هاني عباس.. هل صعد اللاجئون سفينةَ نوح؟

هاني عباس.. هل صعد اللاجئون سفينةَ نوح؟

الفنان هاني عباس

منذ اندلاع الثّورة السوريّة وحتّى اللحظة الراهنة، تستمرُّ الكتُب التي توثّق تلك الثورة وأحداثها بالصدور تباعًا، محاولةً تقديم صورةٍ عمّا عايشهُ السوريين في ظلّها، لا سيما وأنّ تلك اليوميَّات غالبًا ما تكون يوميات الموثّق أو الكاتب نفسه، والتي جرت تحت ظروفٍ معينة أنتجتها الثّورة والآلة القمعيّة للنظام السوريّ.

بين الرسم والكتابة، يحكي فنان الكاريكاتير هاني عباس الحكاية السورية في أبرز منعطفاتها

كتاب "سمكة في سفينة نوح" (دار ميسلون، 2017) لرسّام الكاريكاتير الفلسطينيّ – السوريّ هاني عبّاس، يقدّم ما يُمكننا تسميتهُ شهادةً حيّة للأحداث التي عايشها، وذلك من خلال سرده ليوميّاته في مراحل زمنيّة مختلفة، وتحت ظروف متنوّعة أيضًا، بدءًا من اندلاع الثّورة، مرورًا بالحرب الهوجاء التي شُنّت على مخيّم اليرموك قبل حصاره، فضلًا عن رحلة نزوحه إلى لبنان ومن ثمّ إلى أوروبا، مقدِّمًا بذلك حكايةً هي حكاية كلّ السوريين اليوم، وإن بظروفٍ وأحداثٍ مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: نعم.. أنا إرهابي

يتألّف كتاب هاني عبّاس من ثلاثة أقسام؛ الأوّل، "بردٌ في جهنّم"، يضمُّ مجموعة كتاباتٍ ورسوماتٍ أُنجزتْ أثناء تواجده في جنوب دمشق، ومن ثمّ في مخيّم اليرموك، وذلك في السنوات الأولى للثورة السوريّة. وعمل هاني عبّاس من خلالها على توثيق بدايات الحراك الشعبيّ، وحياته وحياة النّاس من حوله في تلك الفترة، كاشفًا أيضًا عن دور الإعلام آنذاك، وطبيعة البشر المُرعبة التي بدأت تتّضحُ حينها. متحدِّثًا أيضًا عن الأحلام التي بدأت تراود السورييّن في بدايات الثورة، والتي ووجِهت بالقمع والعنف والدم. بالإضافة إلى مجموعة رسوماتٍ يغلبُ عليها طابع الأمل والتحدّي، الأمل الذي كان منتشرًا بين السورييّن آنذاك.

سمكة في سفينة نوح

القسم الثاني من كتاب "سمكة في سفينة نوح" والمعنون بـ"إطفاء العتمة" يسرد للقارئ بدايات استخدام النظام السوريّ للآلة العسكريّة في قمع الثورة والمُتظاهرين، وهي المرحلة التي شهدَ فيها المواطن السوريّ ما لم يألفهُ سابقًا، بدءًا من القصف العنيف والعشوائيّ للأحياء السكنيّة، مرورًا بالمجازر التي كانت تُرتكب بحقّ السوريين نتيجة ذلك القصف، والمشاهد المروّعة لتلك المجازر أيضًا، وانتهاءً ببداية الحصار ورحلات النزوح تلو النزوح. كما يضمُّ القسم أيضًا مجموعةً من الرسوم التي يطغى عليها هذه المرّة طابع الحزن والموت، واللذان كانا سائدين آنذاك في الشارع السوريّ.

القسم الثالث والأخير من الكتاب، يحملُ عنوانه "سمكة في سفينة نوح"، يتحدّث هاني عبّاس فيه عن تفاصيل اللجوء، لجوء السورييّن هربًا من آلة الموت. وهنا يصف حياة اللاجئين بين ما أسماه "حريق الذاكرة وبرد المستقبل". يقول الفنان هاني عباس حول هذا القسم لـ"ألترا صوت": "اللاجئ الذي صعد السفينة وركب البحر، لم يخطر في باله أنّه ركب سفينة نوحٍ لينجو من موتٍ سريع في بلاده، بعد ذلك رحلة موت بطيئة في الغربة". ويؤكّد عبّاس أنّ كلامه هذا ينطبقُ على من هم في متوسط العمر مثله. لا على من هم في مقتبله، أو الذين ولدوا لاجئين في تلك البلاد.

حول كتاب "سمكة في سفينة نوح" بشكلٍ عام، يقول هاني عباس إنّه بدأ بكتابته انطلاقًا من فكرة أنّ الكتابة، قبل أن تكون موهبةً أو مهنة، بدأت في الأساس تدوينًا وسيرةً ذاتيّة لحياة البشر ومجتمعاتهم، قبل أن تنتقل لاحقًا لتكون حاجةً ملّحةً وضروريةً في توثيق الأحداث والمتغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

هاني عباس: أؤمن بأنّ الفنّ، وبأشكاله المختلفة، هو التاريخ الحقيقي للإنسان

ويُضيف هاني عباس: "بدأت أكتب مقتطفاتٍ من فتراتٍ مهمّة في حياتي الشخصيّة، بالإضافة إلى حياة من كانوا آنذاك حولي. وذلك لأنّني أؤمن بأنّ الفنّ، وبأشكاله المختلفة، هو التاريخ الحقيقي للإنسان، وليست كتب التاريخ التي تخضعُ إلى تزويرٍ يُفرض من قبل أصحاب النفوذ. والسنوات السبع الماضية التي مررنا بها أحدثت تحوّلاتٍ جذريةٍ في حياتنا، وأيضًا تحوّلات وتغيّرات كثيرة وكبيرة في العالم، وطريقة تفكير الآخرين اتّجاه قضايا عديدة ومختلفة. وبما أنّني كنت في قلب الحدث أكتب وأرسم وأوثّق، وجدت الآن أنّه من المهم توثيق كلّ ما عايشتهُ في كتابٍ ورقيٍّ، رغم فيضانات الكتب الرقميّة".

اقرأ/ي أيضًا: إنقاذ الشعب!

وحول ما إذا كانت هناك فكرة معيّنة يودّ هاني عباس إيصالها للقارئ من خلال كتابه، يقول إنّ هناك عشرات الأفكار في الكتاب، والتي عبّر عنها رسمًا وكتابةً، منها الحريّة والموت والحياة والماضي والمستقبل واللجوء، والعالم الذي وقف متفرجًا على كلّ الحرائق التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام، وسوريا بشكلٍ خاصّ.

ويختم هاني عباس حديثه لـ"ألترا صوت" قائلًا: "في هذا الكتاب وثّقت لمرحلة مهمّة وغير عاديّة في حياتنا جميعًا، ولا أدري إن كانت هنالك مرحلةً أخرى يمكن أن أمرّ بها مستقبلًا وتدفعني للكتابة عنها، حاليًا أكتفي بكتابي هذا، وأتمنّى أن يُضاف كوثيقةٍ فنّية برفقة الكثير من الكتب المهمّة التي وثّقت هذه المرحلة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفكرة التي ترعب الدكتاتور

الأسد أو نغرق الولد