ultracheck
  1. قول

هجوم شاطئ بوندي: بين الإدانة الأخلاقية والتوظيف السياسي

15 ديسمبر 2025
 مبنى بوندي بافيليون
تجمّع مواطنون أمام مبنى بوندي بافيليون للتعبير عن حزنهم على ضحايا الهجوم على شاطئ المدينة (Getty)
مهيب الرفاعيمهيب الرفاعي

لا يمكن النظر إلى الهجوم الذي استهدف أفرادًا من الجالية اليهودية على شاطئ بوندي بمدينة سيدني في ولاية نيوساوث ويلز الأسترالية، والذي أسفر عن 16 قتيلًا و40 مصابًا، بوصفه حدثًا أمنيًا معزولًا أو واقعة عابرة. فهو، قبل أي شيء آخر، جريمة مكتملة الأركان بحق مدنيين يهود، رغم تداول صور لحاخام إسرائيلي يُدعى إيليه شلانغر، أحد المرافقين الدينيين لقادة العمليات الإسرائيلية في غزة. تُدان هذه الجريمة أخلاقيًا وقانونيًا، ولها تبعات على الموقف العالمي تجاه المسلمين والقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى التدخلات الإسرائيلية في دول الشرق الأوسط، من سوريا ولبنان إلى الخليج العربي.

تبعات سياسية وأمنية

غير أن الإدانة الأخلاقية، على أهميتها، لا تكفي لفهم السياق الأوسع الذي تنشأ فيه مثل هذه الهجمات، ولا النتائج السياسية المترتبة عليها. فقد وقع الهجوم في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتزامن مع حرب مدمرة على غزة مستمرة منذ عامين، وحرب على لبنان، وسعي للتوسع في جنوب لبنان وجنوب سوريا تحت أي ذريعة. كما تتصاعد حالة غير مسبوقة من الاستقطاب حول القضية الفلسطينية. ويضاف إلى ذلك السياق السياسي الأوسع في أستراليا، حيث جاء اعترافها الرسمي بدولة فلسطين ودعمها حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، مما أثار توترًا واضحًا بين رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وترجم في تصريحات علنية حادة ومتبادلة.

وفي هذا المناخ المشحون، تصبح الحوادث الأمنية أكثر عرضة للتسييس، حيث تُحمّل دلالات تتجاوز حدودها الواقعية، لا سيما مع تصاعد تداخل الأمن الداخلي في الدول الغربية مع السرديات الجيوسياسية المرتبطة بإسرائيل والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، لا تقتصر آثار الهجوم على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي، والعلاقات بين المكوّنات الدينية، والخطاب العام حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

الإدانة الأخلاقية، على أهميتها، لا تكفي لفهم السياق الأوسع الذي تنشأ فيه مثل هذه الهجمات، ولا النتائج السياسية المترتبة عليها

الضرر المركّب

على الرغم من أن الضحايا المباشرين للهجوم هم يهود أستراليون، وأن أستراليا ليست معتادة على هذا النوع من العمليات الإرهابية، فإن التداعيات السياسية والاجتماعية تمتد لتطال مجتمعات أخرى لا علاقة لها بالفعل الإجرامي. بسرعة لافتة، تُدرَج مثل هذه الاعتداءات ضمن سردية واسعة تمزج بين اليهودية كدين، وإسرائيل كدولة، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية، ثم تُحمّل هذه الحزمة المختلطة على كاهل المسلمين وأنصار القضية الفلسطينية. وقد تجلّى ذلك في تصاعد خطابات التحريض ضد المسلمين بعشرات الأضعاف مقارنة بما سبق، حيث تم رصد مئات آلاف المنشورات ذات المضامين الإسلاموفوبية خلال الساعات الأولى بعد الهجوم. ولم يقتصر الأمر على الخطاب الإلكتروني، إذ شهدت بعض المناطق هجمات فعلية على مقابر المسلمين، بما في ذلك تدنيس أحدها برؤوس خنازير مقطوعة، في واحدة من أعنف ردود الفعل على هذا الهجوم.

هذا الخلط الممنهج يؤدي عمليًا إلى تجريم سياسي جماعي. فالغضب السياسي المشروع إزاء السياسات الإسرائيلية، أو التضامن مع الفلسطينيين في مواجهة الحرب والحصار، يُعاد تعريفه على أنه كراهية دينية أو معاداة للسامية أو تهديد أمني. وبهذا، يتحول الهجوم من جريمة يجب أن توحّد المجتمعات ضد العنف، إلى ذريعة لإنتاج صورة نمطية عن المسلمين باعتبارهم بيئة حاضنة للتطرّف، ولتصوير حركات التضامن مع فلسطين كخطر أمني لا كحراك سياسي أو أخلاقي.

المفارقة أنّ من أوقف الاعتداء الإرهابي كان مسلمًا عربيًا من أبناء الجالية المسلمة في أستراليا، ما يدحض تمامًا فكرة تجريم المسلمين نتيجة هذا الفعل.

