"هرتلة في القاهرة".. إعادة صياغة الذاكرة بالصوت والصورة والثورة
16 نوفمبر 2025
منذ شهر عرضت المخرجة فرح الهاشم فيلمها الوثائقي "هرتلة في القاهرة" عبر قناتها على اليوتيوب، في خطوةٍ نادرة الحدوث، إذ أتاحته فرح مجانًا، لتتجاوز مشاهداته الـ200 ألف، وفي حوار حميمي معها على مقهى في وسط القاهرة، تروي المخرجة التي ترجع أصولها إلى ما بين لبنان والكويت كيف حوّلت "هرتلتها" إلى فيلمٍ يُعيد تركيب المدينة من جديد، ليس بالصورة فقط، بل بالطعم والرائحة والصوت والوجع.
تُقدّم فرح القاهرة ككائنٍ حي، فتقول عن القاهرة: طعمها كريب سوزيت، برتقال يذوب على كريمة فوق كراميل دافئ، أما عن رائحتها؛ مزيج ساحر من الشبراويشي والليمون، يتسلل إليه الياسمين والبرتقال مع نفحات شانيل، ثم يغلبها البنزين والمازوت والنيكوتين، ممزوجة بالقهوة والشاي. هكذا تُقدّم فرح مدينتها: ليست خلفية، بل شريكة في الحكي، راوية تحكي بصوت داخلي وجداني.
البداية كانت لحظة صغيرة محفورة في الذاكرة. في عام 2016، كانت فرح تعرض فيلمها "ترويقة في بيروت" في مركز الثقافة السينمائية بالقاهرة، وبعد انتهاء العرض الناجح، كانت في طريقها إلى الفندق، سمعت صوتًا ينادي: "أستاذة فرح! ياريت تعملي فيلم زي ترويقة، بس عن القاهرة. أنا حبيت فيلمك جدًا"، هذه الكلمة علقت في رأسها، ومن هُنا نبتت الفكرة"، كما تقول في حوارها لـ"ألترا صوت".
علاقة فرح بالقاهرة قديمة فهي مدينة طفولتها، أول فوضى أحبّتها، حيث لجأت عائلتها إليها خلال الغزو العراقي للكويت. تحكي فرح "الحكومة المصرية فتحت شققًا وفنادق للكويتيين بدفء غير عادي"، قضت الطفلة ذات الخمس سنوات وقتها عامين في القاهرة، حيث تعلّمت في حضانة بمنطقة المهندسين، والتي ظهرت في الفيلم، مستعينة بمادة أرشيفية مصورة لها في صغرها داخلها.
كانت أول كلمات فرح مصرية كما تقول: "جدو"، "جِبنة"، "مكرونة"، لذا شعرت الشابة بعد طلب الغريب أن الوقت حان لترد لها التحية بفيلم عنها، بفوضاها وجمالها. اختارت "هرتلة في القاهرة" عنوانًا مصريًا خالصًا، متأثرة بسينما أوائل السبعينات، خصوصًا "ثرثرة فوق النيل" (إخراج حسين كمال)، ليس من جانب المضمون فقط، بل من جانب التأمل أيضًا. شخصية عماد حمدي المغيبة (أنيس) عن الواقع، ويستمر في حالة حوار مع نفسه. كانت تشعر أنها مثله، لأنها دائمًا الراوية في أفلامها، تحكي بصوتها الداخلي وبشكل وجداني. لكن مع الفارق: "أنا مش مسطولة، أنا مغرومة بالمدينة، بزحامها، أفلامها، تاريخها، وناسها".
فكرة الفيلم لم تكتمل قبل التصوير، بل اكتملت خلاله. كانت تصور كل ما يحدث حولها بشكل توثيقي، واكتشفت القاهرة من جديد في كل يوم. عاشت فيها ثلاثة أسابيع من كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى كانون الثاني/يناير 2025، وزارتها أكثر من ثماني مرات في أقل من سنة. تحاول استنشاقها كالهواء لتفهمها وتفهمها حتى تقول حكايتها.
تضمن الفيلم بجانب جولات فرح ومونولوجها الداخلي، أحاديث ومناقشات مع ضيوف، ولم يأتْ اختيارهم صُدفة، بل انعكاس لتجربتها الشخصية، مساحة تجمع الذاكرة والعلاقات الإنسانية والفكر.
ظهر في الفيلم الفنان البصري منتصر بيوض، صديق جامعة منذ عشرين سنة، ليس مجرد ضيف؛ هو "مرايتها" كما تصفه، نصف مصري ونصف لبناني. يعيش بين بلدين، يحمل هويتين عربيتين، تمامًا كفرح نصف لبنانية ونصف كويتية. لديه نفس التمزق بين ثقافتين ولسانين وطريقتين في التفكير.
