هدية للداخلية المصرية في عيدها

هدية للداخلية المصرية في عيدها

تصوير: عامر دلاش (رويترز)

تحلّ اليوم الذكرى السادسة لـ"ثورة 25 يناير"، التي قامت بالأساس نتيجة الاحتجاج على السياسات القمعية لرجال الشرطة المصرية بحق المواطنين، وبما أن المجال العام قد أُقفل تمامًا أمام أي محاولة للاحتفاء بهذه الذكرى وإحياء مطالبها التي لم تتحقق إلى الآن، نرى في "ألترا صوت" أنه من المفيد، في اليوم نفسه الذي يحتفل جهاز الشرطة المصرية بعيده، أن نهدي اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية المصري هذا الكتاب لعميد الشرطة السابق محمود قطري، لعله يكون عونًا لسيادته في فضح الفساد داخل وزارته، التي لا يتغيّر حالها باختلاف وتعاقب اللواءات الجالسين على كرسيها.

تم تحويل العميد محمود قطري إلى النيابة، بسبب مذكراته "اعترافات ضابط شرطة في مدينة الذئاب"

أهمية هذه المذكرات في خطورتها فهي تصيبك بالصدمة من سطرها الأول وحتى آخر حرف فيها. إنها مذكرات ضابط شرطة يحكي بالتفصيل وقائع ما شاهده بنفسه وما شهد عليه، ليختلط فيها الخاص بالعام، وتتأكد في النهاية دلالة العنوان الذي اختاره العميد محمود قطري لمذكراته التي حملت اسم "اعترافات ضابط شرطة في مدينة الذئاب"، والذي بسببه تم تحويل المؤلف إلى النيابة، وتوجيه تهمة انتقاد وزارة الداخلية وإفشاء أسرارها في القضية رقم 512 لسنة 2006 جنح دمنهور، بعد أن قامت إدارة الشؤون القانونية بوزارة الداخلية بتحريك دعوى قضائية ضد قطري مطالبة بتحريز الكتاب علاوة على آخر له بعنوان "تزوير دولة" صدر عام 2004.

اقرأ/ي أيضًا: السجون المصرية.. زيارات العبث بالحقوق

يبدأ قطري رواية تفاصيل 24 عامًا قضاها في وزارة الداخلية من خلال كلية الشرطة، التي يتم فيها تحويل الضابط من طالب عادي حاصل على شهادة الثانوية العامة، كان من الممكن أن يلتحق بكلية الطب أو الهندسة، وله أصدقاء وزملاء فصل دخلوها، إلى إنسان آلي، بلا شخصية، يحتقر القيم الإنسانية، حيث يقول في الفصل الذي اختار له عنوان "كرامتك في الجزمة": "لنبدأ من كلية الشرطة والنصيحة الغالية التي توجّه للطالب عند دخوله الكلية: عليك أن تخلع كرامتك على البوابة، وعند خروجك ارتديها مرة أخرى، إن حالفك الحظ ووجدتها". 

يقوم الطالب في أول يوم له بالجري وهو يتسلم ملابسه وأدواته الميري الجديدة، ويظلّ يجري ويجري حتى يصبح عصيرًا من العرق والتراب والغبار. هذا ما يسمّونه في الكُلّية "الصدمة الأولى"، حتى ينتقل الطالب من الحياة المدنية إلى العسكرية، ويشير قطري إلى هرمية القمع الذي يُمارس على الطلاب الجدد وانخراط الطلاب الأقدم سنًا في تنفيذه، حيث يقوم طلبة السنة النهائية بالتدرّب في زملائهم الجدد من خلال استقبالهم بالعنف والشتيمة "اجري يا عيل. اجري يا تلميذ.. اجري يا.. "شتيمة ميري"، وإذا قابل أحدهم ذلك بالاعتراض فسيلقى إهانة أشد في انتظاره.

