ultracheck
  1. قول

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

13 يوليو 2026
عزمي بشارة
المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة (منصة إكس)
مهيب الرفاعي مهيب الرفاعي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه، يتمثل في مراجعة الذات؛ بينما يكون المسار الأسهل بكثير هو البحث عن هدف في الخارج يمكن تحميله مسؤولية ما هو، في الحقيقة، أزمة داخلية.

يسلك ميخائيل كلاينر، وهو إسرائيلي من أصول ألمانية يشغل منصب رئيس المحكمة الداخلية لحزب الليكود وعضو سابق في الكنيست، في مقال رأي نشرته صحيفة "معاريف" بتاريخ 10 تموز/يوليو 2026، بعنوان مثير للجدل يدور حول فكرة "معركة من أجل أميركا"، هذا المسار الثاني بحماس لافت، مقدمًا بذلك دراسة حالة صغيرة لكنها كاشفة حول كيفية بناء سرديات التظلم الشعبوية، ومن تستثنيه هذه السرديات من التدقيق، وما تختار عمدًا عدم ذكره.

تشخيص يرفض النظر إلى المرآة

إنّ فرضية المقال ليست، في حدّ ذاتها، غير منطقية؛ إذ إن التعاطف الشعبي الأميركي مع إسرائيل، الذي كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه ركيزة راسخة في إجماع واشنطن على السياسة الخارجية، قد تراجع بشكل ملحوظ، لا سيما بين الديمقراطيين الشباب، وحتى بين بعض الجمهوريين منهم. وهذا اتجاه حقيقي وموثّق جيدًا، يظهر جليًا في استطلاعات غالوب وبيو المتتالية على مدى السنوات القليلة الماضية، والتي سنأتي على ذكرها لاحقًا بتفصيل أوسع.

إلا أن التفسير الذي يقدّمه كلاينر لهذا التراجع في الدعم والمساندة يفتقر إلى المنطق؛ إذ إنه، بدلًا من دراسة عقود التوسع الاستيطاني والاحتلال التي شكّلت نظرة جيل جديد من الأميركيين إلى الصراع، عبر ما يتابعونه في وسائل التواصل الاجتماعي، وبدلًا من تقييم ما يربو على ألف يوم من الحرب المدمرة على غزة، وما رافقها من إجراءات قانونية دولية تواجهها إسرائيل، يتجاهل كل ذلك.

ويشمل هذا الواقع تضرر نحو 94% من المؤسسات الصحية التي كانت عاملة في غزة قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، وسقوط نحو 73 ألف شهيد، خلّفوا أكثر من 47 ألف أرملة، وما يزيد على 58 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، إلى جانب أكثر من 42 ألف مصاب بإصابات خطيرة مهددة للحياة، وأكثر من 173 ألف جريح إجمالًا يواجهون واقعًا صحيًا بالغ الصعوبة داخل القطاع، فضلًا عن تدمير نحو 90% من الأراضي الصالحة للزراعة.

ورغم كل ذلك، يلجأ المقال إلى متهم أبسط وأكثر ملاءمة: أكاديمي عربي واحد يعيش في الدوحة.

هناك نمط طويل وواضح من التشويه والتضليل والاتهام هنا، يسبق هذا المقال تحديدًا بما يقارب عقدين من الزمن؛ إذ إنه عندما استقال الدكتور بشارة من مقعده في الكنيست في 22 نيسان/أبريل عام 2007، جُنّ جنون السلطات الإسرائيلية حينها

لا يُصوَّر المفكر العربي عزمي بشارة في هذا المقال بوصفه ناقدًا مؤثرًا، بقدر ما يُقدَّم كـ"مهندس خفي لخيبة الأمل الأميركية ذاتها"؛ إذ تعرضه "معاريف" على أنه رجل تعمل مراكز أبحاثه ومجلاته الأكاديمية ومؤسساته الإعلامية كغرفة عمليات سرية تسعى لتقويض مكانة إسرائيل في العالم الغربي "الحر".