فكرة الفيلم لم تكتمل قبل التصوير، بل اكتملت خلاله. كانت تصور كل ما يحدث حولها بشكل توثيقي، واكتشفت القاهرة من جديد في كل يوم
تقول فرح عن منتصر إنه مراقب أكثر من مشارك، يعيش في قلب القاهرة، يرى كواليس وسط البلد بعين مصور حساس. قد لا تشعر بوجوده في السهرة، لكنه الروح التي تجمع الناس، الفنانين والمثقفين والعقول المختلفة. يشاركها الوعي الوطني والإنساني تجاه القضايا العربية.
أما عن اختيار جمعية محبي الشيخ إمام فوصفته فرح "اختيار من القلب"، فهي عاشقة للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، أغانيهم جزء من يومها؛ تسمعها وهي تكتب، تتعب، تحلم. أرادت فرح أن يكون الشيخ إمام حاضرًا في الفيلم كجزء من "القاهرة بتاعتها، القاهرة اللي فيها الوعي والفن والمقاومة". ظهر أيضًا في الفيلم عدد كبير من الضيوف من بينهم: محمود عزت، أمين السر بالجمعية، ورئيس الجمعية سيد عنبة، والسيناريست محمد سيد عيد، والفنان المسرحي محمود سامي، وآخرين مثل: الكاتب عبده الزراع. وجاءت نقاشات الضيوف لتكون عميقة فكريًا وإنسانيًا. كل شخص تمثل زاوية من القاهرة التي تعاني اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.
استعانت فرح بمقاطع من أغانٍ وأفلام، تداخلت أصوات فريد الأطرش وسيد درويش والشيخ إمام مع موسيقى أغاني عبد الحليم حافظ، بجانب أفلام "الباب المفتوح" و"القلب له أحكام". كانت وسط البلد بالنسبة لفرح هي بطلها الرئيسي، ثم تجولت في أماكن أخرى منها المهندسين وحديقة الأسماك. كما سافرت إلى الإسكندرية وسوق السمك في بورسعيد. كان الفيلم أشبه بخط سينمائي يعمل داخل دماغ فرح، جعلت من القاهرة فيلمًا مفتوحًا.
كما استخدمت مشاهد من أفلام بعينها لتعبّر عنها كمخرجة عاشقة، ولتربط بين زمنين: زمن السينما التي شكّلت وجدانها، وزمن الواقع. لم تعش فرح في الماضي فقط، بل سألت ضيوفها أسئلة تحتك بواقع القاهرة القاسي، فأحد تلك الأسئلة كان "اللي عنده مرتب 6 آلاف جنيه بيعيش ازاي؟".
سارت فرح في القاهرة تصور برفقة شخص واحد فقط، بدون أجهزة صوت كبيرة أو كاميرات ضخمة، وبالطبع وجدت صعوبة في إقناع الناس بالكلام أمام الكاميرا، لكنها استطاعت في النهاية أن تُشعرهم بالأمان "وأن الكاميرا عين تحبهم لا تحاكمهم". التقطت فرح بكاميرتها أماكنًا مألوفة للقاهريّ؛ وسط البلد، الزمالك، السيدة زينب، كورنيش النيل.
مزجت المخرجة في فيلمها بين العام والشخصي. كما ناقشت قضايا عديدة: العلاقة بالقاهرة، العروبة، علاقة العرب بأغاني الشيخ إمام، أثر معاهدة "كامب ديفيد" على مصر، وثورة يناير - الفترة التي لا ينساها من عاشها - وتأثيرها على المجتمع. كما جاء الشريط الصوتي قوي: زحام القاهرة، كلاكس السيارات (الأبواق)، صوت الشيخ إمام، "طشّة" الطعمية في الزيت، بالإضافة إلى جزء آخر يذهب للماضي: موسيقى كلاسيكية من أفلام الخمسينات، التي كانت أشبه بوقت مستقطع.
قبل شهر لم يعلم أحد بفيلم "هرتلة في القاهرة"، حتى فاجئت فرح الجميع بعرضه مجانًا على يوتيوب نابعًا من قناعة: الفيلم للناس لا للمهرجانات. قدمته لمهرجانات لكنّه رُفض في القاهرة، الجونة، أسوان، الغردقة، بدون إبداء أسباب واضحة.
وبعد عرضه جاءها اتصال من وسيط عن اعتراض رقابي، لكنّها تواصلت مع عبد الرحيم كمال، وأكد عدم وجود مشكلة. كما حصل على تصريحٍ عرض خاص في سينما "زاوية" للصحفيين والنقاد "أجلت العرض هُناك، ثم أطلقته في تشرين الأول/أكتوبر 2025 على يوتيوب"، ففرح ترى أن في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية، كان لا بد من وصول الفيلم للناس بسهولة، آملة أن يصل إلى كل بيت عربي.