مصنع العبيد

يبدأ الطالب فى تعلم كيفية ارتداء ملابسه وفرش سريره وترتيب دولابه من "الشاويشية" بشتيمة لا مبرر لها، ويروي قطري واقعة طريفة تتعلّق بخلاف شديد بين عدد من الطلاب الجدد حول وضع ماكينة الحلاقة، هل تكون على يمين فرشة الأسنان أم على يسارها، وبعد مناقشات طويلة قرروا أن تكون على يمينها. أما وجبة الطعام فتكون في المطعم الذي يسمونه "الميس"، وغالبًا ما تكون في منتهى السوء فالطهي رديء جدًا، وأشهر الأطباق هي الكُفتة وهي عبارة عن "كتل مُكبّبة براحة اليد وأرز مليء بالحصى"، والملوخية تكون بعيدانها، وفي إحدى المرات وجد أحد الطلبة فأرًا ميتًا ومطبوخًا في طبقه، وذات مرة وقعت حالة تسمُّم للطلبة وتم نقلهم للمستشفى وجاء مساعد الوزير للتحقيق فوجد كل شيء نظيفًا، وعاد الطعام كما كان في منتهى السوء.

يتوجب على الطالب أن يتوقف عن الطعام، مع دخول أية رتبة، إلى المطعم كلية الشرطة

وعند دخول أي رتبة مهما كانت صغيرة إلى المطعم فهذا معناه التوقف الفوري عن الطعام، ومن يضبطونه يكمل مضغ الأكل يأمرونه بأن يقف على الكرسي ويقول "أنا طِفِس.. أنا مفجوع"، وفي أحيان أخرى يجعلونه يحمل في يده مغرفة أو رغيف خبز ويجري بين طاولات الطعام صارخًا: "أنا المفجوع اللي أكلت أكل زمايلي". ورغم أن التدريبات الشاقة تحتاج إلى كمية جيدة ووفيرة من الأكل فإن قطري يشير إلى أن وقت الطعام لا يتعدّي 6 دقائق، ومع التأكيد على وجود قرار داخلي بمنع تعامل الطلاب مع "الكانتين" (مكان مخصص لشراء الطعام والشراب داخل الوحدات العسكرية).

اقرأ/ي أيضًا: أطباء مصر في مواجهة أمناء شرطتها

وفي المساء، يقوم الشاويشية بهجوم على العنابر التي ينام فيها الطلبة بالشتائم الميري، ويبعثرون محتويات الدواليب، ويأمرون الطالب بأن يضع وجهه في الدولاب ويجري في مكانه، ومن يرمش بعينيه يُعاقب بتمارين قاسية حتى يقع على الأرض. وفي الصباح يمسك الشاويش بالبيادة ويرزع بها على الدولاب، مع وصلة الشتيمة المعتادة، ثم يعطيهم 3 دقائق لكي يغتسلوا ويحلقوا ذقونهم ويرتدوا ملابسهم ويصطفوا خارج العنبر، ومن يتأخر يُعاقب بالجري حول الطابور لمدة ساعة إلا ربع!

وتتركز التدريبات الحقيقية على طوابير المشاة رغم أنها مسألة شكلية تمامًا، فالضابط في حياته الوظيفية لن يمشي خطوة معتادة. هذه الإهانات و"البهدلة" يعتبرها قيادات الداخلية جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية في الكلية، مُدّعين أن هذا يُهيّئ الطالب للحياة العسكرية. الخطوة التالية لتحطيم كرامة الطالب تتمثّل في زرع الخشونة والعنف في شخصيته ضد زملائه، ففي مباريات الملاكمة اتفق طالبان على أن يتلاكما في الجسد دون الوجه فهددهما المُعلِّم بالرسوب، وكانت النتيجة أن تحوّل تعليم فنون الملاكمة إلى حرب بالأقدام والأيدي حتى يسيل الدم، وبذلك يتحوَّل الضباط إلى عبيد يتنافسون على إرضاء سادتهم.

