هايزنبرغ والقاتل

هايزنبرغ والقاتل

لوحة لـ إدوارد مونش/ النرويج

كانت أجراس الكنيسة القادمة من بعيد تُشير إلى السّاعة الثامنة صباحًا حين وصلتُ العمل. السّماءُ مُلبّدةٌ بالغيوم والظلامُ حالك. غربانٌ هنا وهناك وأشجارٌ جرداء. قطاراتٌ تعبر في الاتّجاهين فوق سكّتين مُتجاورتين. كان سعيد يقف في منتصف السّاحة المُقابلة لبوّابة الدخول. بدا وجهه كقطعة نار. لم أعره انتباهي. واصلتُ السير بعد إقفال درّاجتي الهوائية.

اقتربتُ من نيكوتا. كانت تمسِك بيدها وتتلوّى بجسدها. خَرَجَ المدير حينها من مكتبه وبدأ بتوزيع المهام. تحوّل الألم والقهر إلى دموعٍ وأنين. توجّهت الأنظار نحوها. لم تتحدّث بشيء. انتبه المدير لما يدور حوله وازداد فضوله. همستْ نيكوتا بكلماتٍ قليلة إلى زميلتها كاتالينا. هزّت كاتالينا رأسها وأخذت دور المُترجِم من الرومانية إلى الفرنسية: زوجها أبرَحها ضربًا في الأمس وربّما كَسَرَ يدها. كانت بعض الكدمات على وجهها تشي بما حدث قبل ساعات. حَرّرتْ يدها بصعوبةٍ بالغة من كمّ البلوزة البالية التي ترتديها. بدتْ شديدة الزُرقة ومُنتفِخَةً كبالون. أخبرها المدير بضرورة الذهاب إلى المستشفى على وجه السرعة. تشنّجت نيكوتا عند سماع ذلك. انهارت وواصلت البكاء كطفل. سادت الحيرة جميع الواقفين حولها. قالَ بعضهم بانفعال: اذهبي إلى المستشفى الآن! آخرون اكتفوا بالمراقبة. صمتت كاتالينا في انتظار أن يحين دورها. وجّهت نظراتها نحو المدير وتحدّثت بثبات: إن ذهبتْ نيكوتا إلى المستشفى، ستموت! سيعرفون هناك ما الذي جرى معها. سيعتقلون زوجها ويسجنوه، وأهل زوجها، سيقومون بقتلها بعد ذلك. عَمِلَتْ نيكوتا ذلك اليوم بيدٍ واحدة. تحمّلتْ الألم. كانت تُفكّر في أطفالها الثلاث وهم ينتظرون عودتها بفارغ الصبر. ستُحضّر لهم بعض الطعام وتُعانقهم. لم تنقطع نيكوتا يومًا عن العمل. تَحضر دائمًا حتّى وهي مريضة. لا تُريد أن يُقتَطَع من راتبها المتواضع. صار لها عامان تدور كآلةٍ لا تتوقّف. تنتظر استراحة منتصف اليوم. تُزيل آثار الطين والتراب العالقة في ثيابها. تتلمّس بشرتها المُتيبّسة. تجلس على الكرسي وتُدارِي أوجاعها. تفرد شعرها الطويل إلى أسفل ظهرها. تُمرِّر أصابع يديها وتُحلحل بعض العُقَد. تُعيد ربطه سريعًا. تتسلّلُ ابتسامةٌ خفيفة إلى شفتيها. تذوب الابتسامة سريعًا وسط تقاسيم وجهها المُدوّر. تلتقط هاتفها المحمول وتعود إلى حالة البؤس التي تلبسها على الدوام.

