هجمات برشلونة.. كيف يتحوّل الشخص العادي إلى إرهابي؟

هجمات برشلونة.. كيف يتحوّل الشخص العادي إلى إرهابي؟

أثر هجوم برشلونة الإرهابي (بو بارينا/ أ.ف.ب)

مرة أخرى، تخلق واقعة هجوم بالسيارة هلعًا في مدينة أوروبية، حيث نفذ أمس الخميس، سائق شاحنة صغيرة عملية دهس في شارع لاس رامبلاس السياحي ببرشلونة في إسبانيا، راح ضحيتها 13 قتيلًا وأكثر من 100 جريح، بعضهم في حالة حرجة، بينما لاذ السائق بالفرار، وهو ما جعل الشرطة الإسبانية تعلن حالة استنفار، وباشرت عملية تفتيش واسعة بالمدينة، خاصةً وأنها أحبطت في نفس اليوم هجومًا إرهابيًا آخر في بلدة كامبريلس جنوب برشلونة، كان يفترض أن يتم باستخدام أحزمة ناسفة، وقتلت خمسة مسلحين.

أدت عملية إرهابية دهسًا بالسيارة في برشلونة، إلى مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 100 آخرين

واشتبهت شرطة كاتالونيا في البداية، بالمغربي إدريس أوكبير، البالغ من العمر 28 سنة، بعدما وجدت هويته في سيارة من نوع "فان - VAN"، إلا أن الرجل، بحسب وكالة نوفوستي، حضر بنفسه إلى شرطة بلدية ريبول في جيرونا داخل إقليم كاتالونيا، معلنًا أن وثائقه الثبوتية سُرقت، وأكد أنه ليس له علاقة بالحادثة، ليتبين فيما بعد أن شقيقه الأصغر (18 عامًا)، هو من سرق هويته واستأجر سيارة بوثائق أخيه، ليصبح الأخير المشتبه الرئيسي في عملية الدهس، التي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولا يزال البحث عنه جاريًا إلى الآن.

اقرأ أيضا: كيف أصبح الدهس بالسيارة سلاحًا مفضلًا لدى الإرهابيين؟

من هو موسى أوكبير المشتبه به في عملية الدهس ببرشلونة؟

مباشرة بعد تبين اختفاء موسى أوكبير، المشتبه بضلوعه في تنفيذ عملية الدهس ببرشلونة، توجه اهتمام الصحف الإسبانية والدولية نحو معرفة المزيد عن هذا الشخص الذي ينتمي لأسرة مغربية مهاجرة، مكوّنة من أبٍ يدعى سعيد وأم تدعى فاطمة، ولديه خمسة أشقاء. وتنحدر العائلة من إقليم بني ملال في الوسط الشمالي للمغرب.

المثير في الأمر، هو أن موسى أوكبير لا يتعدى الـ18 من عمره، ولا تبدو عليه أي علامات تشدد ظاهرية، فبتتبع حسابه الشخصي على فيسبوك، والذي أُغلق أمس، يتبين أنه شابٌ عادي، مهتم بصيحات الموضة وبالتقاط صور سيلفي، ولا تشتمل صفحته على أي منشورات توحي بأي ميول تطرفي.

 

 

 

كما أن المشتبه في العملية الإرهابية، موسى أوكبير، لا ينتمي لعائلة محافظة، وفقًا لما صرّح به عيسى فينك صديق شقيقه الأكبر إدريس لموقع "أصوات مغاربية"، إذ تساءل مستنكرًا: "تربى في عائلة غير محافظة، إخوته يشربون الخمر وأفراد أسرته لا يصلون ولا علاقة لهم بالتطرف، كيف حدث ذلك؟!".