إتقان العمل

ومن الكلية إلى الحياة العملية، يتحدث محمود قطري راويًا ما يحدث بعد نهاية الكلية وبداية المرحلة العملية، حيث يقول إن عملية تشغيل ضباط الشرطة عملية عشوائية، ولا تحكمها أي قواعد وأن تقلُّد المناصب يتم بالمحسوبية، وكذلك فإن مبدأ الثواب والعقاب يكون غير منطقي عند هؤلاء الضباط، فهم يفعلون أي شيء بما فيه أن يدوسوا علي رقاب خلق الله "فرضا الرئيس في الداخلية من رضا الرب"، حتى لو كان أمره مُخلًا بالشرف والأمانة. ولأن الثواب والعقاب بلا منطق، يضطر الضابط إلى التلفيق والكذب وفعل أي شيء حتى ينجو بنفسه، فلو أن رئيس المباحث قام بضبط 30 قطعة سلاح ناري بدون ترخيص، فعلى الضابط الجديد أن يأتي بنفس النسبة على الأقل، وإن زادت يكون أفضل، ولكن لو ضبط أقل منها فتتم إحالته إلى التحقيق أو نقله أو عقابه، ما يضطره إلى تلفيق تهم إحراز سلاح بدون ترخيص لمواطنين "ليس لهم ظهر يحميهم"، وغالبًا ما ينالون البراءة في المحكمة لأنه استقر في يقين القضاة أن معظم، إن لم يكن كل، هذه القضايا مُلفًّقة. ويورد قطري حكاية عن ضابط مباحث كان من عادته أن يحضر مواسير مياه ذات أقطار مختلفة ويرسل المخبرون بها إلى ورش السلاح غير المرخصة لكي يحوِّلها إلى خرطوش أو فرد روسي (مسدسات)، حتى يتم حسابها ضمن مقطوعيته التي لا بد أن يقوم بها، ويبحث بعدها عن الذين سيتم تلفيق القضايا لهم، وغالبًا يكون المجرمون من أصحاب السوابق حتى تسهل عملية تلفيق التهم لهم.

عملية تشغيل ضباط الشرطة عملية عشوائية، ولا تحكمها أي قواعد 

يتحدث قطري عن واقعة أخرى عن الأمن المصري، تظهر فيها المحسوبية والواسطة بشكل صارخ: "وتصل المحسوبية في جهاز الشرطة إلى درجة أن أحد الضباط المسنودين وكان برتبة ملازم أول عيّنوه في منصب مرموق بديوان الوزارة، وكان تحت إمرته 14 سيارة شرطة بأرقام ملاكي (مدنية خاصة)، وكان مع عسكري المراسلة الخاص به سيارة يتسوّق بها الباشا (يجيب الخضار ويودّى العيال المدارس وغيرها)، وتجد في مكتب صغير سبعة عمداء يتناوبون على سيارة متهالكة تتعطل أكثر مما تمشي".

اقرأ/ي أيضًا: القتل على الطريقة المصرية

يفرح الضابط جدًا لو تم تعيينه رئيس مباحث قسم أو مركز، ويغضب إذا عمل في إدارة الشعبة نفسها، لأنه في الحالة الأولى يتعامل مباشرة مع الجمهور، فكل طلبات الباشا مُجابة ولو طلب سيارة سيجدها أمام باب القسم، وقد أهدى أحد المقاولين شقة لرئيس مباحث، وبعضهم يشتري الأثاث لبعض إدارات أقسام الشرطة ويزيّن المباني من الخارج.

الداخلية تنهش أبناءها

ثم ينتقل قطري للحديث عن عملية ترقيات الضباط حيث يسرد وقائع شديدة الخطورة، بينها قصة الضابط الذي فوجئ بنقله إلى منطقة نائية، وعندما سأل عن سبب عملية النقل عرف أن هناك تقريرًا سريًا يؤكد أنه على علاقة صداقة مع بائع فول، فسأل الضابط وهل مُنع الفول؟ فردّ عليه رئيس لجنة التظلّم بأن بائع الفول ليس على المستوى الذي يصحّ أن تصاحبه، وخيَّره بين أن يختار المكان الذي تم نقله إليه أو مكان أبعد؟ 