لم يعلم إبراهيم صباح ذلك اليوم بما جرى. وَصَلَ مُتأخّرًا على غير عادته. اقترب من نيكوتا، لكنّ نظراته كانت صوب جوليانا وشعرها الأحمر. تناولَ دواءً مُسكّنًا لصداعه الدائم. أشعل على الفور سيجارةً من النوع الرخيص. بدا شارد الذهن ومُتعَبًا. أعوامه الستّون كانت ثقيلةً بأحمالها عليه. غزا الشيب شعره وأحنى الزمن ظهره. كان يحلم فقط بحياةٍ طبيعية. حياةً تخلو من أصوات الانفجارات وتطاير الأشلاء. استسلم في الآخر لواقعه وغادر الصومال، بلاده التي عبثت فيها الحرب وحوّلت الموت هناك إلى عملٍ مجّاني. تلقّفه البحر وكان قاسيًا عليه. أغرَقَ زوجته وابنه الصغير. كانوا قد ركبوا أمواج الهجرة إلى الشمال. نفذت دموعه، تحجّر قلبه، لكنّه نهض مُجدّدًا. عَمِلَ كأستاذٍ في اللغة العربية. تنقّل بين السودان واليمن وليبيا وسوريا. حطّ رحاله أخيرًا في فرنسا. كان إبراهيم يسألني باستمرار عن الأوضاع في سوريا. يأتي إلى العمل وفي رأسه أخبار الكون وتفاصيلها. يستيقظ في الخامسة فجرًا. يُشاهد مختلف نشرات الأخبار قبل مُغادرة المنزل. يَستذكِر مساكن برزة، وأوتوستراد المزّة، وباب شرقي، ومناطق أخرى من دمشق التي عاش فيها أجمل فترات حياته. يُخبِرني بذلك وينتقل بلا مُقدّمات إلى السُّباب وكيل الشتائم. يصبّ جام غضبه على كل مَن يُقاتِل باسم الدين. يُعيد ترديد "الشباب المُنافِقِين" ويضحك بسخرية: أَكْذَبْ ناس على وجه الأرض هم جماعة "الشباب المُجاهِدين". حالهم كحال الجماعات التي دمّرت الثورة لديكم. أهزّ رأسي وأكتفي بمراقبة جيجل. كان يقف على بعد خطواتٍ ويُمارِس طقسه المُعتاد. يُجري اتّصال الفيديو ويَنتظر ظهور زوجته. يُؤكِّد حُبَّه لها باللغات الرومانية والفرنسية والروسية والألمانية والإيطالية. يرفع حاجبيه وينظر نحونا وهو مُنتشٍ. في كلّ مرّة، يسألني ما معنى "love you" بالعربية، وفي كلّ اتّصال، ينسى ما تعلّمه. لا يعرف جيجل من الفرنسية سوى كلماتٍ معدودة. كان يتحدّث بالرومانية ويرسم بيديه أشياء غامضة عندما يحاول إيصال فكرةٍ بعينها. لم يستفد جيجل من دورة تعلّم اللغة الفرنسية التي التحقَ بها منذ أشهر. كان يسخر باستمرار من جدوى ذهابه وجلوسه هناك كتمثالٍ مُتحرِّك. يقول على الدوام إنّ ما يدخل إلى أذنه اليمنى يخرج سريعًا من أذنه اليسرى. كان جيجل يُعلّمني كلماتٍ بالرومانية لا أعلم ما يقابلها في الفرنسية. معظمها يدور في فلك الأعضاء الجنسية والممارسات المُتعلّقة بذلك. الجنس، هو الخيار الأسهل للتواصل وتلطيف الأجواء بالنسبة لجيجل وزملائه الرومان الغجر. لا وجود لشيءٍ مُشترك للحديث عنه؛ لغاتٌ من الشرق والغرب، وعاداتٌ وثقافات مختلفة، وطبقات اجتماعية تائهة وسط الفقر والاندماج واللجوء. التواجد هناك، أشبه ما يكون بإقامة في مستشفى للأمراض العقلية، وفي أحسن الأحوال، زيارةٌ مؤقّتة إلى إصلاحيّة تُعيد تأهيل الخارجين على القانون. منذ أيام قليلة، لم يحتفل جيجل بعيد ميلاده الرابع والخمسين. أتى إلى العمل حينها مُرتديًا قميصًا طُبعت عليه من الأمام صورةٌ كبيرة لـ "Walter White"، الشخصية الرئيسية في المسلسل الشهير "Breaking Bad". كنتُ سعيدًا برؤية "Heisenberg" أكثر من سعادة جيجل نفسه بأسنانه التسعة المُتبقّية في فمه. كانت علامات الحيرة باديةً على وجهه حين لاحظ اهتمامي الزائد بتلك الشخصية. بدأ يشتمني حين التقطتُ له أكثر من صورة. هدّدني بخلع القميص أن لم أكفّ عن ذلك. لا يعلم جيجل النحيل كيف شاهدتُ الحلقات الأخيرة من ذلك المسلسل عام 2013. كنتُ نازحًا في مدينة الرقة يا صديقي. أنتظر حلول الساعة الثانية فجرًا. أحمل اللاب توب وأقصد مقهى الانترنت بجانب دوّار النعيم. كان الإنترنت الفضائي الخيار الوحيد المُتاح آنذاك. تحميل الملفّات مسموحٌ به بين منتصف الليل والسادسة صباحًا. أعود إلى المنزل بعد الحصول على الحلقة المعروضة مُؤخّرًا. أشاهدها وأنتظر وصول الطائرة. تصل الطائرة وتفرغ حمولتها. ترتجّ الأرض. يتصاعد الدخان ويموت بعض الناس. أنام بعدها وأنتظر الحلقة القادمة بفارغ الصبر.

