ها أنتَ تجرّني من قرنيَ في العتمة

ها أنتَ تجرّني من قرنيَ في العتمة

مانفريد كيلنهوفر/ النمسا

الماء

أتذكّر القرون الطويلة التي قضيّتها وحيدًا في العتمة. بكيت حتّى تفجّرت الأرض وسال حزني أنهارًا.

أمضيت عمرًا كاملا في الرّكض على الصّخور حافيًا لأحرس فراخ الحمام المعشّش على شجرة الفلّين وكلّ قبلة سرقها عاشقان بين شجيرات الدّفلى. كم كانت قاتلة رائحة الحبّ وهما يلهثان بعيدًا عن العيون الّتي اخضّرّت فيها حقول القمح، عيون النّسوة وهنّ يغسلن ثياب المزارعين الملطّخة بالوحل.

آه يا أيّها الوحل الذي تمرّغت فيه كي ألامس شفاه أحبّتي.

شفاها نبتت في سيقان القمح الطريّة ووجوه صبية يركضون في حقول القطن هاتفين باسمي

أتذكّر أولئك الّذين دفنتهم في قلبي عندما فاض من حبّهم. أتذكّر حزن الغجر الّذي تصاعد من حرائق مآتمهم أغنيات وتراتيل وأعراسهم المجنونة تحت ضوء القمر ورائحة نبيذهم أتذكّر عطر نسائهم يشحذن سكاكين الفتنة في الظّلمة

أيّتها الملائكة الرّحيمة في حقول القطن ها أنا أركض حافيًا على الصّخور

ليفيض حزني على عشب اصطناعيّ في قصور خانقة بينما يبكي أطفالي الطيّبون من العطش والفشل الكلويّ.

آه أيّها البدو الطيبون لماذا تركتموني وحيدًا أشرب نفايات المصانع؟

أنا لا يؤلمني الإسمنت الّذي يحاصرني منّ كلّ الجهات !!

أنا فقط حزين لتلك الأرواح الّتي ستموت لأجلي .

 

الطّين

لنهدك نكهة الموسيقى وهي تقضم..

لشفتيك لهاث الرّيح بين الأغصان

وللنّهر الّذي يجري بين فخذيك صوت الينابيع

أما أنا أمضيت عمرًا كاملًا في سماع صوت المسامير الصدئة التي حفرت عظامي

عليّ أن أبذل جهدًا طويلًا لأفهم من أين تأتي كلّ هذه الهشاشة الآن؟

 

النّار

أرغب أن أحدثّكم وأنا في غرفتي الشّاسعة كمجرّة

عن "التسونامي" الذي يتجوّل في رأسي الصّغير (عديم الجدوى)

روحي الآن تشهد تحوّلات غامضة

تلك "السّافانا" الشّاسعة تحترق

أمّا أنا فضبع يفتح فمه من الدّهشة.

 

النّور

أيّتها الخرفان الّتي تحتفل بالعتمة في وحشة مربضها

ليتك تبصرين جرو ذئب ربّيته أعوامًا بين جفوني،

أرضعته أنهارًا من الحبر وأطعمته جبالًا من الأوراق،

هيّأت له الغيمة سريرًا والنجمة فانوسًا

أيّتها الخرفان النّائمة ليتك تبصرين الدّخان المتصاعد

لأطنان من التبغ والحشيش نفثتها في رئتيه

ليتك تسمعين هدير أمواج بعيدة

لبحار الموسيقى الّتي سكبتها في أذنيه

وأنهار الخمر المتدفّقة في حلقه الجافّ.

*

آه يا طفلي العابث

صحبتني لسنوات طويلة كظلّ وفيّ

وتربّعت على كتفيّ رضيعًا يضحك للشّمس

لكنّك ما إن بسط اللّيل يديه

تذكّرت أنّك ذئب

أيّها الأمل الّذي ربيته أعوامًا بين جفوني

ها أنت تجرّني من قرني في العتمة

وتنهش لحمي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا تفعل السعادة بمفردها؟

كمغفرة تمسح ذنوب التعب