يتصاعد التوتر في العراق مع تداخل التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب الدائرة في المنطقة، في ظل إغلاق مضيق هرمز واتساع رقعة المواجهة المرتبطة بالعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. فقد حذّرت الحكومة العراقية من تداعيات مالية محتملة على البلاد نتيجة عرقلة صادرات النفط، في وقت شهدت بغداد وأربيل خلال الساعات الأخيرة سلسلة أحداث أمنية بارزة شملت استهداف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء وهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع عسكرية، إضافة إلى سقوط طائرة أميركية ومقتل جندي فرنسي. وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من انزلاق العراق أكثر إلى قلب الصراع الإقليمي، وتحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى المتصارعة.
أزمة مالية في العراق
قال المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح إن آثار عرقلة صادرات النفط عبر مضيق هرمز لن تظهر فورًا، مرجحًا أن تبدأ تداعياتها المالية بعد نحو شهرين إذا استمر إغلاق المضيق.
وأوضح في تصريح لوكالة الأنباء العراقية "واع" أن الحكومة قد تضطر إلى اللجوء إلى الاقتراض لتأمين الرواتب وتسديد الالتزامات، مع احتمال دخول البلاد مرحلة تقشف مؤقتة. وأشار إلى أن الاحتياطيات النقدية الجيدة تسمح بالاقتراض الداخلي، مؤكدًا أن العراق يبقى "محصنًا ماليًا" إذا استمرت الأزمة بين أربعة وخمسة أشهر.
يأتي ذلك بعد أن أعلن مدير عام الشركة العامة للموانئ العراقية فرحان الفرطوسي، الخميس، توقف الموانئ النفطية تمامًا، مع استمرار العمل في الموانئ التجارية، وذلك عقب استهداف ناقلتي نفط في المياه الإقليمية العراقية وإغلاق مضيق هرمز.
هجوم على السفارة الأميركية في بغداد
في تطور هو الأول من نوعه بهذا المستوى، تعرّضت السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد فجر اليوم لهجوم صاروخي أسفر عن أضرار داخل محيطها وتدمير منظومة للدفاع الجوي، وسط دوي صفارات الإنذار وتصاعد أعمدة الدخان وظهور كتلة نارية من داخل المجمع الدبلوماسي.
ولخّص تقرير نشره مختصون أمنيون الحادثة بـ "تدمير منظومة اتصالات فضائية أعلى بناية داخل مجمع السفارة الأميركية في بغداد"، حيث استهدفت طائرة مسيّرة "قبة تضم هوائي منظومة CPI SAT Model 24-30L"، وهي منظومة "توفر الاتصالات وتبادل البيانات عبر الأقمار الاصطناعية".
وفي الوقت نفسه، استُهدف معسكر الدعم اللوجستي الأميركي قرب مطار بغداد بطائرة مسيّرة.
مقتل شخصية مهمة
وسبق هذه الهجمات استهداف منزل في حي الكرادة وسط بغداد يُعتقد أنه يعود لشخصية مهمة، بحسب ما نقلت وكالة "فرانس برس" عن مسؤولين أمنيين، ما أدى إلى تدميره شبه الكامل ومقتل الشخصية وإصابة اثنين آخرين.
وبعد نحو ساعة، سُمع دوي انفجار آخر جنوب غرب العاصمة استهدف شاحنة صغيرة كانت متوقفة على جانب الطريق.
وأدانت خلية الإعلام الأمني العراقية استهداف الأحياء السكنية، معتبرةً ذلك "تعديًا واضحًا على القوانين الدولية وحقوق المواطنين".
وفي بيان لها، قالت قيادة العمليات المشتركة، "بأشد عبارات الاستنكار، نُدين التطور الخطير وغير المسبوق المتمثل في استهداف المواطنين والضربات الموجهة داخل الأحياء السكنية المكتظة. إن هذا النهج يمثل خرقاً فاضحاً لكل القيم الإنسانية ونسفاً لكل المواثيق الدولية".