وضابط آخر ظلّ طوال مدة خدمته يتمنّى أن ينقلوه ولو لمدة عام واحد إلى موطنه في المنطقة الساحلية حتى يلتئم شمل أسرته، ولكن كما يقول المؤلف "دخول جنة الرضوان أسهل من النقل إلى أي منطقة ساحلية، فهي قاصرة على المسنودين". المهم أن هذا الضابط ضجّ وقرر التظلم فرفض رئيس اللجنة طلبه صارخًا: "إحنا معندناش خيار ولا فقوس"، فانفعل الضابط مذكَرًا الرجل بأنه من العدل أن ينال المعاملة نفسها التي يلقاها ابنه، الذي تخرّج مع الضابط في الدفعة نفسها، والذي يقضي فترة إعارة خارج مصر لأن والده/رئيس لجنة التظلم أحد مساعدي وزير الداخلية، فتكهرب الجو وذُهل الجميع للحظات، قبل أن يصرّح أحد الموجودين بأن هذا الكلام "عيب ولا يصحّ أن يُقال" وأن على الضابط معرفة أن كل ضابط يتم معاملته طبقًا لقدراته، طالبًا من الضابط تنفيذ النقل فورًا، وواعدًا إياه بنقله إلى المنطقة الساحلية في حركة التنقلات القادمة (وهو بالطبع ما لن ولم يحدث)، ليخرج الضابط المسكين خائب الرجاء مرددًا "حسبي الله ونعم الوكيل".

يصل التنكيل بالضباط إلى درجة لا يتصوّرها عقل، فقد كان وزير داخلية سابق عندما يغضب على ضابط ينقله إلى ما يسمونه "المنطقة الثانية"، ولما سأله أحد رجاله "لماذا لا تنقله إلى غياهب المنطقة النائية؟"، ردّ عليه قائلًا "يا غبي، في المنطقة النائية سيقضي مدة محددة ثم يعود، ولكن في المنطقة الثانية يمكن أن يقضي كل مدة خدمته، وبذلك لا طال المنطقة الأولى حيث يعيش فيها مع أسرته وأولاده، ولا طال منطقة نائية يعود منها بعد سنوات محددة ويكون له حق النقل بعدها". وبسبب هذه الوحشية في التعامل مع الضباط "غير المسنودين" يتم تشريد أسرهم ماديًا ومعنويًا وتدميرهم كبشر، ولا توجد جهة أو نقابة تحميهم، فهم عرايا بصدورهم في وجه ظلمٍ فظيع وغير إنساني، كما أن الإعلام لا يهتم بهم وبمشاكلهم، باختصار تفترسهم الداخلية في السرّ والظلام.

يصل التنكيل بالضباط إلى درجة لا يتصوّرها عقل، حيث تفترسهم الداخلية

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. العمل الخيري تحت "البيادة"

ويعتبر قطري أن المعاش المبكر هو القنبلة التي انفجرت في قلب الداخلية، فألقت بذوي الخبرة إلى الطريق العام وأُبقي على "المسنودين" الذين هم في الغالب قليلو الخبرة وفاسدون، فالمأمور الجاد الذي ينجح في فرض الأمن بالإصلاح بين المتخاصمين، واستخدام الأساليب القانونية في تأديب المنحرفين دون إهدار كرامتهم، قد يُفاجأ الجميع بإحالته للمعاش المبكر، بسبب خلاف شخصي مع واحد من رؤسائه النافذين، أو واحد من المليونيرات الكبار، أو لأنه أمسك بمجرم له له علاقات نافذة أو لأن أحد زملائه "المسنودين" طمع في موقعه. ولذلك فهذا النظام تستخدمه القيادات في تخويف الضباط، ولو كان هذا لصالح المواطنين لهان الأمر ولكنه يتم لصالح الكبار، فاللجنة المسؤولة عن ترقية الضباط ومدّ خدمتهم يتم تبادل المصالح بين أعضائها بحسب المثل الشعبي "شيّلني وأشيّلك".

