هدنة بلا اتفاق: تصعيد ميداني وتصريحات متناقضة تعقّد مسار التفاهم بين واشنطن وطهران
28 مايو 2026
بعد نحو شهرين على إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال المفاوضات بين الطرفين تتحرك في مسار ضبابي تحكمه التصريحات المتضاربة والتسريبات غير المؤكدة، في ظل استمرار احتكاكات ميدانية تعكس هشاشة التهدئة وصعوبة الانتقال إلى اتفاق دائم.
فعلى المستوى السياسي، يتباين خطاب الطرفين بشكل لافت. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه "غير راضٍ" عن المقترحات الحالية، تتحدث طهران عن مسودة من 14 بندًا لما تصفه بـ"تفاهم إسلام آباد". غير أن البيت الأبيض سارع إلى نفي هذه الوثيقة، واصفًا إياها بأنها "مفبركة بالكامل"، ما يعكس فجوة عميقة في تصور الجانبين لطبيعة الاتفاق وحدوده.
تصعيد ميداني تحت سقف الردع
بالتوازي مع هذا التباين السياسي، شهد الميدان تطورات عسكرية متسارعة. فقد أفاد مسؤول أميركي لموقع "أكسيوس" بأن إيران أطلقت أربع طائرات مسيّرة باتجاه سفينة تابعة للبحرية الأميركية، إضافة إلى سفينة تجارية، مشيرًا إلى أن الجيش الأميركي تمكن من إسقاطها قبل وصولها إلى أهدافها.
وفي رد مباشر، نفذت القوات الأميركية هجومًا استهدف وحدة لإطلاق الطائرات المسيّرة على الأراضي الإيرانية، لمنع عمليات إطلاق جديدة. كما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول أميركي أن الجيش الأميركي شنّ غارات داخل إيران استهدفت موقعًا عسكريًا اعتُبر تهديدًا للقوات الأميركية ولحركة الملاحة في مضيق هرمز.
تباين خطاب الطرفين بشكل لافت. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه "غير راضٍ" عن المقترحات الحالية، تتحدث طهران عن مسودة من 14 بندًا لما تصفه بـ"تفاهم إسلام آباد". غير أن البيت الأبيض سارع إلى نفي هذه الوثيقة
في المقابل، أفادت تقارير إعلامية إيرانية بسماع دوي ثلاثة انفجارات شرقي مدينة بندر عباس الساحلية، مع تفعيل الدفاعات الجوية لفترة قصيرة، دون تأكيد رسمي لطبيعة هذه الانفجارات أو مصدرها. كما أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى تفعيل منظومات الدفاع الجوي في المنطقة، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالأنشطة العسكرية في محيط الخليج.
وتندرج هذه التطورات ضمن نمط "الاشتباك المحدود"، حيث يسعى الطرفان إلى توجيه رسائل عسكرية محسوبة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في ظل وقف إطلاق نار لا يزال قائمًا من الناحية الشكلية.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
يبقى مضيق هرمز محور التوتر الرئيسي بين الجانبين. فقد نفى ترامب تقارير عن وجود اتفاق بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إدارة الملاحة في المضيق، مؤكدًا أن الممر المائي "سيظل مفتوحًا للجميع"، ومهددًا بالتحرك العسكري في حال عدم التوصل إلى تفاهم "مرضٍ".
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات ترامب جدلًا واسعًا بعد تهديده بمهاجمة سلطنة عُمان، الحليف التقليدي لواشنطن، إذا وقفت إلى جانب إيران في ملف المضيق. وقال ترامب إن على مسقط أن "تحسن التصرف"، وإلا "فسيتعين علينا نسفهم"، قبل أن تؤكد وزارة الخارجية الأميركية هذه التصريحات دون إصدار أي توضيح أو تصحيح، ما زاد من غموض الموقف الأميركي.