من عاديّ إلى إرهابي.. كيف حدث ذلك؟

تفاجئ حالة موسى أوكبير المراقبين، إذ كيف لشاب في مقتبل العمر يعيش في أوروبا، ينتمي لأسرة غير محافظة أبدًا، لا تبدو عليه أي علامات تطرف؛ أن يتحول من مراهق عادي إلى شخص إرهابي بين ليلة وضحاها، دون مقدمات واضحة ودون سابق إنذار، خاصة وأن هناك حالات مشابهة عديدة حدثت من قبل، ما يحير المحققين عن أسباب هذا التحول المفاجئ والفوري.

 

ويربط البعض تحول أناسٍ عاديين إلى إرهابيين في وقتٍ قصير ومفاجئ، إلى ظاهرة ما تسمى بـ"الذئاب المنفردة" التي باتت تُؤرق الغرب. وتوصف بكونها عملية شخصية يتبنى خلالها الفرد مُثلًا وتطلعات سياسية أو دينية متطرفة، تتطور داخل مسار نفسي مضطرب، فيعمل الفرد على تحقيقها في لحظة ما من خلال استخدام العنف العشوائي.

وفي هذا الاتجاه، رصدت دراسة أوروبية خصائص الذئاب المنفردة أو من يمكن تسميتهم أيضًا بـ"الجنود التائهين"، انطلاقًا من حوادث من هذه النوعية، فتذكر أنه عادةً ما يكون شخصًا مدنيًا لا ينتمي لبنية تنظيمية معينة أو لجماعة مسلحة، لكن له ماضٍ جنائي أو اضطراب نفسي، فيتبنى في لحظة ما المَظلَمة الشخصية والجماعية بمبررات دينية، بعد أن يتعرض لحلقة ضغط مكثفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت، التي تشحنه بالأفكار المتطرفة، ليباشر فجأة تنفيذ عمليته دون تدخل خارجي وبتمويل ذاتي، لذا لا يُستغرب لجوؤهم كثيرًا لعمليات الدهس بالسيارات كونها أقل كُلفة، وأكثر فاعلية.

على جانب آخر، يتسم الإنسان المغاربي، وكثيرٌ من المتورطين في هذا النوع من العمليات الإرهابية في أوروبا من المغرب العربي؛ بخاصية ثقافية فريدة، تتجلى في قدرته على الجمع بين العقلية المحافظة والممارسة المتحررة، اي المتناقضتين في انسجام تام، وقد عبّر عن ذلك السوسيولوجي جاك بيرك بـ"الفصام غير المَرضي"، وهي سمة قد تجعل البعض متظاهرًا بـ"التحرر" من حيث الممارسة، رغم استبطانه تشددًا في أفكاره الدينية!

لا يظهر للعيان آثار التطرف على منفذي عمليات الذئاب المنفردة، لأن مسار تحولهم للتطرف يكون مخفيًا في سياق نفسية جنائية مضطربة

 تمامًا كما حصل مع المغربية أسماء بولحسن، التي كانت ترتاد الملاهي الليلية مع الشباب، وتهتم بالموضة وتشرب الكحوليات، لتقرر فجأة مشاركة رفاقها المغاربة في تنفيذ "أحداث باريس" الواقعة في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، والتي خلّفت 130 قتيلًا وإصابة 350 آخرين، حيث انتهى بها المطاف بتفجير نفسها بحزام ناسف في وجه الشرطة الفرنسية، أثناء محاولة القبض عليها.

اقرأ/ي أيضًا: تصاعد التصورات المعادية للمسلمين عبر أوروبا

وهكذا قد لا يظهر للعيان آثار التطرف على منفذي مثل هذه العمليات حتى وقوع الحادثة، إذ إنّ جزءًا كبيرًا من مسار التحول للتطرف يكون مخفيًا في سياق سيرورة نفسية جنائية مضطربة، تجد في لحظة ما مسوغًا دينيًا داخل بنية ثقافية غير منسجمة، لارتكاب عملياتها العدائية ضد المدنيين دون مقدمات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عملية سانتينيل في فرنسا.. حينما يحتاج حماة الوطن إلى الحماية!

الإرهاب.. دورة حياة المفهوم