وحتى يؤكد المؤلف صدق كلامه فإنه يطالب بمقارنة ملفات المُحالين إلى المعاش بالموجودين في الخدمة، فهناك من استمروا في الخدمة رغم اتهامهم بتهم مشينة، منهم واحد اختلس مبلغًا كبيرًا من بونات البنزين وتمت إدانته، ولكن لأنه "مسنود" عاقبوه بالنقل إلى منطقة ساحلية، وآخرون سرقوا 5 كيلوات من الذهب وهم يفتشون أحد البيوت وتمت ترقيتهم إلى مواقع مرموقة، وثالث كان يروّج عملات مزيفة مستخدمًا العساكر الذين تحت إمرته، ولكن والده الباشا سَوَّى الأمر وديًا، وعاشر أطلق الرصاص على مواطن بريء كان يركب سيارة أجرة لأن السائق لم يتوقف للتفتيش في كمين أمني لعدم حمله رخصة قيادة، فما كان من مدير المباحث إلا أن أحضر بندقية آلية وأطلق منها الرصاص ووضعها بجوار الجثة حتى يقولوا أن القتيل قاوم رجال الشرطة، وبالطبع شهد أفراد الكمين بذلك، ومرّ الأمر بهدوء لأن الضحية كان مواطنًا فقيرًا، ولكن لو كان من أصحاب النفوذ فإنه سيجلس في مكتب أي قيادة كبيرة في وزارة الداخلية، ويأتي بالضابط الذي ضايقه ويمسح به البلاط أمامه وقد يحوّله إلى تحقيق فوري. وبسبب عدم شعور الضابط بالأمان في عمله، فإن السائد بينهم هو ضرورة عمل مشروع خاص، يؤمّن له حياته أو التعلّق بأهداب الأغنياء "علشان يعمل قرشين للمستقبل"، أو حتى يعمل لديهم بعد خروجه من الخدمة.

وينتقل المؤلف إلى أخطر ما في الكتاب وهو مهزلة التقارير السرية عن الضباط، والتي تتدخّل بشكل سافر وفاجر في حياته الشخصية، "يعني في غرفة نومه وعلى سريره"، تطلب منه أن يطلّق زوجته بحجة عدم ملاءمة مستواها الاجتماعي أو المهني أو الأخلاقي، وهناك حالات كثيرة يوردها الكتاب، منها الضابط الذي تزوج مطربة واستدعته قيادات الوزارة وأمروه بتطليقها، في حين أن الوزير نفسه (حبيب العادلي) كان متزوجًا من مطربة ولكنها مشهورة، وضابط آخر طلّق زوجته بعد خلافات شديدة وتزوج أخرى، بعد قصة حب، ولكن القيادات طلبوا منه تطليقها لأن مهنتها لا تتناسب مع مستوى الضابط الاجتماعي.

وعلى هذا المنوال تُكتب التقارير السرية ضد الضابط وزوجته، وأحيانًا ما تكون مستندة إلى شائعات، وأحيانًا يتم تلفيقها بعلم القيادات ويتم عقابه دون تحقيق مثل أن فلانًا تزوج من امرأة ساقطة أو مشبوهة، وبالطبع لا تنال هذه التقارير من "المسنودين" ولكن من الغلابة. وكاتبو هذه التقارير عادة ما يُكافؤون رغم عدم دقة تلك التقارير في كثير من الأحيان أو تلفيقها بالأساس واعتمادها على الشائعات والقيل والقال. والكارثة تكون أكبر إذا اتهم التقرير السري الضابط بعلاقات نسائية دون تحقيق أو دليل، فتسوء سمعته وسمعة أسرته وينفضّ عنه المعارف والأصدقاء وتطلب زوجته الطلاق. وتوفّر هذه التقارير العجيبة الحجة للقيادات حتى تنقل بعض الضباط من الأماكن المتميزة وتضع بدلًا منهم "المسنودين".

ماذا عن التعذيب؟

ويأخذ التعذيب نصيبه من اعترافات قطري، حيث يشير إليه كشيء معترف به ومعمول به في جميع أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، متحدثًا عن بعض وسائل التعذيب البشعة مثل "عمل حلقات حديدية في السقف يُعلّق فيها المواطن الغلبان من رجليه مُدلَّى كالذبيحة حتى يحتقن وجهه، ويتلوّن بالأحمر من شدة تدفق دمائه إلى منطقة الدماغ، وهي وسيلة قاتلة"، أو يورد وسيلة أخرى اخترعها أحد الضباط السيكوباتيين من خلال توصيل الأسلاك الكهربائية لعِدد التليفون القديمة بالأعضاء التناسلية ليعترف المتهم على نفسه، ليس فقط من الألم الفظيع الناتج عن التعذيب، ولكن خوفًا على ذكورته في المقام الأول.