ويكتسب هذا التصعيد أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تلعبه مسقط كوسيط تقليدي بين واشنطن وطهران، حيث سبق أن ساهمت في جهود تهدئة قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
في المقابل، تحدث التلفزيون الرسمي الإيراني عن مسودة غير رسمية لاتفاق من شأنه إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر، على أن تتولى إيران وسلطنة عُمان إدارة المضيق بشكل مشترك. كما يتضمن هذا الإطار، وفق التسريبات، رفع القيود الأميركية عن الموانئ الإيرانية، وسحب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران، وهي بنود لم تؤكدها أي جهة رسمية، ورفضتها واشنطن بشكل قاطع.
العقوبات وتغيير قواعد الملاحة
في موازاة التصعيد العسكري والسياسي، كثّفت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران. فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، التي أنشأتها طهران مؤخرًا لإدارة حركة المرور في المضيق، على قائمة العقوبات.
وقالت الوزارة إن هذه الهيئة، التي تتولى تنظيم عبور السفن وتحصيل رسوم مقابل خدمات الملاحة، تمثل محاولة لفرض قيود على التجارة البحرية الدولية. ونقل البيان عن وزير الخزانة سكوت بيسنت قوله إن "تحركات إيران تمثل ابتزازًا للتجارة البحرية العالمية"، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية دفعت طهران إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة.
ولوّحت واشنطن بإمكانية فرض عقوبات على أي أطراف تتعامل مع هذه الهيئة، محذرة من ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني، ومؤكدة أنها نجحت في حرمان إيران من "عشرات مليارات الدولارات" من الإيرادات.
وكانت الهيئة الإيرانية قد أعلنت في 5 أيار/مايو الجاري عن نطاق ما وصفته "ولايتها التنظيمية" في المضيق، مع فرض اشتراطات جديدة تتعلق بالحصول على موافقات مسبقة لعبور السفن، وهو ما اعتبرته أطراف دولية محاولة لفرض أمر واقع جديد في أحد أهم الممرات البحرية عالميًا.
وقبل اندلاع المواجهات، كانت المنظمة البحرية الدولية تشرف على حركة الملاحة في المضيق، بمتوسط يقارب 120 سفينة يوميًا، دون فرض رسوم أو قيود تنظيمية مشددة، وهو ما تغيّر بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب.
مفاوضات تحت ضغط مزدوج
في خضم هذه التطورات، تتواصل الجهود الدبلوماسية، لا سيما تلك التي تقودها باكستان، في محاولة للتوصل إلى تسوية. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن المفاوضات لا تزال بعيدة عن تحقيق اختراق حقيقي.
ففي الوقت الذي تطالب فيه إيران بالإفراج عن أموالها المجمدة "دون قيد أو شرط"، وفق ما نقلته وكالة "تسنيم" عن مسؤولين في المجلس الأعلى للأمن القومي، تؤكد واشنطن أن المقترحات الحالية "غير مرضية"، رغم اعتراف ترامب بأن إيران "تسعى بشدة" لإبرام اتفاق.
في السياق، شدد الرئيس ترامب على أنه "غير مستعجل"، ملوّحًا بخيار "حسم الأمر" في حال عدم التوصل إلى تفاهم، في إشارة واضحة إلى إمكانية العودة إلى التصعيد العسكري.
في المقابل، قال نائب رئيس الشؤون السياسية في القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني محمد أكبر زاده إن "احتمال الحرب ضئيل بسبب ضعف العدو"، مؤكدًا أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة جاهزية كاملة.
هدنة بلا ضمانات
تكشف هذه التطورات أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يتحول إلى مسار سياسي للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، بل لا يزال إطارًا هشًا تحكمه حسابات الردع المتبادل. فبين تسريبات الاتفاقات المنفية، والتصريحات المتشددة، والتصعيد العسكري المحدود، تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران أقرب إلى إدارة صراع مفتوح منها إلى تسوية نهائية.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى كل السيناريوهات مطروحة: إما التوصل إلى اتفاق يجنب المنطقة تصعيدًا شاملًا، أو الانزلاق التدريجي نحو مواجهة أوسع، تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند حدوده.