وتبلغ ذروة هذا الخطاب، إن صح التعبير، الادعاء بأن بشارة "أخطر على إسرائيل من الرئيس التركي والمرشد الأعلى الإيراني مجتمعين"، مع تصوير مراكز أبحاثه كأنفاق تخترق الرأي العام الأميركي والأوروبي، يشبّهها الكاتب صراحة بأنفاق حماس.

هذا ليس تحليلًا بقدر ما هو محاولة لتبييض أزمة سياسية وأخلاقية وتحويلها إلى تهديد أمني مُجسّد؛ لأن التهديد الأمني يمكن مكافحته واحتواؤه ونزع شرعيته بطرق لا يمكن لسجل متراكم من إخفاقات السياسات أن يفعلها.

مصلحة الشرير الأجنبي

هناك نمط طويل وواضح من التشويه والتضليل والاتهام هنا، يسبق هذا المقال تحديدًا بما يقارب عقدين من الزمن؛ إذ إنه عندما استقال الدكتور بشارة من مقعده في الكنيست في 22 نيسان/أبريل عام 2007، جُنّ جنون السلطات الإسرائيلية حينها. وبدلًا من مواجهة ما اعتبره هو ومئات الأكاديميين الإسرائيليين الذين وقعوا عريضة عامة نيابةً عنه "محاكمة ذات دوافع سياسية وتشويهًا للسمعة"، شنّت الصحافة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية حملة غير مسبوقة، صوّرته على أنه "أخطر أنواع الخونة".

لم تكن شدة تلك الحادثة وحدها ما جعلها لافتة، بل توقيتها أيضًا؛ إذ جاءت في أعقاب حرب لبنان عام 2006 مباشرة، وهي حرب اعتبرها الإسرائيليون أنفسهم على نطاق واسع خيبة أمل استراتيجية وعسكرية، بعد انهيار أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" وأسطورة "ميركافا". وبدلًا من استيعاب مرارة ذلك الفشل عبر المساءلة المؤسسية، وجّه جزء كبير من الصحافة غضب الرأي العام نحو المواطن العربي الذي اعتبر أن العضوية في الكنيست "عبءٌ وليس شرفًا وطنيًا"، وأن الوجود فيه للدفاع عن الموقف الفلسطيني والحفاظ على الهوية العربية الفلسطينية، والحد من دور المستعمر في التصنيف والترقيم، ومنع تحويل المواطن الفلسطيني في المؤسسات الحكومية الإسرائيلية إلى مجرد رقم؛ وكان الأكثر إصرارًا وبلاغةً في تسليط الضوء على أوجه عدم المساواة الهيكلية التي تمارسها حكومة الاحتلال تجاه العرب الفلسطينيين، ومسائل الفصل العنصري.

وبالتالي، في هذه المادة، تكرّر "معاريف" المناورة نفسها تمامًا، مع ملاحظة أن الفشل الذي يُراد استيعابه هذه المرة هو انهيار افتراض دام عقودًا بأن الدعم الأميركي دائم وغير مشروط، وليس مجرد معركة يمكن أن تدور رحاها وتتغير معالمها تبعًا للمتغيرات الدولية.

لوحظ هذا النمط من الهجوم الشعبوي والعشوائي مباشرةً بعد مقال امطانس شحادة، مدير برنامج الدراسات الإسرائيلية في مركز مدى الكرمل، وهو مركز أبحاث فلسطيني في حيفا، المنشور في 5 تموز/يوليو الجاري، أي قبل أيام من نشر مادة كلاينر، على موقع وصحيفة "العربي الجديد"، حول "مؤشر السياسة الخارجية الإسرائيلية" لعام 2026. ويكشف مؤشر "متفيم"، المتخصص في متابعة السياسة الخارجية الإسرائيلية، عن اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي تجاه الحرب والحل السياسي؛ إذ يفضّل 33% من الرأي العام في إسرائيل ضمّ الأراضي وفرض السيادة الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية كحل استراتيجي، مقابل 22% فقط يدعمون حل الدولتين ضمن تطبيع إقليمي. كما يميل 37% إلى العودة للقتال واحتلال غزة بالكامل، ويؤيد 49% استئناف الحرب مع إيران لإسقاط النظام هناك.

