21-يناير-2017

أبو تريكة ومحمد صلاح في مباراة غانا (فيس بوك)

سُميت الكرة على مرّ التاريخ بأنها "الساحرة المستديرة"، والسبب في ذلك يرجع لأنها تملك القدرة على تجميع وجذب انتباه ملايين البشر حولها، في الوقت الذي تكون قادرة على تفريقهم وتشتيتهم مرة أخرى، إن لم يكن فيما يتعلق بفوز وخسارة الفرق التي يقومون بتشجيعها، وما يتمخض عنهما من تحليلات ونقاشات من المحللين داخل الاستوديوهات وخارجها، فإنه قد يكون من الجمهور الذي يتسم تعامله معها في الغالب بأنه أكثر حدة لأنه يقوم بدور المشجع والمحلل في ذات الوقت.

وفي بعض الأحيان ترتفع حدة هذا الخلاف، ويطيح بكل الخلافات السابقة والتي تتضاءل في قيمتها وأهميتها بجانبه، عندما يتعلق الخلاف بشخص اللاعب، حيث لا يدور في الأغلب حول من هو الأكثر مهارة، لأن هذا شيء تحسمه الجماهير بنفسها ثم تؤكده بعد ذلك لجان متخصصة في تقييم اللاعبين.

الخلاف الأصعب لدى الجمهور هو ما يتعلق بنزاهة وشرف اللاعب، خصوصًا لو كان الجمهور يواجه نظامًا مستبدًا بآلة إعلامية ضخمة

لكن الخلاف الأصعب لدى الجمهور هو ما يتعلق بنزاهة وشرف اللاعب، خصوصًا لو كان الجمهور يواجه نظامًا مستبدًا بآلة إعلامية ضخمة، لذا فإن تلك المسألة من أعقد المشكلات لأن الرأي الأول والأخير فيها للجمهور، فكلما كان اللاعب يتمتع بقاعدة شعبية قوية، كلما حال ذلك بينه وبين تلك الأزمات، فاللاعب حينها لا يكبد نفسه مشقة وعناء الرد، لأنه يملك ملايين الأصوات التي تستطيع أن ترد وتخرس كل من يريد التطاول، وعلى قدر المشكلة يكون التفاف الجمهور حوله، وهذا ما لمسناه مؤخرًا فيما يتعلق بأزمة اللاعب المصري المعتزل "محمد أبو تريكة".

إن كانت الكرة هي "ساحرة مستديرة" بالفعل، فإنها حتمًا تحتاج إلى ساحر يدرك ألاعيبها وأسرارها، ويفهم جيدًا مناوراتها ومراوغاتها، ويجعلها أداة طيعة يسخرها كيفما يشاء، والأهم من ذلك قدرته على الجذب والتحكم في ملايين القلوب المتعلقة بها شعفًا وحبًّا. وإننا نستطيع أن نعد "أبو تريكة" واحدًا من هؤلاء، فكما استطاع أن يخلق لنفسه أسلوبًا فريدًا في اللعب، استطاع كذلك أن يخلق من نفسه لنفسه شخصية أكثر تفردًا.

اقرأ/ي أيضًا: مصر تحت حكم المماليك.. مشاهد ووقائع فاضحة

أبو تريكة في اللعب تجده يحب المراوغة والتمرير، ثم يكلل كل هذا بالتسديدة التي تعرف طريقها إلى مرمى الخصم، أما خارج الملعب تنتفي عنه تلك الصفات، فهو هادئ الطبع، لين الكلام، تكسو وجهه دائمًا مسحة رائقة من الطيبة وحسن الخلق، فما تُذكَر "الساحرة المستديرة " في مصر والمهارات داخلها، إلا ويُذكر اسمه مقرونًا بها كواحد من أعلامها البارزين.

دائمًا ما كانت لمساته وأهدافه تقلب الموازين في اللحظات الأخيرة، تلك اللحظات التي يدرك فيها الجميع حد اليقين استحالة الفوز وحتمية الهزيمة، ليأتي "أبو تريكة" ويعلن طالما أن حكم المباراة لم يطلق "صافرة النهاية" بعد، فما زال الفوز معقودًا والأمل لا يزال في وقدته.

هذا ما أكده أبو تريكة في مباراة الأهلي والصافقسي التونسي في نهائي "أبطال أفريقيا عام 2006" عندما أحرز هدف الفوز في الدقائق الأخيرة، وشدد عليه مرة أخرى في مباراة المنتخب المصري أمام نظيره الكاميروني في نهائي أمم أفريقيا عام 2008، الأمر الذي يقودنا إلى حتمية تصديق بعض أقرانه عندما يصفوه بأنه "برَكة".

ليست هذه هي المرة الأولى التي يعادي فيها النظام "أبو تريكة"، وليست المرة الأولى التي يُحارَب فيها اللاعب. فالأنظمة المستبدة تتعامل في العادة مع أصحاب الجماهيرية والشعبية على تخوّف، فما بالك لو كان صاحب الجماهيرية الكبيرة يحمل طابعًا متدينًا، الأمر الذي يولّد نحوه كل الاحتمالات السيئة، ويضع حوله الكثير من علامات الاستفهام، وهذا هو السبب الذي جعل "أبو تريكة" دائمًا تحت مجهر النظام، لاستكشاف ماهيته ومحاولة سبر أغوار تلك الشخصية التي استطاعت أن تلتف حولها كل تلك الجماهير، والتي من الممكن أن تنافس شعبية النظام نفسه.