في مصر، تصل مهزلة التقارير السرية إلى طلب طلاق الضابط من زوجته

ويروي قطري الأصول التي تتم بها عمليات التعذيب، حيث يقول "تُضرب اللطمة بعيدًا عن الأذن والعينين، والتعليق له أصول وهي أن تُربط يدا المتهم مع بعضهما من الأمام ثم تجلسه القرفصاء وتُدخل ركبتيه بين ذراعيه وتأتي بخشبة طويلة وسميكة تُدخلها من فوق ذراعيه ومن تحت ركبتيه، فيصبح مُكوَّرًا ويحمله المخبرون ويضعون نهاية كل طرف على كرسي ثم يضربون المتهم على قدميه اللتين تكونان أعلى من مستوى جسده، ثم يفكّونه ويأمرونه بالجري على البلاط حتى لا تتوّرم قدماه، وإذا حدث ومات المواطن من التعذيب تتم التغطية على الجريمة ويضيع دمه هدرًا".

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. "الحوادث الفردية" لأمناء الشرطة مستمرة

ومن وسائل التعذيب الفظيعة التي يوردها الكتاب، النفخ من فتحة الشرج والوقوف على بطن المواطن بالحذاء، وهو ما يتسبب في ألم رهيب. وفي أحيان كثيرة يقوم الضباط بسجن المواطن في مكان بعيد عن قسم الشرطة، يعني في قسم شرطة آخر أو لدى أحد أحباء الشرطة ومعارفها من الموثوق بهم، حتى لا يصل إليه أحد، ثم يكتبون في دفاترهم الرسمية أنه خرج من القسم مثلًا ولا يعرفون عنه شيئًا، وفي أحيان كثيرة يفعلون ذلك والمواطن مسجون لديهم. ويصف المؤلف محاضر التحرّي بالبشاعة، وعنده حق كثير، فهي تتيح للضباط صلاحية سجن أي إنسان. والأكثر سوءًا هو الحبس الاحتياطي، وهو عار على جبين الشرعية والدستور والقانون، فهو يتيح سجن المواطن يومًا أو يومين بدون أي مبرر، وكذلك يمكن الاستعانة بنصوص قانونية تتيح حبس المتهم احتياطيًا قبل أن تثبت إدانته لمدة تصل إلى سنتين، والسبب في هذا التأخير هو كثرة القضايا وتكدسها وإرهاق القاضي فلا يدرس الأوراق ويأخذ بالظاهر.

وجهاز الشرطة لا يعرف شيئًا غير التعذيب لاكتشاف الجرائم، بحسب قطري، فالجميع ينظر إلى الضابط الذي يعذّب بمهارة على أنه يبذل مجهودًا مضنيًا يستحق المكافأة، ولكن إذا كان حظه سيئًا وانكشف الأمر وتحرك الإعلام يضحّون بنفس الضابط، الذي يتباهون به في غمضة عين ويقدّمونه إلى محاكمة ويخربون بيته، ويقولون طبعًا إنه حالة فردية لا تمثل الشرطة المصرية. والغريب أن معظم الضباط يبرّرون جرائم التعذيب البشعة بمنطق انتهازي ومخيف يحاول توريط الجميع في تبنّيه، ويمكن تلخيصه في السؤال الكليشيهي: إذا كنت أنت المضار من الجريمة، هل كنت ستعترض على تعذيب المتهم؟ 

الشرطة مصنع المجرمين

ويتساءل قطري، ونحن معه، عن المنطق وراء تقاضي مساعد وزير الداخلية 200 ألف جنيه شهريًا، في حين أن هناك ضابطًا لا يزيد مرتبه عن 400 جنيهًا (هذه أرقام الطبعة الأولى من الكتاب والتي تعود إلى عام 2003)، ويروي واقعة مؤثرة حول تعرض ضابط صغير لحالة من الظلم، ولكنه رفض تقديم طلب لنقله من مكان عمله، والسبب وراء تصرفه يعود إلى أنه يتناول في مكانه ثلاث وجبات على حساب الوزارة، وبذلك يوفّر ثمن طعامه ويستطيع دفع أقساط شقته التي سيتزوج فيها. وهذه الحالة تحديدًا تؤشر على حالة من الخوف الدائم الملازم لعدد من أفراد الشرطة المصرية، خوف من النقل وخوف من العقاب الظالم وخوف من أي خطأ لمرؤوسيه يتحمّله وخوف على زوجته وأولاده الذين يعيشون بعيدًا عنه، وخوف على راتبه الذي لا يكفي حياة كريمة له ولأسرته، خوف لا يتماشى إطلاقًا مع من يُفترض به توفير الأمان للمواطن. كذلك يمكننا التساؤل حول الوسيلة التي يمكن أن يلجأ إليها مثل هذا الضابط لتلبية احتياجاته المادية، وحينها ستبدو الخيارات مختلفة ومتنوعة وأغلبها سيؤدي إلى طرق غير قانونية ينتهجها القائم على حماية القانون.