تمنح هذه الأرقام المقال سندًا إضافيًا قويًا؛ فبينما يشير كلاينر إلى بشارة وقطر بوصفهما مصدر الأزمة، تُظهر هذه المعطيات أن المجتمع الإسرائيلي نفسه، بأغلبياته الحزبية العابرة، يواصل تفضيل الحلول العسكرية والتوسع، متجاهلًا إدراكه الخاص لكلفة هذا الخيار على مكانة إسرائيل الدولية. ويعزز هذا التناقض الداخلي، بين الوعي بالعزلة والإصرار على السياسات التي تنتجها، حجة المقال بأن مصدر تراجع التعاطف الأميركي يكمن في السياسات والممارسات الفعلية على الأرض، لا في نشاط فكري أو أكاديمي لمؤسسات بشارة.

بهذا المعنى، لا ينفصل الهجوم على بشارة عن كونه آليةً لتشويه سمعة تيار فكري بأكمله استباقيًا، ولتلقين الجمهور الإسرائيلي ربط أي نقد بنيوي للدولة بأعمال "عدو أجنبي"، بدلًا من اعتباره حجة مشروعة.

أما في معضلة سوريا ما بعد الأسد، فيكشف موقف الدكتور عزمي بشارة تجاه سوريا الجديدة عن السبب الحقيقي وراء غضب كلاينر وهجومه؛ إذ يقف تحليل بشارة السياسي مباشرة في طريق المشروع الإسرائيلي القائم في سوريا، ما يمنح صورة "العدو الأخطر من أردوغان وخامنئي" معنى أوضح بكثير من الرواية التي يسوّقها كاتب "معاريف".

حذّر الدكتور عزمي بشارة مرارًا من أن إسرائيل تحلم بتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية وعرقية، ودعا الإدارة السورية الجديدة إلى إفشال هذا المخطط عبر بناء دولة موحّدة قوية لكل السوريين، بعيدًا عن التمثيل الطائفي والمحاصصة الرمزية، التي اعتبرها من أسوأ أشكال إعادة إنتاج الانقسام.

وفي عدة مناسبات، وصف بشارة السلوك الإسرائيلي في المنطقة بأنه تصرّف "الوصيّ الإقليمي" الذي يفرض شروطًا على كيفية إدارة الدول العربية، مستشهدًا بمثال سوريا نفسها، حيث تتحدث إسرائيل عن مستقبل الجنوب السوري وكأنها صاحبة القرار فيه، وتنفذ غارات جوية متكررة لترسيخ نفوذها هناك، وتسعى إلى فرض منطقة منزوعة السلاح تحت سيطرتها الفعلية؛ وهو ما وصفه بشارة صراحة بأنه احتلال يستوجب التعامل معه بشتى الطرق، لا التستر عليه بغطاء تفاوضي.

كما حذّر بشارة من أن الهدف الإسرائيلي الأعمق يتمثل في تحويل المشرق العربي بأكمله، من سوريا إلى لبنان، إلى منطقة نفوذ إسرائيلية خالصة، عبر فرض شروط أمنية وسياسية مجحفة قد تدفع هذه الدول نحو الانفجار الداخلي إذا طُبّقت بالقوة.

وبقدر ما يقدّم بشارة هذا التحليل الاستراتيجي المفصّل، الذي يحظى بمتابعة واسعة في الأوساط السورية والعربية عبر منابر إعلامية وأكاديمية ومؤتمرات متعددة، يصبح مفهومًا أكثر لماذا يفضّل كاتب مثل كلاينر اختزاله في صورة "عقل مدبر" يدير "نفقًا" سريًا، بدلًا من الاعتراف بأن ما يزعج إسرائيل فعليًا هو مضمون هذا التحليل نفسه؛ أي كشف مشروعها التوسعي في سوريا وتسميته بالاسم الصريح الذي يستحقه.

