هجر الكتب.. هوس وأشياء أخرى

هجر الكتب.. هوس وأشياء أخرى

تجميع الكتب هوس ومشغلة ومرض وإدمان وفتنة وعبث، إنّه قدرنا (باتريك ساباراتي)

من منّا لم يشترِ كتبًا ولم يفتحها حتّى اللحظة؟ من منّا لم يجد نفسه في تلك اللحظة التي تشعر بنفسك وكأنك ستقرأ كل دار الكتب التي دخلتها، وتمنّي النّفس أن لو كان معك أموال قارون لما اشتريت بها إلا بيتًا كبيرًا يسع مكتبتك الضخمة، فتشتري من الكتب ما لا يطيق جيبك احتماله، وتعود إلى البيت بغنيمة ثقيلة من الكتب التي ينتهي بها المقام على جانب السرير، أو فوقه، أو أسفل منه، لتنسى بعد فترةٍ قصيرة أنّك اشتريتها أصلًا!

الحقيقة التي نصطدم بها حين نستيقظ من ذلك الحلم الجميل عن "مكتبة البيت الكبيرة" هو أنّ الكتب كثيرة، والوقت يضيق بقراءتها، أو بالأحرى بقراءة أيٍّ منها لفترة من الزمن. فنحن الآن ضحايا الاقتيات على المعلومات السريعة والضخّ الذي لا ينقطع من شذراتٍ من أخبار ومعلومات ونكات ومقاطع شعريّة، على هواتفنا الذكيّة وفي منصّات الإعلام الاجتماعيّ.

نحن الآن ضحايا الاقتيات على المعلومات السريعة والضخّ الذي لا ينقطع على هواتفنا الذكيّة وفي منصّات الإعلام الاجتماعيّ

اقرأ/ي أيضًا: أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

شهدت العواصم العربيّة في الفترة الماضية عددًا من معارض الكتب الرسميّة والأهليّة، والمشهد الذي يتكرّر معنا ومع كثير سوانا هو: عشرات الكتبِ -مع أضعاف عددها صورًا على إنستغرام- وكتب موقّعة من كتاّب صاعدين وهابطين، وخطط للقراءة. والنتيجة في بداية الأسبوع الذي يلي المعرض، صفر صفحة، أو صفحات معدودات لا تمنحك تلك اللذّة عند الانتهاء من كتاب جميل ما.

التقيت بعددٍ من الأصدقاء والطلبة الذين حضروا معرض عمّان الدوليّ للكتاب، وأخبرني أحدهم أنّه استدان هذه المرّة كي يشتري عددًا من الكتب التي أوصى بها أحد المثقّفين الشباب على الفيسبوك، ولكنّه الآن يشعر بالنّدم لأنّه أقدم على ذلك، لأنّه يمرّ في فترة انشغال كبيرة ولن يتمكّن من قراءة معظمها حتّى حين. وسمعت مثل ذلك من عدد من المعارف الذين وجدوا أنفسهم في حالة من الاندفاع لشراء الكتب في معرض الكتاب الأخير في عمّان، ولكنّهم متخوّفون من عدم القدرة على قراءة الكثير منها.

ولكن يبدو أنّ هذه الحالة ليست عربيّة فحسب، كي لا نتسرّع في جلد الذّات والبدء باللطميّات الثقافويّة الممجوجة، وإلا لما كان اليابانيون قد وضعوا كلمةً مخصّصة للتعبير عنها. إنّها Tsundoku، وتعني "مراكمة الكتب" دون قراءتها. وهذه الكلمة كما يوضّح أستاذ اللغة اليابانيّة ساهوكو إيشيكاوا في جامعة كورنيل الأمريكية، تتألف من مقطعين. المقطع الأوّل هو tsundu وتعني مراكمة الأشياء وتخزينها، والمقطع الثاني oku يعني تركها لفترة من الزمن. وبما أنّ كلمة doku تعني فعل القراءة في اليابانيّة، فأدمجت معًا وصارت Tsundoku تطلق تندّرًا على فعل مراكمة الكتب وتركها دون قراءة.

اقرأ/ي أيضًا: الثورة التي في الكتب.. الثورة التي في الواقع

ولكنّ الحالة تبدو متفشّية أكثر من ذلك، إذ يمكن أن تجد على موقع جودريدز الشهير مجموعة بأكملها مخصّصة لمساندة أولئك الأشخاص الذين يعانون من شعور النّدم لشرائهم الكتب وعدم قدرتهم على قراءتها ليشاركوا تجاربهم الأليمة على المستوى الماليّ والنفسيّ في هذا المحنة لعلّ أحدًا يرشدهم إلى التخلّص من هذا الإدمان والخروج من هذا المأزق. وتجد في هذه المجموعة بعض القصص العجيبة عن أشخاصٍ وصلوا إلى أطبّاء نفسيين للتعامل مع حالاتهم، وآخرين باتوا يخفون مشترياتهم من الكتب (التي لا يقرؤونها) عن أهليهم وأصدقائهم.

المشكلة الحقيقيّة التي تستحقّ النّدم أن يكون لديك بيت خال من الكثير من الكتب

البعض يبقى أسيرًا لهذا الندم أو ربّما الخجل، وآخرون باتوا يتعايشون مع الأمر منتظرين أن تأتي تلك الفسحة من الوقت التي تتيح لهم التهام أكبر عدد من الكتب التي مضى على انتظارها شهور عديدة. والبعض يدافع عن هذه العادة مجادلين بأنّ شراء الكتب واقتناءها أمر إيجابيّ في حدّ ذاته، حتّى لو لم يتبع ذلك قراءة مكثّفة للكتب. فوجود الكتاب شرطٌ أساسيّ للقراءة، والمشكلة الحقيقيّة التي تستحقّ النّدم أن يكون لديك بيت خال من الكثير من الكتب.

إنّ تجميع الكتب كما تقول جينيت وينترسون "هوس ومشغلة ومرض وإدمان وفتنة وعبث، إنّه قدرنا. ليس الأمر لعبة. فمن يكنز الكتب لن يملك من نفسه سوى أن يستمرّ في كنزها".

اقرأ/ي أيضًا: 

جثث الكتب على أرصفة دمشق

مكتبات الموتى.. إلى الرصيف سر