يعود إبراهيم إلى هدوئه. يُشعِل سيجارةً أخرى ويجوب المكان بنظراتٍ سريعة. ينفجر ضاحكًا ويدمدم: شعر أحمر المجنونة! تلتفت جوليانا وكأنّها أحسّت بما يدور. كانت مُنشغلةً كعادتها مع هاتفها المحمول. تنسخ النصوص الفرنسية التي تجدها في مُراسلات "الماسنجر". تُترجمها إلى الرومانية وتبتسم. تعود إلى المُحادثات وتُرسِل الأوجه الضاحكة والكثير من القلوب الحمراء. كانت جوليانا محطَ أنظار الجميع؛ في العمل، في وسائل النقل، في المحال التجارية. كانت تُغيّر لون شعرها باستمرار. تختار ألوانًا فاقعةً غير اعتيادية؛ الأحمر البرتقالي، والأزرق، والأخضر، والوردي. يسأل إبراهيم نفسه باستغراب: كيف لسيّدة الطماطم أن تفعل ذلك؟ كان إبراهيم أحد القلائل الذين يعلمون حقيقة تسمية "سيّدة الطماطم". في صيفٍ فرنسيّ حار، كانت مهمّة جوليانا قطف الطماطم الناضجة داخل البيوت البلاستيكية الممتدّة طويلًا. حرارةٌ مرتفعة، ورطوبة قاتلة، وحساسيّة تُصيب الجلد عند ملامسة الأوراق. ظروفٌ تجعل من العمل داخل تلك البيوت عقابًا مأجورًا. في ذلك الموسم، لاحظ المدير وجود خطبٍ ما. راح يستفسر من جوليانا عن سبب قلّة محصول الطماطم. كانت تُجيبه في كلّ مرّة بعدم معرفتها. تنظر اليه بعينيها الواسعتين الجاحظتين وتُطلِق بعدها ضحكةً شرّيرة. قرّر المدير في الآخر وضع كاميرات المراقبة بشكلٍ سرّي. لم يُفاجَأ حين شاهد أشرطة التسجيل بعد أسابيع قليلة. كانت جوليانا تضع الطماطم في صناديق بلاستيكية. تُخفِي ثلاثة أو أربعة صناديق وتعود بباقي القطاف الأسبوعي. بعد انتهاء العمل وعند حلول المساء، تأتي جوليانا في سيارةٍ رفقة بعض الرجال. يتسلّقون حائط المزرعة. يجلبون الصناديق المُخبّأة ويُغادرون على عجل. لم يُخبِر المدير قطّ جوليانا بذلك. احتفظتْ هي بعملها، واستمرّ تناقص الطماطم!