معركة الرأي العام بالأرقام

الأرقام التي لم يذكرها كلاينر تكشف قصة أكثر واقعية من أي سرد لعمليات التأثير السرية؛ إذ إنه، بالعودة إلى استطلاع "غالوب" الذي أُجري في شباط/فبراير 2026، نرى أن تعاطف الأميركيين مع الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين قد تراجع إلى مستوى متقارب للغاية، بنسبة 36% مقابل 41%، بعد أن كان متقدمًا بفارق كبير بلغ 54% مقابل 31% لصالح إسرائيل قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث اقتربت نسبة تأييد إسرائيل من أدنى مستوى تاريخي لها في سجل الاستطلاع الممتد لخمسة وعشرين عامًا. وبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، تتعاطف الأغلبية الآن مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، وذلك للمرة الأولى منذ أن بدأ "غالوب" بتتبع هذا السؤال في عام 2001.

وتؤكد استطلاعات مركز "بيو" الموازية هذا المسار، وتضيف تفاصيل تستحق القراءة الكاملة بدلًا من الاكتفاء بقراءة سريعة لرقم رئيسي واحد (تراجع صورة إسرائيل أمام الغرب)، لأن القصة الحقيقية تكمن في تفاصيل الاستطلاع الداخلية. بحلول نيسان/أبريل 2026، كان لدى ما يقرب من ستة من كل عشرة أميركيين نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة قدرها سبع نقاط في عام واحد، وعشرين نقطة منذ عام 2022. ولا تقل أهمية حدة هذا التحول عن اتساعه؛ إذ تضاعفت نسبة من يعبرون عن رأي سلبي للغاية ثلاث مرات تقريبًا في أربع سنوات، من واحد من كل عشرة أميركيين تقريبًا إلى 28% اليوم، وتصل الآن إلى 80% بين الديمقراطيين، وتشكل أغلبية بين الجمهوريين دون سن الخمسين. 

وفي استطلاع لاحق لمركز "بيو" في أيار/مايو 2026، لقياس المواقف تجاه الإسرائيليين كشعب وليس كدولة بحد ذاتها، وجد الاستطلاع أن التأييد لا يزال يتراجع من 67% في عام 2022 إلى 52%، مع ارتفاع الآراء السلبية بين الديمقراطيين من 31% إلى ما يزيد قليلًا عن النصف. يظهر هذا التحليل أن نتنياهو، الذي تسعى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته، هو الخاسر الأكبر على الإطلاق؛ إذ يقول ما يقارب 60% من الأميركيين إنهم فقدوا ثقتهم في حكمه على الشؤون الدولية، وهو رقم يشير إلى أن هذا التراجع ليس مجرد استياء عام من إسرائيل ككيان مجرد، وأنه لم يتأثر بأفكار خارجية أو نتائج مؤشرات عربية مثلًا، بقدر ما هو حكم محدد على الرجل الذي قاد الحرب. والرقم الذي ينبغي أن يقلق الاستراتيجيين الإسرائيليين أكثر من غيره هو انعكاس فجوة التعاطف نفسها، على اعتبار أن الأميركيين يميلون الآن إلى الجانب الفلسطيني بفارق 11 نقطة، وهو تحول حاد عن عام 2022، حين كانت الفجوة نفسها 28 نقطة في الاتجاه المعاكس. هذا ليس دليلًا على "أنفاق" خفية حفرتها مراكز أبحاث عربية أو مؤسسات إعلامية وشبكات علاقات عامة ومؤشرات ومقالات رأي، بل هو تآكل واضح وقابل للقياس في التأييد الشعبي الأميركي نفسه، يتماشى تقريبًا مع تسلسل أحداث حرب غزة وتكاليفها البشرية الموثقة؛ وهو اتجاه لا يمكن لأي حملة تحريض ضد رجل واحد أن تفسره بشكل معقول.