وأضاف البيان، "نؤكد أن أي ذريعة تُساق لتبرير استهداف الأفراد في عمق المناطق السكنية هي ذريعة باطلة قانونًا وأخلاقًا. إن تحويل منازل الآمنين وأزقتهم إلى مسارح للعمليات العسكرية هو جريمة مكتملة الأركان تهدف إلى كسر الإرادة وترويع الأبرياء".
احتجاج عراقي على الضربات العسكرية
وفي أول موقف دبلوماسي رسمي، أبلغت وزارة الخارجية العراقية السفارة الأميركية احتجاجًا على عمليات القصف التي استهدفت مقرات للحشد الشعبي والجيش.
وجاء الاحتجاج خلال لقاء بين وكيل وزارة الخارجية محمد حسين بحر العلوم والقائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس، بحسب بيان رسمي نشرته وزارة الخارجية.
وأعرب بحر العلوم عن "موقف العراق من استمرار الحرب، كونها تهدد أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه ومنشآته المدنية والعسكرية".
كما تحدث عن "الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع عسكرية في كل من بغداد وكركوك والأنبار وبابل، وأدت إلى مقتل 14 مقاتلًا وجرح 24 آخرين"، معربًا عن "إدانة الحكومة العراقية لكل الاعتداءات بأشد العبارات، التي تعدّ انتهاكًا صارخًا لسيادة العراق".
العراق ساحة اشتباكات
تعيش العراق سلسلة من الأحداث الأمنية نتيجة الاعتداءات المتبادلة بين الأطراف المتصارعة؛ إذ تنفذ إيران أو فصائل مرتبطة بها هجمات تستهدف القواعد الأميركية أو مواقع للمعارضة الكردية الإيرانية في إقليم كردستان العراق، في حين تشنّ أميركا وإسرائيل ضربات على مواقع الفصائل العسكرية الموالية لإيران، بما في ذلك مواقع للحشد الشعبي.
وقد أسفرت هذه الاعتداءات المتبادلة عن سقوط عدد من القتلى، في ظل تحوّل العراق إلى ساحة اشتباك بين الطرفين، فيما طالت بعض الضربات مواقع مدنية أيضًا.
سقوط طائرة أميركية غرب الطراق
وسبق ذلك، يوم أمس، سقوط طائرة تزوّد وقود أميركية في غرب العراق، ما أدى إلى مقتل كامل طاقمها المؤلف من ستة أفراد، وسط تضارب في الروايات حول أسباب الحادث. ففي حين أعلنت إيران أن فصائل موالية لها في العراق هي من أسقطت الطائرة، وأكدت ذلك فصائل عراقية، نفت القيادة المركزية الأميركية هذه الرواية، مؤكدة أن الطائرة لم تسقط بسبب نيران صديقة أو معادية.
مقتل فرنسي وإصابة آخرين
وفي سياق متصل، كان الجيش الفرنسي قد أعلن، أمس، إصابة ستة من جنوده جراء هجوم بطائرة مسيّرة استهدف موقعًا عسكريًا في أربيل بإقليم كردستان.
وأوضح الجيش في بيان أن "الجنود المصابين كانوا يشاركون في تدريبات لمكافحة الإرهاب إلى جانب شركاء عراقيين"، مبينًا أنه "تم نقلهم فورًا إلى أقرب مركز طبي لتلقي العلاج"، من دون الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن حالتهم الصحية.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت لاحق، مقتل جندي فرنسي متأثرًا بإصابته جراء الهجوم، مشيرًا إلى أن "القوات الفرنسية موجودة في العراق منذ عام 2015 في إطار المشاركة الدولية لمكافحة تنظيم داعش"، ومؤكدًا أن "التوترات أو الحرب الدائرة في إيران لا يمكن أن تكون مبررًا لمثل هذه الهجمات".
وخلال اتصال هاتفي أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني لماكرون فتح تحقيق في الهجوم.
تقرؤون المزيد: الفصائل العراقية توسّع المعركة: استراتيجية لرفع كلفة الحرب