توجّه جيجل بعد انتهاء المكالمة لتفقّد درّاجته الهوائية. كانت تبدو في حالةٍ جيّدة بعد أن سرقها حديثًا. اقتربا منه تارزان (1) وبيلّا لإلقاء نظرةٍ بدورهما. أبدى تارزان إعجابه بالدرّاجة وراح يتحقّق من جيوبه. كان دائمًا ما يرتدي معطفًا أكبر من قياسه الحقيقي. لم يكن ذلك بسبب الفقر أو شيئًا غامضًا. صار أمرًا في غاية الوضوح لمَن عَمِل معه. كان يذهب إلى غرفة تبديل الملابس في استراحة منتصف اليوم وعند انتهاء العمل. يسرق نظرةً خاطفة في الأرجاء. يفتح الخزانة المُخصّصة له ويلتصق بها أكثر. يُدندن ببعض الألحان ويُفرِغ جيوبه المليئة بالبصل. اعتاد الآخرون على ذلك، كما اعتادوا على رؤية جيجل وهو يتسوّل في الطرقات أيّام العطل الأسبوعية. كان جيجل يختار التواجد عند التقاطعات المُزدحمة بجانب إشارات المرور. يواظب على فعل ذلك كما لو كان عملًا إضافيًا. يقف وينتظر تعاطف العابرين معه. البعض منهم كان يَمضي ضاحكًا في سيّاراتٍ فارهة، وآخرون صامتون لا ينظرون سوى أمامهم. يُبادر جيجل الجميع بالابتسامات والنظرات المُنكسِرة. يتخلّص سريعًا من هدوئه ويشتم كل مَن يرفع زجاج النوافذ في وجهه. لم يتوقّع جيجل يومًا أن المدير سيكون أحد أولئك العابرين. تحقّق من ذلك مع توقّف السيارة وتوهّج الضوء الأحمر. بدا الزمن ثقيلًا حينها. لم يدري ما الذي يجب فعله. لملم أغراضه في الآخر وغادر سريعًا. رَحَلَ مُطأطئ الرأس كطفلٍ نال للتوّ عقابًا من والديه.

اكتفى بيلّا بالتحقّق من فرامل درّاجة جيجل. لم ينطق بشيء. أَشعَل سيجارةً جديدة وراح يبتعد شيئًا فشيئًا. كان يجرّ جسده الثقيل بخطواتٍ تائهة. يُشبّك أصابع يديه خلف ظهره ويرمي برأسه الكبير للأسفل. كان حين يُسأل عن المجر التي أتى منها باحثًا عن عمل، يجيب باختصار: بودابست.. بودابست. لا أحد يعلم لماذا لا يتكلّم بيلّا. ولا أحد يعلم أيضًا كيف فقد اثنين من أصابع يده اليمنى. كان بيلّا يعمل بلا كللٍ أو تعب. زوجةٌ وخمسة أطفالٍ في المنزل، وعلبة سجائر على الدوام في جيبه. في يومٍ شتويّ بارد، ذهب بيلّا ضمن مجموعةٍ إلى إحدى المزارع البعيدة. الصقيع منبسط، والشمس تحاول فتح ثقوبٍ في الغيوم. انكبّ بيلّا على الأرض وبدأ بجمع حبّات اللفت. دقائق بعدها، طَلَبَ المُشرِفُ سرعةً أكبر في العمل. توقّف بيلّا لفهم ما يجري. تسرّب التراب من بين أصابعه. نَظَرَ إلى الوراء. كانت السلّة بجواره شبه فارغة. حبّات اللفت تتناثر هنا وهناك. لم يُخبِر بيلّا أحدًا أنه لا يستطيع الرؤية على مسافةٍ قريبة. كان يتحسّس الأرض بيديه. يعزل الصخور والرمل عن حبّات اللفت. ينتشلها ويرمي بها إلى السلّة. أدرك بيلّا أنه سيكون في ورطةٍ إن بقي على هذا الحال. أصبح مُتأخّرًا عن زميليه المجاورَين له. عاد بيلّا وغرس يديه في التراب. تحوّل كلمح البصر إلى محراثٍ صار يشقّ الأرض ويُخرِج ما بجوفها. أطلق المُشرِف كلماتٍ تحفيزية. راح يُصفّق ويختفي شيئًا فشيئًا وسط الضباب.