ونلاحظ عمومًا أن إسرائيل تبدو مندهشة حقًا من تراجع مكانتها في الرأي العام الأميركي، وأنها، بدلًا من إعادة النظر في سياسات الاحتلال والحرب التي أدت إلى هذا التراجع، تبحث عن مبررات تسمح لها بالحفاظ على تلك السياسات مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدعم الذي تعتاش عليه. يمكن القول إن هذا التحريض ضد شخصية مثل بشارة يخدم أغراضًا متعددة في آن واحد؛ فهو يرضي الرأي العام الإسرائيلي، وخاصة اليميني منه، الذي يميل أصلًا إلى تصديق المؤامرات الخارجية بدلًا من المساءلة الداخلية؛ ويغذي العداء تجاه دولة قطر بطرق تتناغم مع المخاوف القائمة، ويلتقي مع النشطاء والإعلاميين الإسرائيليين الشعبويين القائمين على التحريض والحشد، مثل إيدي كوهين، والمتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية وأفيخاي أدرعي؛ ويمهد الطريق لحملات محلية مستقبلية ضد الأحزاب السياسية العربية داخل إسرائيل والمؤسسات المدنية المرتبطة تاريخيًا بالحركة الوطنية الفلسطينية.

يزيد التفسير الذي يقدمه باحثون متخصصون في دراسة تشكيل الرأي العام الأميركي من صعوبة التوفيق بين هذه البيانات وفرضية كلاينر، ويأتي هذا التفسير من جهات معنية بالبحث العلمي الجاد والمتقن. فمثلًا، يشير توماس واريك، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، بشكل مباشر إلى الأثر التراكمي للحرب التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ يجادل بأن سير الحملات العسكرية في غزة والضفة الغربية ولبنان ترك لدى الناخبين الأميركيين انطباعًا واضحًا بغياب خطة نهائية لإنهاء القتال، في وقت يريد فيه الشعب الأميركي فعليًا سلامًا حقيقيًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويقدّم الدكتور نواف التميمي، في كتابه "إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدع النموذج: أزمة الشرعية والمكانة الدولية بعد حرب الإبادة في غزة"، الصادر في أيار/مايو 2026، إطارًا تحليليًا يتجاوز الأرقام إلى فهم الأزمة الجذرية الكامنة خلفها. يرى التميمي أن ما تعرضت له صورة إسرائيل الدولية بعد حرب غزة يشكل انكشافًا حقيقيًا لمشروع "Brand Israel" الذي عملت عليه تل أبيب منذ عام 2005 لتقديم نفسها نموذجًا عالميًا للدولة الديمقراطية الحديثة، وليس مجرد أزمة إعلامية عابرة تزول بحملة علاقات عامة جديدة. 

ويوضح التميمي أن هذا المشروع الدعائي، الذي بنته أجيال من الدبلوماسيين والمؤسسات الصهيونية على مدى عقود عبر التماهي مع القيم الغربية وسردية الاضطهاد التاريخي وروايات استجداء الدعم، ظل مشروطًا دائمًا بقدرة إسرائيل على الفصل بين خطابها الأخلاقي أمام العالم وممارساتها الفعلية على الأرض، وهو التوازن الذي انهار تمامًا أمام الصور والمشاهد التي وثّقتها كاميرات الهواتف من غزة، بعيدًا عن قبضة أدوات الدعاية التقليدية التي كانت تتحكم سابقًا في تأطير الرواية. ويستشهد التميمي بشخصيات أمنية إسرائيلية بارزة، من بينها مسؤولون سابقون في "الموساد" و"الشاباك"، يحذرون علنًا من أن جيل مؤسسي الرواية الإسرائيلية القديم قد ولى، وأن الأجيال الجديدة حول العالم، التي لم تعش حقبة الحرب الباردة ولا سردية "الدولة الصغيرة المحاصرة"، تتلقى اليوم صورتها عن إسرائيل مباشرة من ساحة الحرب نفسها بلا وسيط، بلا رواية جاهزة، وبلا اهتمام حقيقي بإعادة إنتاج التعاطف القديم. وبالتالي، فإن تراجع التعاطف الأميركي الذي كشفته استطلاعات "غالوب" و"بيو" ليس طارئًا عابرًا يمكن عكسه بحملة علاقات عامة أو بمطاردة مفكر عربي واحد؛ بقدر ما هو الوجه الظاهر لانهيار مشروع سردي متكامل استمر لعقود، انهار لأن الوقائع على الأرض تجاوزت أخيرًا قدرة أي رواية، مهما بلغت مهارتها، على احتوائها.

