هبوط ناجح لمهمة "أرتميس 2" بعد رحلة تاريخية إلى مشارف القمر
11 ابريل 2026
عاد صباح اليوم السبت طاقم مهمة أرتميس 2 بسلام إلى الأرض، بعد رحلة استثنائية حول القمر هي الأولى من نوعها منذ أكثر من خمسين عامًا. حيث هبطت كبسولة "أوريون سبيسكرافت" في المحيط الهادئ قبالة سواحل كاليفورنيا، منهية رحلة استمرت قرابة عشرة أيام قطعت خلالها أكثر من 1.1 مليون كيلومتر. لحظة الهبوط، التي وصفتها وكالة ناسا أتت كتتويج لسلسلة من الاختبارات المعقدة التي بدأت منذ لحظة الإطلاق.
وصل الطاقم في هذه الرحلة إلى مسافة غير مسبوقة بلغت 252,756 ميلًا من الأرض، متجاوزًا الرقم الذي سجلته مهمة أبولو 13.
وصل طاقم رحلة أرتميس 2 إلى مسافة غير مسبوقة بلغت 252,756 ميلًا من الأرض، متجاوزًا الرقم الذي سجلته مهمة أبولو 13
ورغم أن الرحلة بدت سلسة في معظم مراحلها، فإن لحظة العودة إلى الغلاف الجوي مثلت التحدي الأكبر، حيث اخترقت الكبسولة الغلاف الجوي بسرعة هائلة تعادل 32 ضعف سرعة الصوت، وسط احتكاك رفع درجات الحرارة إلى مستويات تقارب 2760 درجة مئوية.
في تلك اللحظات، اختفت الاتصالات تمامًا بسبب الغلاف البلازمي الذي أحاط بالمركبة، في انقطاع مدروس لكنه شديد التوتر. وحسبما نقلت وكالة "أسوشيتد برس"، استمر الصمت دقائق قبل أن تعود الإشارة، معلنة نجاح المرحلة الأخطر. بعدها، انفتحت المظلات تدريجيًا لتبطئ الهبوط، قبل أن تلامس الكبسولة سطح الماء بسلاسة.
وحسب وكالة "رويترز"، فإن هذا النجاح أتى بعد الملاحظات التي سجلت خلال مهمة أرتميس واحد، والتي دفعت المهندسين إلى تعديل مسار العودة لتقليل الضغط الحراري.
من القمر إلى المريخ.. خارطة طريق طويلة
انطلقت الرحلة على متن صاروخ "سبيس لانش سيستم" في مسار تضمن دورتين حول الأرض قبل التوجه نحو القمر والتحليق حول جانبه البعيد، وهو مشهد لم يشهده بشر منذ سبعينيات القرن الماضي.
وتندرج هذه المهمة ضمن برنامج "أرتميس"، الذي تسعى من خلاله "ناسا" إلى إعادة الإنسان إلى سطح القمر بحلول عام 2028، في أول هبوط مأهول منذ مهمة أبولو 17.
لكن الهدف لا يتوقف عند القمر، إذ يُنظر إليه كمحطة اختبار أساسية قبل الانتقال إلى الهدف الأكبر: إرسال بعثات بشرية إلى المريخ. لذلك، فإن كل تفصيل في "أرتميس 2" يُقاس بمدى مساهمته في هذا الهدف البعيد.
سباق فضائي بنسخة حديثة
في خلفية هذا الإنجاز، يلوح سباق فضائي جديد، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق هبوط مأهول قبل الصين، والتي تضع خططًا طموحة للوصول إلى القمر بحلول عام 2030.
لكن المشهد هذه المرة أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد مقتصرًا على الحكومات، بل تشارك فيه شركات خاصة مثل سبيس إكس وبلو أوريجين، التي تتولى تطوير مركبات الهبوط، ما يخلق نموذجًا جديدًا من الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
نجاح تقني.. وتحديات سياسية
رغم النجاح الكبير، لا يخلو الطريق من التحديات. تواجه "ناسا" ضغوطًا داخلية تتعلق بتقليص الميزانيات وخفض عدد الموظفين، وهو ما قد يؤثر على الجدول الزمني للمهام المقبلة، خصوصًا "أرتميس 3".
ومع ذلك، فإن النجاح الذي تحقق في هذه المهمة يمنح البرنامج دفعة قوية، سواء على مستوى الثقة السياسية أو الدعم الشعبي، خاصة مع المتابعة الجماهيرية الواسعة التي رافقت لحظة العودة.
قبل لحظات من دخول الغلاف الجوي، ألقى قائد المهمة نظرة أخيرة على القمر، الذي بدا أصغر في الأفق، ليقول جملة تختصر كل شيء: "أعتقد أننا سنعود". لم تكن تلك مجرد عبارة عابرة، بل تعبير عن مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان، حيث لم يعد القمر نهاية الرحلة، بل مجرد محطة أولى في طريق أطول نحو أعماق الفضاء.