"هامنت": أنا الأم الحزينة
2 فبراير 2026
ينطلق فيلم "هامنت" (Hamnet) من الأرض، من الطين، من الأشجار العالية، من الهواء الرطب المشبع بذاكرة المطر. بعدسة مفتوحة على الحواف، تفتتح الحكاية بملاحقة جسد يخلط ذاته بالأرض، بالخصب، بالأمان الذي تمنحه الطبيعة لمكوّناتها. لحم وطين: جسد تحمله جيسي باكلي (Jessie Buckley)، وتزيّنه بوجهها الأليف الذي يُكتشف جماله على مهل. فمهابة ذلك الوجه وجلاله يحتاجان إلى تأمّل ووقت لإدراك مفاتنه وخصوصيته أيضًا. وجهها ليس وجه شخصية، بل كتلة إحساس تُضاء بنورها الداخلي الكوادر، لا العكس. تشعّ الملامح من فرحٍ غامض، ومن حزنٍ عميق متجذّر في بُعد سحيق. سيغدو هذا الحزن لاحقًا محور الفيلم، بل محور العالم كله: عالم الفقد.
الأدب وتوأمة مع السينما لا تكفّ عن التوالد
الفيلم مستوحى من رواية ماغي أوفارل (Maggie O’Farrell)، التي عادت بروايتها إلى حادثة تاريخية غير متداولة أدبيًا، واستثمرتها: موت الطفل هامنت، ابن وليم شيكسبير، الكاتب المسرحي الذي أسهم في تشكيل الإنجليزية الحديثة ورفدها بثروة تعبيرية هائلة، في زمن كانت الفرنسية واللاتينية تهيمنان على الفضاء الثقافي. في حياته المضطربة، يفقد شيكسبير طفله الذي عاش أحد عشر عامًا فقط، ثم يغادر بيت الأسرة، إلى موت طويل، تاركًا وراءه فراغًا في قلب عائلته لا تملؤه اللغة ولا الدموع، بل العجز الذي يكلّل هامات الرجال ويمنعهم من الإفصاح.
في هذا العالم، يحضر الرجال كأطياف بعيدة عن مركز التجربة. ليسوا قساة ولا عديمي الشعور، بل غرباء عن هذا النوع من المعرفة. الحزن يمرّ عبرهم كما يمرّ الطقس خلف زجاج مغلق
في منافسة غير معلنة، نجد الأم المكلومة في الرواية والفيلم تعي قدرتها على ممارسة الحداد العلني، كما لو كان اختصاصًا عتيقًا، على عكس الرجال هنا، وعلى عكس شيكسبير الذي يشلّه العجز عن ممارسة الحزن، فلا يعيش ألمه إلا ببطء، كما اعتاد أن يفعل في نصوصه. لكن العمل الفني، روائيًا كان أو سينمائيًا، لا يتجه نحو الأب الكاتب، ولا يروح إلى بؤرة الاسم الشهير، بل يُحيّده، متجهًا صوب الأم، صوب الكيان الذي يحمل الفقد في الجسد كخبرة مرّرتها نساء كثيرات قبلها في التعامل مع موت ساكني الأرحام وفلذات الأكباد.
الموت للأحياء والخلود للحكاية
في "هامنت"، الذي يحمل اسم الطفل الفقيد، يمرض الابن ويموت كما مات كثيرون قبله، لكن ما يغيّر ثقل الحكاية هو حامل الحزن. حتى لو لم ينهَر العالم بصخب، فإنه سينكسر تحت وقع الفجيعة. البيت سيبقى قائمًا، الحقول كما هي، الضوء ذاته، لكن كل شيء يتغيّر معناه مع الموت المتشبث بجدران المكان.
في هذا العالم، يحضر الرجال كأطياف بعيدة عن مركز التجربة. ليسوا قساة ولا عديمي الشعور، بل غرباء عن هذا النوع من المعرفة. الحزن يمرّ عبرهم كما يمرّ الطقس خلف زجاج مغلق. الأم وحدها تدخل قلب العاصفة، حيث يعود الألم ليكون الحدث الأعم، كما لو أنه الوجود بحاله. لكن في قلب كل هذا، يبقى للفن ما يقوله؛ يأتي الأدب كمنجٍ، كمعادل لفعل الإحياء، كولادة جديدة، كانبعاث بعد موات.