ما تُذكَر "الساحرة المستديرة" في مصر والمهارات داخلها، إلا ويُذكر اسم أبو تريكة مقرونًا بها كواحد من أعلامها البارزين

النظرة لـ"أبو تريكة" كانت دائمًا جدّ مختلفة، فالنظام يخاف من أن تستهوي تلك السمات عاطفة الجماهير، وهذا من المحتمل أن يهدد بقاءه، خصوصًا أن اللاعب أصابته لعنة السياسة فأفصح عن بشاعة "مذبحة بور سعيد"، وبسببها رفض مصافحة المشير "طنطاوي"، ورثى لحال المعتقلين ظلمًا في سجون النظام، بالإضافة إلى ملامحه التي تشي بالطيبة والشرف والنزاهة، وهي ذات المعاني التي دفعته أن يرفع في إحدى مباراياته مع المنتخب "تعاطفًا مع غزة" أثناء حرب غزة مع إسرائيل، حينها تعرض للإيقاف والغرامة المالية، لذا فإن الصراع الدائر بين النظام وأبوتريكة ليس جديدًا ولا مستحدثًا، وكان "أبوتريكة" يخرج كل مرة ظافرًا بتعلق الجماهير به أكثر، وقد صهره هذا الموقف ووضعه في قالب أكثر تحديًا وصمودًا، الطرف الخاسر هو النظام فقط، الذي وضع نفسه في معركة محسومة نتائجها حتى قبل أن تبدأ.

إدراج اسم "أبوتريكة" ضمن قوائم الإرهاب في بلد يشير كل ما تفعله أنه الإرهاب نفسه، أمر يبعث على الفخر وليس فيه ما يعيب شخصًا بحجمه، شهد له القاصي والداني بحسن سيرته، فبعد صدور هذا القرار اجتاحت عاصفة من الغضب محبي "أبو تريكة". ولم تكن دهشتهم تتعلق بالتهمة التي لا تتطابق مع طبيعة اللاعب، لأن من يعيش في مصر الآن أصبح لديه مناعة كافية قادرة على أن تنفي الغرابة عن أي قرار يصدره النظام، إنما الذي أثار دهشة وغضب الجميع، هو التهم التي صدرت على ضوئها ما أسمته المحكمة بـ"الكيانات الإرهابية المسلحة".

اقرأ/ي أيضًا: سبعة أشياء لا يعرفها برلمان السيسي-عبد العال

إننا نستطيع أن نقر ونذعن بالموافقة على تلك التهم، لو كان النظام يدرك بالفعل أن اللاعب القادر على تسديد الكرة، يملك الشجاعة نفسها التي تمنحه القدرة في أن يسدد طلقة من فوهة بندقية، إذ الأمر من البشاعة التي لا يجيدها أحد غيرهم.

قبل صدور هذا القرار بأيام، وفي الوقت الذي كان النظام يبيّت فيه النية الخبيثة لـ"أبو تريكة"، كان يقرب منه لاعب روما الإيطالي "محمد صلاح"، بعد أن جاد الأخير بمبلغ قيمته خمسة ملايين جنيه لصندوق تحيا مصر، كصك اعتراف منه للنظام بأن مصريته ما زالت حية، لم يمحها بريق الشهرة والاحتراف في أندية أوروبا، وتقريبًا كان اللاعب يظن أن الإقدام على تلك الخطوة، ربما يلقى استحسانًا لدى جمهوره.

إدراج اسم "أبوتريكة" ضمن قوائم الإرهاب في بلد يشير كل ما تفعله أنه الإرهاب نفسه، أمر يبعث على الفخر وليس فيه ما يعيب شخصًا بحجمه

إلا أن ردة الفعل من جانب الجمهور كانت مخيبة لآمال اللاعب، فالكثير منهم لعداوته القديمة مع النظام اعتبر أن مثل هذا التصرف لا يصدر إلا من إنسان غير جدير باحترامهم، وانبرى الكثير يضع "محمد صلاح" و"محمد أبو تريكة" في مقارنة، فوجدوا أن كفة أبو تريكة هي الرابحة، وما جعلها كذلك هو حب واحترام الجمهور له، علاوة على معاني النبل التي غلفت مسيرته الكروية الطويلة، وحرصه الدائم أن يبقى قميصه نظيفًا. الشيء الذي فقده "محمد صلاح" كما رأى الجمهور.

المقارنة هنا ليست مقارنة أشخاص، بقدر ما هي مقارنة مواقف، والتي يتضح فيها جوهر الإنسان ويكشف عن معدنه، إذ المناخ الذي يعيشه أصحاب الشهرة دائمًا لا يعتمد على الجانب الصريح والواضح من حياتهم، قدر ما يعتمد على الجانب المعدل والمحسن أو المزوق في كثير من الأحيان.

تلك المحنة العابسة التي يمر بها أبو تريكة الآن، لابد وأن تتراءى لعينيه في هالة من الفخار والسرور، عليه أن يدرك أن كل ما مرّ بها هنا لم يكن سوى عبوسة مصطنعة على جبين الأقدار الرحيمة، وعليه أن يترك النظام ينعق بما لا يسمع، هذا أدعى أن يحيل تلك الأزمة في نفسه إلى إحساس أكثر عمقًا يؤمن فيه بأنه لا يزال في الدنيا ما يسر كحب الناس له، وهذا خليق أن يعوضه عن كل أكدارها، وهذا الإحساس يتعدى حدود تلك الأزمة ليشمل حياته كلها، وهذا معنى يعيه جيدًا من هم مثل "محمد أبو تريكة".

اقرأ/ي أيضًا:
هل يعود أبو تريكة إلى القاهرة؟
محكمة مصرية تمنح أبوتريكة انتصارًا جديدًا