وفي مستوى أوسع، يقدّم مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، قراءة مكمّلة تعتبر هذا التحول ظاهرة عالمية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، ويعزوه إلى الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل والمتمثلة في جرائم إبادة جماعية متجذرة في نظام استبدادي عنصري راسخ، ووصول لقطات الحرب وشهاداتها إلى الجمهور الأميركي مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متجاوزةً آليات الرقابة التقليدية التي كانت تحدد سابقًا كيفية فلترة هذه الصور وتأطيرها. وهنا يستشهد البرغوثي على مدى تغلغل هذا الشعور في صميم السياسة الأميركية بتصويت أربعين عضوًا ديمقراطيًا من أصل سبعة وأربعين في مجلس الشيوخ ضد تزويد إسرائيل بجرافات "كاتربيلر"، في سلوك يعكس تحولًا حقيقيًا في حسابات حزب اعتاد طويلًا افتراض أن دعم إسرائيل يأتي خاليًا من أي كلفة سياسية.

تفضح هذه المجموعة الكاملة من الشهادات والبيانات المستقلة هشاشة الأطروحة التي بنى عليها كلاينر مقاله؛ إذ يختزل الكاتب تفسيرات خبراء استطلاعات الرأي والدبلوماسيين السابقين وأعضاء مجلس الشيوخ المنتخبين، الذين توصلوا جميعًا وبشكل مستقل عن بعضهم إلى القراءة نفسها، في نشاط مركز أبحاث واحد يقوده مفكر عربي من الدوحة. وتقلب هذه المحاولة سلسلة الأسباب والنتائج رأسًا على عقب بشكل فاضح، وتحمّل رد فعل الجمهور الأميركي على حرب استمرت عامين كاملين، بكل ما خلّفته من دمار وضحايا موثقين، مسؤولية إشعال تلك الحرب نفسها، في مغالطة منطقية يصعب تبريرها من كاتب يفترض أن يعرف الفارق بين السبب والنتيجة.

الصمت في قلب النار

يلفت الانتباه في مقال كلاينر ما يتجنبه الكاتب عمدًا من قول، أكثر مما يلفته ما يصرّح به فعلًا. يمرّ الكاتب في استعراض تاريخي مطوّل للعلاقة الأميركية الإسرائيلية، يمتد من بن غوريون مرورًا بكينيدي وبيغن وكيسنجر وأوباما، متجاوزًا السؤال عن مسؤولية سلوك إسرائيل نفسه عن الإرهاق الذي بات واضحًا في واشنطن. ويزيد الطين بلة أن الكاتب يغفل الإشارة إلى أن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة، على مدى عقود، مرارًا وتكرارًا إلى مواجهات إقليمية خارجة عن اختيار واشنطن، مستنزفةً رأس المال الدبلوماسي والموارد العسكرية الأميركية في مواجهة مستمرة مع إيران ودول متعددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