مرّت لويزا بجانب بيلّا وهي تقصد صالة الطعام. قالت بتلحين بسيط: بيلّا تشاو.. بيلّا تشاو. هزّ رأسه وأجابها بصوتٍ غليظ: تشاو.. تشاو. عدّلت لويزا من حجابها وأدخلت صحن الطعام في المايكرويف. التقطتْ بعض الأنفاس وراحت تشتكي من صعوبة هذه الحياة. كان لديها ستة أولاد وفتاة وحيدة. تنظر في وجوه الآخرين وتتساءل بتذمّر: هل من الطبيعي أن أعمل وزوجي في المنزل؟ كانت لويزا تبدو ساخطةً على كلّ شيء في كلّ مرّةٍ تتحدّث فيها بتلك الطريقة. تهدأ بعد لحظات وتتصالح مع نفسها سريعًا. تُؤكّد أنها ستذهب إلى الجنّة بسبب ما تعانيه منذ سنواتٍ طويلة. كان زوجها يكتفي بالصلاة والتعبّد وقراءة القرآن. يَخرج بسيّارته لإيصال زوجته إلى العمل. يعود ويقلّها في الخامسة والنصف مساءً. تَدخل المنزل فتجد جيشًا من الجائعين في انتظارها. تلعن الحرب التي دفعتها لإنجاب كلّ هؤلاء. كانت لويزا تركض هاربةً وفوقها طائراتٌ روسية تحرق غروزني ليل نهار. تسترق نظراتٍ خاطفة إلى سماء المدينة. تُشاهد جحيمًا يقذف حِمَمًا على الخائفين في الطرقات. تُسارع الخطى والصرخات تتعالى من هنا وهناك. تنجح في بلوغ منطقةٍ ريفية لم تصلها جنون الحرب بعد. تبحث عن زوجها الذي فقدت أثره. كان قد وقع في قبضة رجال المخابرات الروسية. وضعوه في زنزانةٍ تحت سطح الأرض ولها فتحةٌ في السقف. عذّبوه لثلاثة أسابيع. كان عاريًا خلالها يبحث عن بعض الدفء وسط أجسادَ عاريةٍ أخرى. استعادته لويزا في الآخر بعد أن عرفت مكانه ودفعت مبلغًا كبيرًا إلى أحد الضبّاط. غادروا الشيشان لاحقًا وأصبحوا لاجئين في فرنسا.