إعادة إنتاج المعنى

يمكن التركيز على الكيفية التي يُعاد بها تفسير العملية وتأطيرها إعلاميًا وسياسيًا. فالتاريخ القريب والبعيد يُظهر أن أحداث العنف، خصوصًا تلك التي تستهدف يهودًا خارج إسرائيل، غالبًا ما تُستثمر بسرعة فائقة في بناء سردية جاهزة، تُقدَّم فيها إسرائيل باعتبارها الضحية الدائمة لمعركة كونية ضد معاداة السامية.

في النقاشات العربية وبعض الأوساط الغربية النقدية، يُستدعى أحيانًا سجل تاريخي موثّق للإشارة إلى أن إسرائيل، في لحظات سابقة، لم تتردد في توظيف أحداث أمنية أو الاستفادة السياسية منها لتبرير تحولات كبرى في سياساتها العسكرية أو الإقليمية. ويُشار هنا إلى قضايا معروفة في الأدبيات التاريخية، مثل محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن عام 1982، التي استُخدمت لتبرير اجتياح لبنان. ولا يُستحضر هذا التاريخ بوصفه تفسيرًا جاهزًا لكل حدث معاصر، بل كدليل على وجود نمط سياسي يتم فيه استثمار الخوف والصدمة لإنتاج شرعية للحرب أو القمع.

اللافت هنا السرعة التي تُحسم بها الروايات الرسمية والإعلامية حول أي هجوم، وغالبًا قبل اكتمال التحقيقات أو ظهور نتائج قضائية واضحة، لتُدمج الواقعة فورًا في خطاب جاهز عن "تصاعد معاداة السامية العالمية"، ويُلمَّح إلى مسؤولية المسلمين أو أنصار فلسطين، بصرف النظر عن الوقائع.

أظهرت التجربة أن المنظومة السياسية والإعلامية الإسرائيلية قادرة على تحويل أي اعتداء على يهود في أي مكان في العالم إلى أداة سياسية متعددة الاستخدام. فمن جهة، يُستخدم الحدث لتحصين السياسات الإسرائيلية من النقد عبر تصوير أي مساءلة سياسية بوصفها امتدادًا للكراهية الدينية. ومن جهة أخرى، يُمارَس ضغط على الحكومات الغربية لربط أمنها الداخلي بدعم غير مشروط لإسرائيل، سواء في المحافل الدولية أو في ساحات الحرب المفتوحة.

أظهرت التجربة أن المنظومة السياسية والإعلامية الإسرائيلية قادرة على تحويل أي اعتداء على يهود في أي مكان في العالم إلى أداة سياسية متعددة الاستخدام

ضرورة التمييز الأخلاقي والسياسي

يكمن المخرج الوحيد من هذا الانزلاق الخطير في إعادة بناء التمييزات الأساسية التي يجري طمسها عمدًا؛ فإدانة هذا العمل، وإدانة معاداة السامية، أمران لا نقاش فيهما، لكن ذلك لا يعني، بأي حال، منح حصانة سياسية لدولة أو أيديولوجيا. فحماية اليهود لا تتطلب إسكات الفلسطينيين، ولا تجريم المسلمين، ولا تحويل التضامن الإنساني إلى ملف أمني.

على العكس، فإن الخلط بين هذه المستويات هو ما يغذّي دوائر الإرهاب والتطرّف والعنف المتبادل؛ وكلما جرى استخدام المآسي الإنسانية وقودًا للدعاية السياسية، ابتعد العالم خطوة إضافية عن العدالة، واقترب أكثر من إعادة إنتاج الصراع بلا نهاية.

كان يفترض بهجوم بوندي أن يكون لحظة إجماع أخلاقي ضد العنف والكراهية، لا محطة جديدة في مسار الاستقطاب. إن الفشل في تحقيق هذا الحد الأدنى يهدد بتحويل المعاناة الإنسانية — يهودية كانت أم مسلمة أو لأي شعب آخر — إلى مجرد أدوات في سرديات تبرّر الحرب والقمع، بدل أن تفتح أفقًا حقيقيًا لاحترام حقوق البشر، ودون تحميل القضية الفلسطينية وداعميها أعباء سياسية وأمنية لا تحتملها ولا تنتمي إليها.

كلمات مفتاحية
غسان كنفاني

حلقتان ضعيفتان في الأدب الفلسطيني

لا توجد كتابة أدبية ناضجة تحن إلى ماضٍ جميل باندفاعات عاطفية سطحية

دمشق

الملفات الأمنية الخارجية الجديدة لدمشق.. من الفوضى الموروثة إلى السيادة المتفاوض عليها

دخلت دمشق مرحلة ما بعد نظام الأسد وهي تواجه سؤالًا جوهريًا يتمحور حول كيفية إعادة بناء الأمن القومي في دولة خرجت من مسارات التفكك

طهران

بين الضربة المحدودة والحرب الشاملة: سيناريوهات المواجهة الأميركية–الإيرانية على وقع الاحتجاجات

مع انخفاض رقعة الاحتجاجات الإيرانية التي انطلقت في بازار طهران الكبير في 28 من الشهر الماضي، تتصاعد في المقابل التهديدات العسكرية الأميركية تجاه إيران

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية