هجار عيسى ولوحة المجاز

هجار عيسى ولوحة المجاز

مقطع من لوحة لـ هجار عيسى

يعمل الفنان هَجَار عيسى على إعادة خلق بيئته الريفية في أعماله باستمرار، إذ يظهر الموضوع وكأنه امتداد دائم من ذاته وإلى ذاته، الحضور المترف لريف القامشلي وقرية صباحية، لحقول القمح والشعير والقطن التي تتبدى في فصل الربيع وأوائل الصيف بأجمل تجلياتها، وتتشكّل في مساحات من الألوان المكثفة المتراكبة باللون الأصفر والبرتقالي، كفضاءات تنعكس تحت مسار الضوء، يزحف الأزرق والرمادي والبنفسجي كظلال من حيز اللوحة لتتماهى وتذوب مع الأصفر أو الأخضر في كثافة الأبيض- الضوء.

يعمل الفنان هَجَار عيسى على إعادة خلق بيئته الريفية في أعماله باستمرار

البيوت الطينية المربعة والمتداخلة فيما بينها، الدروب والأشجار غالبًا ما تأخذ سطحًا أفقيًّا في الجزء الأعلى من اللوحة، على امتداد خط الأفق، كمصور يلتقط مشهدًا بانوراميًّا، تتكثف العناصر في الجزء الأمامي والسفلي من اللوحة لتتجرد في الأعلى في العمق، وكأن الفنان يرسم من أعلى تلة أو سهل مفتوح حتى تخوم القرية وعناصرها المكونة لها، فيعمد على تشكيل حضورها الزاخر بالذاكرة البصرية: الماعز، الثيران، الأبقار، الحمير، الطيور، الأزهار، الفراشات، الدعسوقات، الشخوص، والأشجار. "لازلت إلى الآن أرسم شجرة التوت الموجودة على تلة بين مقابر الضيعة، قضيت في طفولتي لياليًا نائمًا تحتها حين أُطرد من المنزل، كانت الشجرة كبيرة ونصطاد العصافير عليها إلا أن السنين أكلت منها ومني" يقول هجار عيسى.

إنه خلق وترتيب المشهد البصري والمسرحي الخاص بالفنان، مشهد الحلم المرّكب بمفردات غنية مرمزة، ذاكرة الجغرافيا والتاريخ، مراتع الطفولة وأجوائها العاطفية والوجدانية الناضحة بالفرح والعفوية والطمأنينة، إنه وبتعبير أدق العَوْد المفتقد والدائم إلى البدء.

اقرأ/ي أيضًا: "أكوان" معرض بسّام كيرلس.. الحرب ذاكرة المباني

تتآلف العناصر بحضورها المكثف في معظم أعمال الفنان هجار عيسى، وتتوزع على سطحها في تكوين حميمي فيما بينها، وأيضًا مع المكان بما يمثله فضاء القرية ورموزها، فتكون الشخوص أحيانًا الموضوع الرئيسي للوحة، وأحيانًا أخرى مكملة للمشهد، "أرغب بشدة أن أكون مع زوجتي رزان في القرية، والأولاد يلعبون من حولنا"، وهذه الشخوص ليست إلا تجسيدًا له ولزوجته وأبنائه، وإن تعددوا فإنه يكررهم باستمرار. فالخطوط العامة لتكوين الشخوص المبسطة حتى التجريد، لا تتوانى عن نقل انفعالاتها الداخلية ومشاعرها، وعلاقة الذكر بالأنثى من خلال الانحناءات والحركة واللون، فهي تتمرى في معظم الأحيان بالضوء، وإن زحف الظل نحو هذه الأجساد وأغرقها بعتمته إلا أن هناك دائمًا مساحة ولو صغيرة لنثار الضوء، للأمل والشغف، الترقب والحب، للوله.

إن التعبيرية عمومًا كأسلوب فني وتشكيلي في خلق المشهد المحتفى به مفرط في الذاتية، يتفكك المكان، كالقرية عند هجار عيسى، بكل عناصره ومؤثراته، ليعيد الفنان بناء الواقع وتشكيله الخاص، المشحون بالعواطف والانفعالات الإنسانية، ووفق رؤيته البصرية والثقافية، يقول الكاتب الألماني كازيمير إتشميد: "لا يمكن الشك بأن ما يبدو حقيقة خارجية ليس حقيقيًا، الحقيقية يجب أن نخلقها نحن، وأن نكتشف المعنى الذي يكمن وراء المظهر الخارجي للعناصر، يجب أن لا نكتفي بالإيمان بحقيقة أو تخيلها أو تسجيلها، على المرء أن يقدم انعكاس صاف لا تشوبه شائبة لصورة العالم، وهذا موجود فقط داخل أنفسنا".  

"لا أستطيع رسم الدمار والخراب، وإنما أعمل على عرض الجانب المعاكس لها، برسم الجمال والأمل" يوضح عيسى، لكن مهما نأت حساسية الفنان بنفسها عن التعرض لموضوع الحرب، إلا أن تداعياتها وآثارها تظهر بشكل أو بآخر في لوحاته، خصوصًا الأخيرة منها، إذ يختفي المشهد الاحتفالي للقرية وتظهر الخلفية المظللة بألوان البني والرمادي وكولاج معتق من أوراق الذهب، كجدار معتم وقاسٍ في حضوره، غير أنه في تضاد مع بقية العناصر كالفراشات والدعسوقات في وجودها الفيزيولوجي الرقيق والناعم، وفي تضاد أيضًا مع حركة الشخوص وانحناءاتها التي تشد لها عين المتلقي، كتكوين أساسي له مركز الثقل في اللوحة. إن المناخ الكئيب العام والمسيطر على اللوحة في وحدة وتكامل مع الذكر والأنثى وعلاقة جسديهما الحميمية مع بعضها البعض، والتي تظهر بوضوح أيضًا من خلال الخطوط والألوان المكملة لبعضها: الأزرق الفيروزي والأصفر المشرق، وعلى الرغم من وطأة الفراغ المحيط بالشخوص، والذي يثقل بكاهله عليهما، الأنثى تحديداً،  فإن حركة الجسد عند الذكر وارتفاع الوجه إلى الأعلى لا تثير فقط مشاعر الترقب والأمل وإنما التحدي أيضًا من خلال الذاكرة، حيث تتوزع في خلفية اللوحة بعض عناصر القرية الحيّة، إنها الذاكرة وحضورها في تحديها للحرب والفناء.  

نيتشه: لكي يكون هناك فن، ولكي يكون هناك عمل جمالي ونظرة جمالية، لا بد من توفر شرط فيزيولوجي لا محيد عنه: النشوة

يثير المشهد البصري المكثف بالرموز والألوان وعلاقاتها مشاعر مختلفة في المتلقي، وكما يعتمد الرسام على النقل بين العقل والعاطفة كذلك المتلقي يبحث في كل تلك العلاقات، والتي من المفترض أن تفيض لديه بالنشوة، إذ يقول نيتشه: "لكي يكون هناك فن، ولكي يكون هناك عمل جمالي ونظرة جمالية، لا بد من توفر شرط فيزيولوجي لا محيد عنه: النشوة"، "والأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الإمتلاء"، إذ على الفنان التعبيري تحقيق هذا الشرطـ وهو إثارة الحس لدى المتلقي، ويقول نيتشه أيضًا: "كلما كانت الحقيقة التي يقدمها الكاتب أكثر تجريدًا، وجب عليه أن يقوم بإغواء الحواس أولًا". إن هذا الإغواء مشروط بأدوات الفنان: أي الموضوع وتجسيده من خلال الخطوط والألوان، ومع التجربة والمران قد يصبح الفنان التعبيري ملونًا، يعتمد على إثارة الحواس من خلال تناقضات اللون، تجاورها وتكاملها، تراكبها، سطوعها، حدتها، وبرودتها، في محاولة لخلق ثقافة بصرية وقيم جمالية تحضر وتترسخ في المشهد التشكيلي العام. إن المتابع لتجربة الفنان هجار عيسى الفنية التشكيلية، والتي عمرها أكثر من عقدين، يعي مراحلها وتطورها، فالتكوين العام أي العناصر والشخوص والفراغ أصبحت أكثر تجريدية ليس بمعنى الاستسهال وإنما من جانب النضج والراحة، وأكثر جرأة في استخدام الألوان المشرقة والطازجة، والتوليف في علاقاتها المركبة والمتعددة لتثير في المتلقي الدهشة والمتعة البصرية.  

اقرأ/ي أيضًا: ريم العيّاري.. انتصار الفنّ لأجل الفنّ

ولد هجار عيسى في مدينة القامشلي، في أقصى الشمال الشرقي من سوريّا عام 1970، وتخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1994، وشارك في العديد من المعارض الفرديّة والجماعيّة، سواء داخل سوريا أو خارجها. وخلال إقامته في ألمانيا، أقام خمسة معارض فيها. وقد عمل أيضًا كمهندس ديكور في أكثر من أربعين فيلمًا ومسلسلًا سوريًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شوقي شمعون.. أناس يصغُرُون من أثر الدهشة

10 كاريكاتيرات من العالم عن السوشال ميديا