وعلى أقل تقدير، وخلال أشهر فقط (لن نتحدث منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948)، تحوّلت العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، التي انطلقت في شباط/فبراير 2026 تحت اسم "العاصفة الملحمية"، إلى فاتورة باهظة تدفعها الخزينة الأميركية والمواطن الأميركي مباشرة؛ إذ بلغت كلفة هذه العمليات نحو 29 مليار دولار، وفق شهادة مسؤول في البنتاغون أمام الكونغرس في مايو/أيار 2026. وخسر سلاح الجو الأميركي 42 طائرة ومسيّرة، شملت مقاتلات "إف-15 إي" و"إف-35 إيه" و"إيه-10"، وسبع طائرات تزويد بالوقود من طراز "كي سي-135"، فقد طاقمٌ كامل في إحداها حتفه، إضافة إلى طائرة استطلاع "إي-3 سينتري"، وطائرتي عمليات خاصة، ومروحية إنقاذ، و24 طائرة مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، وهي خسائر تشكّل منظومة جوية متكاملة تحتاج وقتًا طويلًا للتعويض. 

يلفت الانتباه في مقال كلاينر ما يتجنبه الكاتب عمدًا من قول، أكثر مما يلفته ما يصرّح به فعلًا. يمرّ الكاتب في استعراض تاريخي مطوّل للعلاقة الأميركية الإسرائيلية، متجاوزًا السؤال عن مسؤولية سلوك إسرائيل نفسه عن الإرهاق الذي بات واضحًا في واشنطن

وخلال هذه العمليات قُتل 13 جنديًا أميركيًا وأصيب المئات، وانتشرت عشرات آلاف القوات الإضافية وثلاث حاملات طائرات في المنطقة لحماية هدنة هشة، فيما تراجعت شعبية الحرب بين الأميركيين من 38% في آذار/مارس إلى 34% في أيار/مايو، وسط انتقادات ديمقراطية حادة قبل أشهر من الانتخابات النصفية. وعلى الصعيد الاقتصادي، قفز التضخم الأميركي إلى 3.8% في نيسان/أبريل 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023، مدفوعًا بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس نفط وغاز العالم، وارتفعت أسعار البنزين بنسبة 28.4%، وتذاكر الطيران بنسبة 20.7%، والغذاء بنسبة 3.8%، مع تراجع ثقة المستهلك الأميركي إلى مستويات تعيد إلى الأذهان ذروة التضخم في عام 2022.

تمنح هذه الأرقام دليلًا ملموسًا ومباشرًا على أن التماهي الأميركي المستمر مع الأجندة الأمنية الإسرائيلية تجاه إيران والمنطقة يتحول إلى كلفة فعلية يتحملها المواطن الأميركي نفسه، عبر قتلى وجرحى في صفوف جيشه، وتضخم يضرب قدرته الشرائية اليومية، وغضب سياسي يهدد مستقبل الحزب الحاكم قبيل موعد انتخابي حاسم. ويجعل هذا الواقع الملموس من تراجع التعاطف الأميركي مع إسرائيل نتيجة طبيعية لكلفة محسوسة يعيشها الناخب الأميركي في محفظته وبين أفراد عائلته، أكثر منه انعكاسًا لأي نشاط فكري يمارسه باحث عربي واحد من مقر إقامته في دولة قطر.

تثير دولة قادرة على شنّ ضربات في عمق لبنان وسوريا وقطاع غزة وإيران، وتتوقع في كل مرة غطاءً دبلوماسيًا أميركيًا ودعمًا عسكريًا غير مشروط، إرهاقًا حتى لدى أشد حلفائها ولاءً مع مرور الوقت، وهو أمر يستحق اعترافًا واضحًا من كاتب "معاريف". ويحمل تحالف قائم أساسًا على ديمومة مصطنعة لـ"التصويت اليهودي" ضعفًا كامنًا في جوهره، مقارنة بتحالف يقوم على تقارب حقيقي في المصالح والقيم والأهداف، ويكمن سبب هذا الضعف في تثبيطه لإعادة التقييم الصادقة التي تتطلبها التحالفات السليمة. تتناول مادة كلاينر تدهور هذا الترتيب باعتباره عملًا تخريبيًا نفّذه عدو خارجي، ويصح وصفه، بصدق أكبر، بأنه ترتيب يواجه أخيرًا التكاليف التي أمضى عقودًا في تأجيلها. والمهم في هذا كله أن نلاحظ النزعة الشعبوية الأعمق في المقالة، والمتمثلة في تحويل مشكلة عميقة الجذور وذاتية المنشأ إلى تهديد وجودي يستدعي التعبئة، وفي إغلاق باب النقاش عبر إعادة صياغته كتكتيك عدائي. تختزل المادة عقودًا من الأبحاث المنشورة لبشارة، وتأسيسه مؤسسات بحثية وإعلامية وتعليمية توظف مئات الباحثين في العالم العربي، وتعليقاته العامة، وإشرافه على مشاريع تأريخية ولغوية مهمة وجديرة بالثقة والإشادة، مثل "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" والموسوعة العربية "أرابيكا"، في صورة "عقل مدبر خبيث واحد يدير نفقًا" إلى العقل الغربي.