لم تكد لويزا تفرغ من حديثها الطويل حتى دخلت المديرة العامّة وألقت التحيّة. كانت نادرًا ما تأتي إلى موقع العمل. راحت تستكشف الحاضرين وتسألهم عن أحوالهم. تحوّلت الأنظار سريعًا نحوي حين طلبتُ منها التحدّث على انفراد. أجابت بالموافقة واخترنا الابتعاد عن مسامع الآخرين. أخبرتُها بلا مُقدّمات أنّ ما سأقوله ينطوي على الكثير من التعقيد: قبل حوالي أربعة أشهر من الآن، بدأ الأفغاني سعيد أوّل أيّام عمله. استغرق الأمر منه بعض الوقت لاستكشاف طبيعة العمل والتعرّف على بعض الزملاء. كان برفقة آخرين في إحدى المزارع حين عَلِمَ أنّ أحمد شابٌّ من سوريا. اقترب منه وسَأَله بلا تردّد: هل صحيح أنك من سوريا؟ أجابه أحمد بالإيجاب. اقترب أكثر وقال بثقة: قاتلتُ في سوريا لثمانية أشهر في عام 2014. فوجئ أحمد بما سمعه. تفحّص وجه سعيد. سألهُ بعد أن استذكر شريط آلام الحرب ورحلة اللجوء القاسية: كُنتَ مُقاتِلًا في صفوف بشّار الأسد؟ قال سعيد: نعم، قاتلنا في مناطق عديدة، وتعلّمتُ التحدّث قليلًا بالعربيّة من تواجدي هناك. ابتعد أحمد عن المجموعة وقرّر البقاء وحيدًا. احتفظ بصمته إلى أن عاد في آخر اليوم وأخبرني بما جرى. كنتُ في حالةٍ من الصدمة لسماع تلك التفاصيل. كان السؤال الأهم في ذلك الوقت: ما الذي دفع سعيد للكشف عن هذه المعلومات؟ كان ينظر نحونا ويُحاول استراق السمع من بعيد. ربّما أدركَ أنه تسرّع بصراحته تلك. كان جسده الهزيل وحجمه الصغير لا يشيان بأنه قاتلٌ عابرٌ للحدود، لكنّ نظرةً سريعةً في وجهه تكشف الكثير. ندباتٌ وتشوّهات وجلدٌ مُحترِق. تحت العينين وعند الوجنتين وفي الرقبة وعلى جانب الفم. أنفه الصغير بدا كقطعة لحمٍ أُعيد الصاقها بعد خروجها من محلّها. بصمة المعارك والتفجيرات بدت واضحةً عليه. كان أقرب ما يكون إلى كائن "الشّسمه" من رواية "فرانكشتاين في بغداد".

كانت المديرة تُصغِي بانتباهٍ شديد. تقف أمامي بلا حراك وترمش بعينيها كثيرًا. بدتْ حائرةً بما سمعتْه. أرادتْ قول شيءٍ ما، لكنّني عاودتُ الحديث سريعًا: لا أعلم كيف غادر سعيد بلادي، ولا أعلم كم شخصًا قَتَلَ هناك. تسلّل بخفّةٍ وسط جموع اللاجئين إلى أوروبا. اختارَ ألمانيا وبقي فيها خمس سنوات. تعلّم الألمانية ورُفِضَ طلب لجوئه. وَصَلَ إلى فرنسا عام 2020. تحصّل على قرار اللجوء والأوراق الرسميّة. ساقه الحظّ في الآخر إلى التواجد معي في المدينة ذاتها، في العمل ذاته، في الغرفة ذاتها! أتعلمينَ سيّدتي ما يعنيه ذلك؟ كانت الأيّام والأشهر الماضية أصعب من سنوات الحرب والنزوح والهجرة واللجوء مُجتمعةً. أتدركين سيّدتي معنى أن أُشاهد وجه هذا القاتِل في الصباح؟ أن يكون بجواري ونحن نغسل أيدينا من آثار التراب ونسترق النظرات في المرآة المُتّسخة فوق المغسلة؟ أن يُسجِّل حضوره ونوقّع بالقلم ذاته بجانب أسمائنا المُعلّقة أمام الباب؟ أن يجلس على بعد خطواتٍ مِنّي ونأكل طعام الغداء تحت سقفٍ واحد؟ أتعلمين، في مرّاتٍ عديدة، كنتُ على وشك الإمساك به وافراغ بعض القهر المتراكِم منذ سنوات. كان شيئًا غامضًا يقف أمام ذلك. لا أعلم ما هو. مع مرور الأيّام، صرتُ أتجنّب النظر اليه، وهو بدوره، صار يتحادث مع جيجل والآخرين ويتبادلون النكات. كان يُجري بعض الاتّصالات ويتحدّث بالأفغانية بصوتٍ مُرتفع. يُقاطعه جيجل أحيانًا ويقول له: طالبان.. طالبان. يُنهي الاتّصال ويَضع هاتفه فوق الطاولة. تُضيء شاشة الهاتف وتَظهر الصورة ذاتها. سعيد ورفيقه يقفان بجوار بعضهما ويرتديان البدلة العسكرية. أُغادرُ الصالة. أقتربُ من الشاب السوداني مُبارك. كان مُنشغلًا كعادته بلفّ ورقة التبغ. يسألني بلهجته السريعة: أخبارك ايه يا زول، عامل شنو؟ شرحتُ له باختصار ما يجري. كان لديه هو الآخر بعض الحيرة تجاه سعيد. تناولَ هاتفه وأظهر لي صورة الأفغاني في تطبيق واتساب. كان سعيد يقف وحيدًا في هذه الصورة مُرتديًا اللباس العسكري أيضًا. يضع الكلاشنكوف فوق كتفه اليمنى ووجهه مُحتقنٌ بالسّموم. احتفظتُ برقم هاتفه ومنحته اسم "The killer".

راحت المديرة تُؤكّد لي على أنها ستتواصل مع "OFPRA" (المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية) للتحقّق من أمر سعيد. بدتْ حازمةً فيما تقول. اقتربتْ نحوي وتحدّثت بهدوء: هل أنتَ خائف؟ لم أُدرِك على الفور معنى هذا السؤال. كان رأسي مليئًا بالتناقضات والأحاسيس الغريبة. كنتُ أشعر أنّني وحيد. لا أحد سيفهم قسوة تواجد سعيد هنا. الكلّ منغمسٌ في العمل. لا وقت لمثل هذه القصص. لا وقت للتعاطف. وما الذي سيفعله التعاطف أصلًا؟ ربّما سيتعاطف بعضهم مع سعيد!

قبل حوالي عامين، كنتُ في مكتب المديرة ذاتها أُوقّع أوّل عقد عمل مُذ أصبحتُ لاجئًا. قالت لي حينها مع ابتسامةٍ خفيفة: العمل لدينا صعب. أجبتها أن لا مشكلة في ذلك. لم يسبق لي العمل في مجال الزراعة، لكنني سأتعلّم سريعًا. كان اليوم الأوّل بطول الدهر. كنتُ وسط أرضٍ واسعةٍ وتحت شمسٍ حارقة. صرتُ أحادث نفسي: أنا ابن الصحراء وهذه الشمسُ سحابةٌ عابرة. كنتُ مُخطِئًا في ذلك. عدتُ إلى المنزل وكانت الشمس ما تزال بداخلي. أمضيتُ تلك الليلة غارقًا في هذياني. أدركتُ لاحقًا لماذا يتواجد جيجل ورفاقه هنا.

تَحضَّرَ الجميع للمغادرة في نهاية ذلك اليوم الطويل. يُخبرني جيجل بأنه سيقضي إجازةً شهرًا كاملًا في مدينة تيميشوارا. كان يُحدّثني باستمرار عن مسقط رأسه في رومانيا. يُؤكّد على أنها مدينة جميلة، لكنّه لن يعود للاستقرار فيها مرّةً أخرى. يَشرح بيديه أنّ رومانيا باتت مليئةً بالمتسوّلين. يَركب درّاجته بخفّة ويهمس لي: لم يعد هناك سوى الفقر وأسطورة دراكولا.

 

هامش

1- تارزان: اسمه الحقيقي روميو. يُناديه الجميع بمن فيهم المدير بـ تارزان. متزوّج واسم زوجته جوليت. كان جيجل دائمًا ما يقول له ساخرًا: أنتَ في العمل تارزان، وفي المنزل روميو!

 

اقرأ/ي أيضًا:

صوت الزلزلة

طائرٌ يدلّكِ عليَّ