحكم العربية لم تعد قادرة -أغلبها- على حل مشاكل بلدانها، وصارت تعبث في مقدراتها وتقتل وتشرد أبنائها، وبات من الترف الحديث عن مصالح جيوسياسية أو مصلحة استراجيتية عربية. وفي موقف ينم على غلبة رد الفعل على الفعل العربي شاهدنا مؤخرًا قيام رئيس الجامعة العربية بزيارة الى العاصمة مقديشو، بعد قطيعة استمرت أكثر من عقدين. في خطوة كان واضحًا الهدف منها، كمحاولة للاحتجاج، بتحريض مصري، على الدور التركي الفعّال والنشط في الصومال. ومعروف عن مصر ما بعد 3 يوليو حساسيتها تجاه تركيا. لكن في هذا السياق يجدر التساؤل عن القيمة التي سنضيفها نحن الصوماليين للعرب، حتى نطلب من الجانب العربي ردة فعل إستراتجية تجاه قضايانا!

التحدي الأكبر أمام صوماليلاند هو توفير العدالة أمام المكونات الاجتماعية، وإيجاد حلّ عادل للأقاليم المهمشة

لكن المفارقة، ومن زاوية مختلفة، أن نجد في متخيل المراقب العربي/المسلم تعاطفًا مع خيار الوحدة، دون بذل عناء كاف لفهم واقعية وصحة ومختلف أبعاد ذلك الخيار. وهو يستند في رؤيته بشكل أساسي على الصورة المسكونة في ذهنيتنا عن فكرة التقسيم أساسًا، فالأصل كنا بلدًا واحدًا وشتتنا الغرب، وأن كل انفصال وارءه يد غربية شريرة تريد لنا التفرق. وإذ يعود العربي إلى ذاكرته القريبة يجد تجربة "انفصال جنوب السودان" تجربة شبيهة يسقط بها على حالة صوماليلاند. لكن هذا الإسقاط الذي لا يميّز بين الحالتين مجحف ومبتذل. إنه ينسب بصورة طبيعية جدًا مخاوفه وانفعالاته إلى غير موضعها. بما ينم عن عدم معرفة الحقيقة الكائنة على الأرض.

إن لصوماليالاند وجها آخر غير معروف لدى وسائل الإعلام كثيرًا، كما أن الجنوب الصومالي أكثر تعقيدًا مما يُصور، وما عاد هناك مجال في عودة صوماللاند إلى الصومال والوحدة معه مرة أخرى، لعدم تهيئة الوضع في الجنوب لحدث مثل هذا. ولأن الوقت لأي تحرك ذي معنى قد فات لتحقيق هذه الغاية. ولكن التحدي الماثل الآن هو منع تفتت ما بقي من الصومال، ومنع تجدد حرب المليشيات، وتعرض الدولة الجديدة للفشل والانهيار مرة أخرى.

أمام صوماليلاند تحديات وفرص كبيرة، فلديها مؤهل جغرافي مهم، وفرص جيوسياسية كبيرة تتمثل في مساحته البالغة 137600 كم²، وتعتبر أجزاء كبيرة منها أراضي صالحة للزراعة، ومنفذه على البحر الأحمر بساحل يصل طوله إلى 900 كيلومتر، وعدد سكانه الذي يصل 4 ملايين نسمة. 

إلا أن التحدي الأكبر يتلخص بتوفير العدالة الاجتماعية والسياسية أمام المكونات الاجتماعية، وإيجاد حلّ عادل للأقاليم المهمشة، فليس من المنطق أن تمارس أقسى أنواع التهميش مع قسم من شعبك في الوقت الذي تحاجج أنك انفصلت هروبًا منه، أيضًا تعتبر الخروج من القطيعة التي تعيشها البلاد مع الخارج، والتي تحرمها من الولوج إلى الدعم المالي الخارجي الذي ينعكس سلبًا على توفير عيش أفضل لأبنائها أمرًا بالغ الأهمية. والامتحان الجديّ والملحّ أمام الصوماليلاندين اليوم هو كيفية مواجتهم لتلك التحديات.