هذه الحساسية البصرية والوجودية ليست غريبة على سينما كلوي تشاو (Chloé Zhao). منذ " أغانٍ علّمني إياها إخوتي " (Songs My Brothers Taught Me ) ، مرورًا بـ "الفارس" (The Rider) وصولًا إلى" أرض الرحّل" (Nomadland)، تبني تشاو عالمًا سينمائيًا يربط الإنسان بالمكان كما لو أنه تتمّته العضوية غير المنفصلة عنه، لا سيّدًا عليه. شخصياتها دائمًا في حوار صامت مع الطبيعة، مع الفقد، مع هشاشة الوجود. الكاميرا لا تلاحق حبكة متصاعدة، بل تنصت للجسد وهو يعبر المكان. من حياة إلى موت، من كلام إلى سكوت.
في "هامنت" تبلغ هذه المقاربة ذروتها: الحزن يُروى ويُعاش حسيًا وبصريًا، يمكن تحسّسه كالندى في يوم بارد، ويمكن أن يخترق العظام كرطوبة في الريف الإنكليزي. يمكن ملاحقته بالضوء الطبيعي، والمسافات المفتوحة، والصمت الطويل؛ كلها تتحوّل داخل اللقطات والمشاهد الطويلة نسبيًا إلى لغة حداد. يعامل الفيلم الفقد كما لو أنه سحابة ما قبل الوجود، كما لو أنه حدث كوني، لا عائلي فقط، وأن الأم، لا الشاعر المسرحي، هي أول من يدرك سر هذا الوجود. هنا، قبل أن تولد اللغة، يولد الألم. وقبل أن يُكتب النص، يُحفر الغياب في الجسد.
في الفيلم، يُشلّ شيكسبير بعد موت ابنه، وأغنيس، الأم، لا تفقد ابنها وحده، بل زوجها أيضًا. الفقد تمدّد وتعاظم وابتلع الاثنين. تعتب أغنيس عليه لانسحابه، لكن ما لم تره في حينه أن شيكسبير لم يهرب من الحزن، بل دخل إليه من الباب الوحيد الذي يعرفه: الكتابة. أدرك أنه لن يستطيع مواساتها بالكلمات اليومية، ولن يعرف كيف يلمس جرحها دون أن ينزف هو. ففعل ما يفعله الخلّاقون حين يعجزون عن العيش في الواقع: بنى واقعًا آخر.
حين حزن شيكسبير، حوّل الحزن إلى طقس. وحين كتب، ألّف مسرحية وبنى مكانًا في آنٍ معًا؛ مكانًا يستطيع الطفل أن يعود فيه من غير أن يُنكر الموت. لم يُحيِ الابن بيولوجيًا، بل منحه جسدًا لغويًا، جسدًا يُستدعى كل مساء، يمشي على الخشبة، يتنفس في حنجرة ممثل، وينظر إلى العالم بعينين جديدتين في كل عرض. الطفل الذي مات مرة واحدة صار يُولد بلا نهاية.
الأفلام وملاحقة الأثر
نقديًا، استُقبل "هامنت" كما يُستقبل عمل خفيض الحضور، عميق الحساسية، لا يفهم الصخب، لأن الحزن غير صاخب أيضًا. دخل الذاكرة النقدية كحالة تُعاش حتى آخر نفس. بدا الفيلم كأنه يضع المتفرج في مواجهة منطقة طرية من الروح، حيث لا يحدث الكثير على مستوى الحدث، لكن شيئًا عميقًا يتحرّك في الداخل. توقّف النقاد طويلًا عند الأداء، عند وجه الأم المفجوع، عند روحها المكلومة كلوحة في معبد.
في موسم الجوائز، لم يتحوّل إلى عمل صاخب يكتسح المنصّات، بل سار على طريق تشبهه: هادئًا، ثابتًا، ومثقلًا بالمعنى. ارتبط اسمه باكتمال الحرفة، وبالاعتماد على ذلك المزاج السينمائي القديم الذي يحمل فيه الممثلون عبء الحكاية ويحوّلونها إلى ذواتهم. لم يكن "هامنت" فيلم إنجازات تقنية أو استعراضًا إنتاجيًا، بل فيلم يعرف معنى الأثر.