وينتقل قطري إلى مفاجأة (ربما لا تكون كذلك بعد 6 أعوام من انكشاف كل شيء) وهي أن الشرطة تصنع المجرمين، فقد تكونت معاهد سرية غير مرئية تتميز بإنتاجها الوفير من المجرمين المسنودين ذوي السطوة وهم "المرشدون"، وهؤلاء يلتقطهم غالبًا ضباط المباحث من المجرمين وأصحاب السوابق ممن يتوسّم فيهم الخيانة، يقرّبه منه حتى يوقع بزملائه واحدًا تلو الآخر سواء كان مذنبًا أم لا، حتى يحظى بالرضا السامي للضابط، وهذا معناه ممارسة نشاطة الإجرامي في حراسة الشرطة نفسها، فالضابط يستفيد من القضايا التي يوفّرها له المرشد أو يساعده فيها، من ناحية تغطية الحصة التي يطلبها منه رؤسائه، ومن ناحية أخرى يُظهر كفاءته التي تعود عليه بمكافآت وترقيات تعتمد في الحقيقة على كفاءة المرشد، الذي يطالبه الضابط بدوره بحصة معينة من القضايا، الأمر الذي يفتح بابًا لتلفيق القضايا للأبرياء. وفي العُرف المباحثي، لا يجوز القبض على المرشد لأي سبب، ويصل الضباط إلى اتفاق يقضي بأن يتغاضى كل واحد منهم عن "مرشد" زميله، أما إذا غضب الضابط على مرشده، لأتفه الأسباب، فستكون نهايته حتمًا في السجن دون سابق إنذار، والضابط يؤمن بضرورة أن يظلّ المرشد خائفًا حتى ينفّذ له ما يريده.

يروي كتاب "اعترافات ضابط شرطة في مدينة الذئاب" كيف الشرطة تصنع المجرمين

اقرأ/ي أيضًا: الشرطة المصرية (2).. عقيدة الفشل

ويفجّر قطري مفاجأة أخرى، وهي أن بعض الضباط يأخذون نسبة من المضبوطات، سواء كانت مخدرات أو سلاحًا أو غيره، وعادة يستعينون بها في تلفيق قضايا حتى يكملوا الحصة المطلوبة منهم من الجرائم، وكثير من المصريين صار على علم بهذه الاستراتيجية حتى أنهم يتندّرون على الحملات المكثفة التي يقوم بها ضباط المباحث في نهاية كل عام بحثًا عن قضايا سريعة يكملون بها حصّتهم.

أخيرًا، "اعترافات ضابط في مدينة الذئاب" كتاب فاضح لسياسات وزارة الداخلية في التعامل مع الملف الأمني، يكشف بالتفصيل المرعب كيف ولماذا يتحول ضابط الشرطة من شخص عادي إلى وحش طليق، يملك السلطة وينتهك حقوق المصريين، وكيف تمارس المنظومة الأمنية المصرية أساليب الإذلال والإهانة بحق أفرادها لتعويدهم على الطاعة العمياء وتحضيرهم ليصبحوا أدوات في يد السلطة الحاكمة، وكيف أصبح التعذيب عقيدة أساسية لوزارة الداخلية، وكيف أصبحت الوزارة نفسها مستنقعًا للظلم وسحق الإرادة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

25 يناير.. عيد الثورة الذي لم تنسَه الشرطة

توحش الشرطة المصرية (1).. محمية الميري