يتحول بشارة، في نهاية المطاف، إلى صورة مبسّطة يسهل توجيه الاتهام إليها من أعدائه، وفي الوقت نفسه يصعب الرد عليها فكريًا بجدية، لأن هذه الصورة المختزلة لا تحمل مضمونًا حقيقيًا يمكن مناقشته أو دحضه. ويكمن الهدف الفعلي من وراء هذا الاختزال في تجنّب أي حوار جاد مع أفكار بشارة الفعلية، عبر استبدالها بعدو وهمي أسهل في المواجهة وأكثر إثارة للحشد الجماهيري والجدالات الشعبوية.

كلمات مفتاحية
ماكرون والشرع

خبراء باريس في مجلس الشعب.. تعاون قانوني مع دمشق واستعادة موقع قديم

نادرًا ما تحمل الزيارات البرلمانية طابعًا بروتوكوليًا خالصًا، فهي تمثل في العادة مؤشرًا على تحولات أوسع في توجهات السياسة الخارجية وإعادة تعريف المصالح الوطنية

جنود سودانيون

معركة الميدان وشروط التفاوض.. السودان بين التصعيد والحوار

انتقل طرفي الصراع في السودان إلى مرحلة يسعى فيها كل منهما إلى تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي تسوية محتملة

الزاوية

الزاوية في خارطة النفوذ الليبية.. صراع محلي يعيد تشكيل موازين القوى في الغرب

لم تعد مدينة الزاوية مجرد ساحة لاشتباكات محلية متكررة، بل أصبحت واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية في خريطة النفوذ بغرب ليبيا

اقتصاد كرة القدم
رياضة

إن لم تجد راعيًا واحدًا لقميص ناديك.. فابحث عن ألف!

حين يضع النادي عدة شعارات على قميصه قد يرى البعض أن كثرتها تطغى على هوية الفريق وشكله، وآخرون والإدارة قد ينظرون إلى الرعاية باعتبارها مصدرًا مهمًا للإيرادات، لكن ماذا لو أصبح عدد الرعاة 1000؟

اليابان
حالة

ما هي "أزمة الشمام" التي سببت خلافًا بين اليابان وأستراليا؟

لم تتحول الواقعة في البداية إلى قضية كبيرة، لكن تسجيل المقابلة عاد إلى الواجهة بعد أسابيع، لتبدأ المعارضة ووسائل إعلام أسترالية في انتقاد ألبانيزي والمطالبة باعتذاره لرئيسة الوزراء اليابانية

آرسنال
رياضة

درع المجتمع يكشف مدى "جوع" أرسنال.. ويضع مشروع ماريسكا تحت المجهر

يلتقي أرسنال بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، مع مانشستر سيتي حامل لقب كأس الاتحاد الإنجليزي، في افتتاح الموسم الجديد عبر مباراة درع المجتمع، أو ما يعرف بـ"الدرع الخيرية"

سيارات كهربائية
سيّارات

رغم تراجع المبيعات محليًا.. السيارات الصينية تكسب أسواق العالم

كل سيارة لا تجد مشتريًا في الصين يمكن أن تتحول إلى فرصة في سوق آخر، من أوروبا وأميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا